تقارير

قاعدة عسكرية روسية في السودان: ذهب ويورانيوم مقابل (فاغنر) وأسلحة!

(تقرير: منعم سليمان) 

حسم تصريح صحفي دبلوماسي التكهنات حول حقيقة القاعدة البحرية العسكرية التي تزمع روسيا إنشاءها في السودان على ساحل البحر الأحمر. حيث صرح السفير السوداني لدى روسيا “محمد سراج”، لوكالة الأخبار الروسية (سبوتنيك)، السبت 1 يونيو، أن السودان لن يتخلى عن التزاماته التي تم الإتفاق عليها مع روسيا حول بناء قاعدة بحرية روسية في البحر الأحمر، مؤكداً بأن تشييد القاعدة سيتم مباشرة عقب الانتهاء من بعض الإجراءات.

بدأ مشروع القاعدة العسكرية الروسية في السودان في العام 2017، حين زار الرئيس السابق “عمر البشير” روسيا، ووقع مع الرئيس الروسي “بوتين” بروتوكول تعاون عسكري يقضي بإنشاء قاعدة عسكرية على سواحل البحر الأحمر، وتم تعليق الاتفاق بعد نجاح الثورة الشعبية، التي أسقطت حكومة الإسلاميين برئاسة الجنرال البشير في أبريل 2019. وقد عاد الحديث عن القاعدة مرة أخرى بعد الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، الذي أعاد جميع كوادر النظام الإسلامي السابق إلى الخدمة بعد الإطاحة بالحكومة المدنية الانتقالية التي كان يقودها عبد الله حمدوك. وبعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تم الرجوع لجميع الاتفاقات التي تم إبرامها إبان فترة حكم الإسلاميين، ومنها التعاون الأمني والعسكري مع إيران، والبروتوكول العسكري الذي وقعه الجنرال البشير مع روسيا، والذي بموجبه تم الاتفاق على القاعدة البحرية العسكرية.

في نهاية أبريل الماضي، ودون إعلان مسبق، هبطت بمطار بورتسودان طائرة نائب وزير الخارجية ومبعوث الرئيس الروسي “ميخائيل بوغدانوف”، وكان برفقته وفد كبير به مسؤولين من وزارتي التجارة والخارجية مع عدد أكبر من القادة العسكريين. وصرح المسؤول الروسي بعد وصوله أن زيارته تأتي لإظهار دعم روسيا لسيادة ووحدة السودان، ورفضها للتدخلات الأجنبية واعترافها بالشرعية القائمة -في إشارة لمجلس السيادة الذي يحتكره البرهان لنفسه بعد انقلابه على الشرعية الدستورية التي كانت قائمة- قائلاً  إن زيارته لبورتسودان هي للتعبير عن هذا الموقف.

لقاء البرهان بالوفد الروسي، أبريل الماضي

بالطبع لم يكن هذا هو هدف زيارة الوفد الروسي، إذ إن الوزير بوغدانوف كان قد التقى في روسيا قبل قدومه إلى الخرطوم بـ 3 أيام بأحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز المخابرات السوداني، والذي كان يزور روسيا للمشاركة في اجتماع الممثلين الدوليين رفيعي المستوى المسؤولين عن القضايا الأمنية في بلدانهم، وهو اجتماع انتهز مفضل فرصته والتقى فيه بمسؤولين أمنيين روس منهم “يونس بيك يفكوروف” نائب وزير الدفاع الروسي، والذي يدير مجموعة الفيلق الأفريقي (فاغنر سابقاً) بعد أن تمت إعادة هيكلتها عقب تمرد قائدها السابق “يفغيني بريغوجين” ومقتله في ظروف غامضة لاحقاً. 

قال لي مصدر أمني عالي الوثوقية في بورتسودان، إن لقاء مفضل ببوغدانوف وبعض القادة الروس في موسكو هو الذي مهد لزيارة بوغدانوف، حيث أتاهم بالرد على الشروط، التي فرضتها موسكو في السابق على حكومة بورتسودان لمدهم بالأسلحة ومساعدتهم في حربهم ضد قوات الدعم السريع، ومنها البدء في إنشاء القاعدة البحرية العسكرية، وعدم التعامل مع أوكرانيا، وتخصيص مربعات للتعدين حددتها في مناطق: (دورديب) و(جبيت)، التي تقع على مرتفعات ولاية البحر الأحمر الغنية بالذهب، وقد وافقت حكومة البرهان على جميع الشروط الروسية في ردها الذي سلمه مفضل، كما طلبت أيضاً إرجاع  الخبراء العسكريين الذين ينتمون لمجموعة (فاغنر)، الذين كانوا يعملون مع الجيش والذي توقف العمل معهم في بداية العام 2019. كما طلب مفضل ضمان عدم تعامل فاغنر (الفيلق الأفريقي) مع الدعم السريع مستقبلاً. وبحسب المصدر وافقت روسيا على ذلك، ووعدت بإرسال خبراء من الفيلق الأفريقي (فاغنر) لمساعدة الجيش وحماية مناطق التعدين الروسي.

