جرت العادة أن يكتُب المنتصرون التاريخ، أو على الأقل أن تكون أصواتهم هي الأعلى حين تُروى الحكايات. ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة: «التاريخ يكتبه المنتصر».
وللحكمة الأفريقية تعبير أشد بلاغة عن المعنى نفسه: ما دام الأسد لا يملك مؤرخاً، فسوف تظل حكاية الصيد تمجّد الصياد.
فالصياد، حين يروي القصة، سيحدثنا عن شجاعته، وعن الرصاصة التي أسقطت الأسد، وربما عن الصورة التي التقطها واقفاً إلى جوار جسده المُسجى على الارض. لكنه لن يحدثنا عن المرات التي طارده فيها الأسد، ولا عن خوفه وصراخه و«بشتنته» وهو يتسلق شجرة، تاركاً نعله في الأرض وثيابه ممزقة بين الأشواك والأغصان!
لن يحدثنا عن خيباته، لأن الرواية روايته.
أما الأسد، الذي لا يملك قلماً ولا صحيفة ولا مؤرخاً، فسوف يموت وتموت معه روايته.
وهكذا يفعل التاريخ أحياناً بالبشر أيضاً.
فليس التاريخ هو ما نجده في كتب المدارس ودواوين الحكومات وأرشيف السلاطين وحدها. التاريخ موجود كذلك في القرى والفرقان، وفي الأسواق والمراعي والمسارات، وفي حكايات الأمهات، وذاكرة الرعاة، ومجالس المسنين، وفي حياة أولئك الذين عبروا الدنيا من دون أن تلتقط لهم صورة، أو تحمل صحيفة أسماءهم، أو يُطلق اسم أحدهم على شارع.
إنني أشعر، كلما تقدمت بي السن، برغبة متعاظمة في البحث عن هؤلاء.
عن الفقراء.
عن البسطاء.
عن الناس العاديين الذين عاشوا وماتوا على هامش التاريخ المكتوب، بينما كانوا، في حقيقة الأمر، يصنعون أجمل ما في تاريخنا الإنساني.
أولئك الذين يصفهم المثل الشعبي الدارفوري بمرارة ساخرة:
«دلقون في فاشر ولا عندو راي».
والدلقون قطعة قماش بالية رثة؛ لا يلتفت إليها أحد، ولا يسألها أحد عن رأيها.
لكنني أريد أن أسأل «الدلقون» عن رأيه.
أريد أن أستمع إلى حكايته.
وأريد، ما استطعت، أن أعيد إلى هؤلاء الناس أسماءهم ووجوههم وكرامتهم ومكانهم في الذاكرة.
ومن بين الوجوه التي ظلت تطارد ذاكرتي منذ الصبا، وجه رجل كان يوم لقائي به سجيناً.
اسمه: أزرق ود ضي النور (المعلاوي).
كنت آنذاك طالباً صغيراً في مدرسة الدلنج الريفية الوسطى، التابعة لمعهد التربية بالدلنج في العام ١٩٦٩.
وفي عصر يوم الخميس، خرجت من داخلية المدرسة متجهاً نحو مدينة الدلنج على بعد ميل.
كان في جيبي خطاب صغير إلى والدي أطلب فيه إرسال بعض المصاريف. فقد نفد ما عندي قبل أيام، وكنت حزيناً، ذلك الحزن الذي لا يعرفه إلا طفل في مدرسة داخلية نفدت نقوده: لن أستطيع دخول السينما تلك الليلة لمشاهدة الفيلم الهندي في سينما العم عوض، ولن أستطيع شراء «الباسطة» التي تباع بجوار مبنى السينما. كانت تلك، يومها، من أكبر همومي.
وما كنت أدري أنني في الطريق إلى وسط المدينة سأتعلم درساً سيبقى معي أكثر من نصف قرن.
وقبل أن أصل إلى موقف السيارات، رأيت رجلاً طويل القامة، أخضر اللون، يمشي تحت حراسة شرطي.
كان الرجل ينظر إليّ.
نظرت إليه.
كان في ملامحه شيء أعرفه.
أبطأت خطواتي.
اقترب الرجل أكثر، واقتربت منه، وفجأة عرفته.
إنه من قريتنا، من أهلنا..
العم أزرق ود ضي النور (المعلاوي).
كان تحت حراسة بوليس السجون، فعرفت أنه سجين. ويبدو أنه كان عائداً من عمل أو خدمة يؤديها السجناء خارج السجن؛ ذلك النوع من الأعمال الشاقة التي كانت تُفرض عليهم من غير أجر.
اقتربت منه وسلمت عليه.
وما إن عرفني حتى فتح ذراعيه واحتضنني.
وقال، بحرارة أهلنا التي لا تحتاج إلى مقدمات:
«يا ود أخوي!»
ثم انهالت الأسئلة.
