في خضم الحرب الإعلامية التي تشنها “غرف بورتسودان”، لا يمكن قراءة الشائعات الأخيرة حول منطقة “هجليج” النفطية بمعزل عن سياق العجز الميداني الذي يعاني منه “جيش البرهان”. إن المحاولات المستميتة لتسويق وجود اشتباكات وهمية بين قوات الدعم السريع وقوات دولة جنوب السودان تتجاوز كونها “كذبة إعلامية”؛ فهي مناورة سياسية يائسة تهدف لخلط الأوراق الإقليمية بعد أن حسمت قوات الدعم السريع المعادلة العسكرية على الأرض.
تفكيك “صناعة الوهم”: ما وراء الشائعة
من الناحية الفنية، يكشف لجوء إعلام “الفلول” لإعادة تدوير فيديوهات قديمة (من مسرح عمليات النيل الأزرق 2024 لمرتزقة مالك عقار) عن إفلاس استخباراتي وميداني. الهدف من هذا التضليل ليس مجرد رفع الروح المعنوية المنهارة لقواتهم، بل هو محاولة “لخلق أزمة دبلوماسية” بين قيادة الدعم السريع وجوبا.
إلا أن الحقائق الميدانية تدحض هذه السردية؛ فمنطقة هجليج تقبع تحت السيطرة العملياتية الكاملة لـ”قوات التأسيس”، والزيارات الميدانية لقائد ثاني قوات الدعم السريع الفريق عبد الرحيم دقلو، ورئيس الإدارة المدنية لولاية غرب كردفان يوسف عليان، تؤكد خلو المنطقة من أي توتر. بل إن هذه الزيارات ترسخ سيطرة الدعم السريع، ولم تُرصد أي قوات لجنوب السودان، كما لم تعترف “حكومة التأسيس” بأي وجود رسمي لها. وعليه، فإن ما يُروج عن وجود قوات جنوب سودانية -إن وُجدت- لا يعدو كونه تفاهمات حدودية مع قوات “التأسيس”.
العلاقة مع جوبا: التزام استراتيجي
بالنسبة لـ”حكومة التأسيس”، فإن أمن واستقرار جنوب السودان يُعد امتداداً للأمن القومي السوداني. لذا، فإن تأمين المنشآت النفطية وضمان تدفق الخام عبر هجليج ليس مجرد عمل أمني، بل هو التزام أخلاقي واقتصادي تجاه شعب جنوب السودان. لذلك، فإن أي اتفاق نفطي مع دولة جنوب السودان يبدأ بالاتفاق مع “حكومة التأسيس” بوصفه “استحقاقاً سيادياً” تفرضه السيطرة الميدانية، ويتم وفق تفاهمات تعكس الواقع الجديد.
في المقابل، يستخدم البرهان ملف النفط كورقة ضغط رخيصة لابتزاز حكومة سلفاكير، التي استجابت بإعادة “توت قلواك” وتعيين “جونسون أولوني” -الذي كان معارضاً ومدعوماً من استخبارات البرهان قبل عامين في منطقة “المقينص” بأعالي النيل- لقيادة القوات على الحدود مع هجليج. تدرك “قوات التأسيس” بوعيها الاستراتيجي أن حماية هجليج تعني حماية خاصرة جنوب السودان من مؤامرات “الحركة الإسلامية” التي لا تتورع عن إشعال الحرائق الإقليمية لضمان بقائها.
شرعية السيطرة تفرض تحالفات المستقبل
إن الرسالة التي يرسلها القادة من زيارة “هجليج” واضحة؛ ومفادها أن السيطرة الكاملة على المنطقة تدحض الإشاعات، وتؤكد أن السيطرة مستمرة وفي توسع، وأننا أمام “عهد التأسيس”. وتدرك جوبا -بواقعيتها السياسية- أن الشريك الحقيقي القادر على حماية المصالح المشتركة وتأمين الحدود هو الطرف الذي يمسك بالأرض، لا الطرف الذي يدير معاركه عبر الإشاعات الإعلامية.
إن استمرار تدفق النفط اليوم هو برهان عملي على أن “حكومة التأسيس” هي “الضامن الإقليمي” الجديد، وأن أي رهان من الفلول على تخريب هذه العلاقة سيسقط، كما سقطت ونزحت جيوشهم إلى دول الجوار.