التقى بوغدانوف في زيارته بعدد كبير من المسؤولين في حكومة بورتسودان، أهمهم البرهان ووزير التعدين (أبونمو) – وهو وزير فاسد ومرتشي ينتمي لحركة مناوي . قال لي مصدر في وزارة التعدين إن الروس أتوا ومعهم صوراً مأخوذة بالأقمار الصناعية لمناطق محددة في البحر الأحمر، يريدون التعدين فيها، مثل منطقة (دورديب)، التي يوجد بها احتياطي جيد من الذهب واليورانيوم – بحسب خبير جيولوجي سوداني طلب عدم الإفصاح عن هويته.

وقال لنا مصدر آخر لصيق بشخصيات لها علاقة بمكتب البرهان، إن لقاء البرهان بالمسؤول الروسي (بوغدانوف) تطرق إلى إقتصاد السودان بعد الحرب وموضوع الإعمار، وإن البرهان بدا عليه  القلق في هذا الخصوص من ردود الأفعال الغربية بسبب العلاقة مع روسيا، وخصوصاً رد فعل أمريكا، وتأثير ذلك على الاقتصاد والديون. وبحسب المصدر قال له بوغدانوف إن عليه أن لا يقلق حول هذا الأمر، إذ إنها مسألة وقت وتصدر العملة الدولية الجديدة  (بريكس) وإنه ربما لا يحتاج إلى التعامل بالدولار مرة أخرى، قائلاً له بأنهم في روسيا يطمحون للمزيد من التعاون مع الدول الأفريقية وإدخالها في النظام المالي الجديد، لذلك هم يسعون للتعدين لتوفير الذهب لتغطية وتقوية العملة الجديدة.

المصدر أكد أن موضوع القاعدة العسكرية أصبح محسوماً، وأنها مسألة وقت قبل أن تصبح واقعاً على الأرض، وأنهم يناقشون الآن قضايا فنية، مثل المدة والاسم قبل توقيع الاتفاق، إذ إن حكومة البرهان تريد أن تكون مدة عقد القاعدة العسكرية من 10 – 15 عاماً، مع فترة سماح 5 أعوام، بينما تريد روسيا 25 عاماً مع فترة سماح 10 أعوام، كما كان الأمر في اتفاقها القديم مع النظام الإسلامي السابق. ومن ناحية أخرى، يريد البرهان أن يلتف على الأمر، ربما لأنه يخشى غضب دول إقليمية ودولية من منحة قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر، لذلك يريد تسميتها في العقد بـ (نقطة تزود بالوقود) عوضاً عن قاعدة عسكرية.

لقد سألتُ قيادياً في تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، سبق له التعامل مع البرهان كثيراً في الماضي، حول ما إذا كان البرهان سيمنح روسيا قاعدة عسكرية، فأجاب قائلاً: “البرهان مراوغ ومخادع من الطراز الأول، ربما نعم وربما لا، ولكن لو وافق على اتفاق منح القاعدة البحرية للروس فإنني أقسم لك بأنه لن يوقع الاتفاق بيده، ربما بيد نائبه مالك عقار، وهو يريده لهذا الدور، وعقار أثبت أنه مناسب لهذا الدور، فهو يعرض ظهره للركوب مهما كان ثقل الحمولة، المهم عنده هو الثمن”. وأضاف قائلاً: ” لا يمكن أن يخرج أي أحد من مكتب البرهان وهو غاضب، هو يسمعك ما تريد سماعه،  ولكنك حتماً ستغضب بعدها كثيراً حين تصل وجهتك، وأيضاً هو مدمن على لعبة البيضة والحجر، يجمع روسيا مع أوكرانيا، وإسرائيل مع حماس، هذه هي شخصيته، لا يمكن لأحد التنبؤ بما سيقوم به هذا الرجل، وهو لا يصدق أبداً ، ولا ينسى شيئاً ولا يتعلم شيئا “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: شارك الخبر، لا تنسخ