كيف حالك؟
كيف الدراسة؟
كيف الوالد؟
كيف الأهل؟
كيف ناس البلد؟
وكيف القرية؟
كانت عشرة دقائق، أو نحوها، لكنها بدت كأنها مجلس كامل من مجالس أهلنا في البادية او في خلوتنا.
نسي الرجل للحظات أنه سجين.
ونسيت أنا أنه سجين.
صرنا اثنين من أهل قرية واحدة التقيا بعد غياب.
وكان العسكري واقفاً ينتظر.
طال السلام.
وطالت الأسئلة.
وضاق الرجل، فيما يبدو، ذرعاً بهذا السجين الذي حوّل الطريق العام إلى مجلس أنس وسؤال عن الأهل والديار.
لكن أزرق لم يكن مستعداً لأن يسمح للسجن بأن يسلب منه واجباً تربى عليه.
قال للعسكري، بشجاعة وبساطة:
«يا زول، الولد دا ود أخوي، وطالب في البلد دي. ما دايرني أتفقد أحوالو وأديهو مصاريف؟»
فسكت العسكري.
ثم حدث شيء لم أنساه منذ ذلك اليوم.
مدّ العم أزرق يده إلى جيب العراقي القديم المتسخ.
لم يكن يرتدي ثياب رجل موسر.
ولم يكن حراً يذهب إلى ماله متى شاء.
لم تكن وراءه في تلك اللحظة حماره الوحيد ولا أغنامه العشرة، ولا أهله، ولا باديته، ولا مرحاله، ولا مجالسه، ولا المكانة التي يعرفه بها قومه.
كان سجيناً.
وحسب ظاهر الأشياء، لم يكن يملك شيئاً.
أدخل يده في جيبه وأخرج «خريتة» صغيرة كان يحتفظ فيها بما لديه من نقود.
فتحها.
وأخرج منها ريالاً – عشرة قروش.
ومد يده إليّ.
رفضت.
كيف آخذ مالاً من سجين؟
كنت طفلاً، لكنني أدركت قسوة المفارقة.
هذا الرجل بعيد عن أسرته، وعن ماشيته، وعن أرضه، وعن عزّه ومعارفه ومرعاه ومرحاله. يعيش خلف جدران السجن، ويتلقى الأوامر، وربما الإهانة، ويؤدي عملاً شاقاً بلا أجر.
وأنا آخذ منه مالاً؟
أصررت على الرفض.
لكنه أصر أكثر.
وكأن القضية لم تكن عشرة قروش.
كانت القضية، بالنسبة إليه، شيئاً أكبر بكثير:
أنا ابن قريته، وأنا طالب بعيد عن أهلي، وقد قابلني في مدينة غريبة نسبياً عن قريتنا. إذن أصبح من واجبه أن يتفقد حالي.
السجن يستطيع أن يأخذ حرية الرجل.
لكنه لم يستطع أن يأخذ منه المروءة.
والفقر يستطيع أن يفرغ الجيب.
لكنه، في بعض الرجال، لا يستطيع أن يفرغ القلب.
في الإجازة، عدت إلى القرية.
وكان من أول الأشياء التي حرصت على أن أحكيها لوالدي قصة لقائي بالعم أزرق ود ضي النور وهو سجين في الدلنج.
حكيت له عن السجن.
وعن العسكري.
وعن السلام الطويل.
وعن «الخريتة».
وعن الريال الذي أصر الرجل على أن يعطيني إياه.
استمع والدي إليّ، ثم قال جملة قصيرة ظلت هي الأخرى في ذاكرتي:
«هو راجل ما هيّن أبداً… وزول واجب ما فوقو كلام.».
لم يحتج والدي إلى خطبة طويلة.
في قاموس أهلنا، عبارة «زول واجب» كانت شهادة أخلاقية كاملة.
تعني أن الرجل يعرف حق الجار، وحق الضيف، وحق القريب، وحق الصغير، وحق الغريب، وحق من تقطعت به السبل.
تعني أنك تستطيع أن تكون فقيراً، لكنك لست صغيراً.
وأن تكون بلا سلطة، لكنك صاحب مقام.
وأن تكون سجيناً، لكنك أكثر حرية من كثيرين يمشون خارج الأسوار.
كان العم أزرق ود ضي النور من أهلنا المعاليا، وهم من الرعاة الذين كانوا يأتون موسمياً إلى منطقتنا في الحاجز–الدبيبات، ويتخذونها مصيفاً لهم ولمواشيهم من الضأن والماعز.٠
وللناظر من بعيد، ربما بدت العلاقة مجرد علاقة موسمية عابرة بين قرية ومجموعة من الرعاة.
لكنها لم تكن كذلك.
كانت هناك، تحت السطح، شبكة كاملة من العلاقات الإنسانية: سلام وسؤال، وماء ومرعى، ولبن وطعام، ومرض وعلاج، وأفراح وأتراح، وزيارات ومصاهرات، وصداقات تمتد من جيل إلى جيل.
كانت تلك العلاقات تصنع مجتمعاً من دون وزارة للشؤون الاجتماعية، وتبني السلام من دون مؤتمرات، وتنسج التعايش من دون بيانات سياسية.
وبعد أقل من خمس سنوات من لقائي بذلك السجين الكريم، تزوج شقيقي الأكبر من تلك المجموعة المعلاوية.
وهكذا اقتربت المسافات أكثر.
وأصبح الذين كنا نسميهم «ضيوف الموسم» أهلاً بالمصاهرة والدم.
وأصبح أزرق ود ضي النور جزءاً منا، وأصبحنا جزءاً من أهله.
مضت السنوات.
كبر ذلك الصبي الذي كان يحزن لأن مصروفه نفد ولن يستطيع مشاهدة الفيلم الهندي وأكل الباسطة.
تغيرت المدن.
وتغير السودان.
وتبدلت أشياء كثيرة.
لكن الريال الذي أخرجه سجين فقير من «خريتته» القديمة لم يفقد قيمته.
بل على العكس.
كلما تقدمت بي السن، ارتفعت قيمته في ذاكرتي.
كان عشرة قروش في حساب النقود.
لكنه، في حساب الإنسانية، ثروة كاملة.
لقد علمني أزرق ود ضي النور، من غير أن يقصد أن يعلمني، أن الكرم لا علاقة له بحجم ما تملك، وإنما بحجم ما تستطيع أن تتنازل عنه وأنت محتاج إليه.
وعلمني أن الفقير قد يعطيك من القليل ما يعجز الغني عن إعطائك من الكثير.
وأن الإنسان يمكن أن تُسلب منه حريته، وثيابه النظيفة، وماله، ومكانته الاجتماعية، وأن يوضع تحت حراسة عسكري، لكنه يستطيع مع ذلك أن يحتفظ بشيء لا. يستطيع السجان مصادرته:
كرامته.
وهنا تكمن مأساة التاريخ المكتوب.
فلو كان أزرق ود ضي النور وزيراً، أو زعيماً كبيراً، أو قائداً عسكرياً، لوجدنا اسمه في الكتب والصحف والوثائق.
لكنه كان راعياً.
ثم صار سجيناً.
فمن الذي سيكتب عنه؟
ومن الذي سيعرف أن رجلاً تحت الحراسة في أحد شوارع الدلنج، قبل أكثر من نصف قرن، أخرج آخر ما في جيبه تقريباً ليعطي طفلاً من أبناء أهله مصروفاً؟
قد لا تكون تلك الواقعة مهمة في تاريخ الحكومات.
لكنها، بالنسبة لي، واقعة مهمة في تاريخ الإنسان السوداني.
وهذا هو التاريخ الذي أبحث عنه الآن.
تاريخ الذين لم يكتب عنهم أحد.
تاريخ الفقراء الذين أنجبوا وربوا وعلّموا وأكرموا وضحوا، ثم غادروا الدنيا من دون نصب تذكاري.
تاريخ الرعاة والمزارعين والحرفيين والنساء البسيطات والعمال والخفراء والسجناء والغرباء وعابري الطرق.
تاريخ الذين لم يمتلكوا الصحف ولا المطابع ولا السلطة، لكنهم امتلكوا شيئاً ربما كان أعظم:
النبل.
ومنذ أن تجاوزت الثامنة عشرة وأنا أبحث، بطريقة أو بأخرى، عن العم أزرق ود ضي النور المعلاوي.
وما زال البحث جارياً.
فإن كان حياً، فهذه تحية رجل إلى رجل علّمه درساً وهو طفل.
وإن كان قد رحل، فهذه محاولة صغيرة لكيلا يرحل اسمه معه.
وإن وصلت هذه الكلمات إلى أبنائه أو أحفاده، فليعلموا أن أباهم أو جدهم ترك، ذات عصر في مدينة الدلنج، أثراً لم تمحه أكثر من خمسة عقود.
يا عم أزرق ود ضي النور:
كنتَ يومها سجيناً، وكنتُ أنا طفلاً.
ظننتَ أنك أعطيتني ريالاً.
لكنني أعرف اليوم أنك أعطيتني شيئاً أكبر بكثير.
أعطيتني درساً في الكرامة.
درساً في المروءة.
ودرساً في معنى أن يكون الإنسان فقيراً في المال، غنياً في النفس.
هذه الكلمات جزء يسير من دَيْن قديم أحمله لك.
وجزء صغير من حقك في التاريخ.
البركة فيك، وفي ذريتك، وفي أهلنا المعاليا.
ولعلنا حين نعيد كتابة تاريخ السودان، لا نبدأ هذه المرة من قصور الحكام ولا من ساحات المعارك، بل من أمثال أزرق ود ضي النور:
من رجلٍ كان يسير إلى السجن تحت الحراسة،
ومع ذلك توقّف في الطريق
ليعطي طفلاً بعض ما في جيبه.
فربما كان تاريخ السودان الحقيقي مختبئاً، منذ البداية،
في جيوب الفقراء.





