أخبارتقارير

هل سيقف ترامب حاجزاً أمامه طموحات السودان؟

الجماهير : وكالات

تخلى الرئيس السوداني، عمر البشير، عن خطبه الاحتجاجية التي يُعرَف بها ضد الولايات المتحدة، ولجأ مؤخراً إلى استخدام نبرة أكثر هدوءاً وتوافقية. حين دخل قرار حظر السفر الذي أقره دونالد ترامب حيز التنفيذ، مستهدفاً مواطني 7 دول من الدول ذات الأغلبية المسلمة، ومن ضمنها السودان، في يناير ، عبَّر المحتجون في مطار جون إف كينيدي الدولي من سكان نيويورك عن اعتراضهم أكثر مما فعلت الحكومة السودانية.

كانت مسؤولية الاحتجاج من نصيب عبد الغني النعيم، وكيل وزارة الخارجية السوداني، الذي لم يحتج بقوة، ولم يفعل ذلك إلا بعد تأكيد حرص السودان “على مواصلة الحوار والتعاون مع الجانب الأميركي على المستويات كافة”.

الخرطوم غير مستعدة لإثارة الجلبة و المخاطرة بمكاسب التطبيع الأخير

بعث هذا الرد المهادن برسالة مفادها، أنه في الوقت الذي تَعُدّ فيه الخرطوم حظر السفر قراراً مزعجاً، فإنها لا ترغب في المخاطرة بالتقدم الأخير الذي أحرزته على صعيد تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. بعد عقدين من توتر العلاقات، تعتزم الحكومة السودانية التخلي عن وضعها كدولة مارقة، وهو ما دفع الطلاب السودانيين وحاملي البطاقات الخضراء العالقين في المطارات الأميركية إلى اللجوء للاتحاد الأميركي للحريات المدنية؛ طلباً للمساعدة. فالخرطوم لم تكن على استعداد لإثارة الجلبة نيابة عنهم أو للدفاع عن حقوقهم.

قبل قرار حظر السفر الذي وقعه ترامب، كانت الأوضاع تنبئ ببعض التحسن بالنسبة للبشير، المتهم بالإبادة الجماعية أمام المحكمة الجنائية الدولية في 2009. ففي الساعات الأخيرة من رئاسة باراك أوباما، وقّع أوباما قراراً تنفيذياً برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ عام 1997 بشكل جزئي، كانت هذه العقوبات قد فُرضت على السودان إثر معارضتها الولايات المتحدة بعدما استضافت الأولى أسامة بن لادن وغيره من الجهاديين.

رفع الأمر التنفيذي، الصادر عن أوباما، العقوبات المفروضة على صناعة النفط والغاز السودانية، وألغى تجميد بعض الأصول السودانية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى السماح باستيراد وتصدير بعض السلع والخدمات المُعتَمَدة. إلا أن القرار التنفيذي أتى مصحوباً بفترة اختبارية تمتد 6 أشهر، على السودان خلالها العمل على تحسين دخول جماعات الإغاثة ووقف قصف المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في دارفور وجبال النوبة، بالإضافة إلى التوقف عن دعم المتمردين بجنوب السودان المجاورة والتعاون مع وكالات الاستخبارات الأميركية.

بعبارة أخرى، تملك إدارة ترامب القدرة على إعادة السودان مرة أخرى إلى مربع العقوبات إن لم ترضَ عن أداء الحكومة السودانية في أي من هذه المجالات.

“زيادة التضخم”

بالطبع، مَثَّل تخفيف العقوبات أخباراً سارة بالنسبة لاقتصاد منكوب. في يناير، أفاد المكتب المركزي للإحصاء بجمهورية السودان بارتفاع نسبة التضخم للشهر الثامن على التوالي، لتصل إلى 32.86%.

تعثَّر اقتصاد السودان منذ انفصال الجزء الجنوبي في عام 2011، آخذاً معه نصيب الأسد من الاحتياطي النفطي. كما تضاءلت الإيرادات الحكومية والدخل من النقد الأجنبي بشكل ملحوظ ومفاجئ إثر انهيار الاتفاقيات الخاصة بتقاسم العائدات مع جنوب السودان في خضم الاضطرابات السياسية.

أسفر هذا، مصحوباً بغياب القدرة على التعامل مع النظام المالي الدولي، عن نقص حاد في العملة الأجنبية، وهو ما حاولت الحكومة التغلب عليه عن طريق حظر بعض الواردات، وفرض المزيد من الرسوم الجمركية على البعض الآخر. في نهاية المطاف، كان كل ما تمكنت الحكومة من فعله هو زيادة التضخم.

الجميع يعاني و الاسواق يدخلها الساسة ورجال الأعمال المقربين من النظام

حتى في العاصمة الثرية نسبياً، يشتري المستهلكون السلع في عبوات يومية لإطعام بيوتهم حتى تنفد أموالهم. ويشيع القلق بين التجار في أسواق المدينة من أن بضاعتهم ستتعفن قبل أن تُباع، وعدا نخبة صغيرة من الساسة ورجال الأعمال المقربين من النظام، فالجميع يعاني.

من العسير القول أي من هذا مرتبط بالعقوبات الأميركية، وأيها نتج عن سوء إدارة الحكومة؛ إذ إن الأمرَيْن قد أضرا بالاقتصاد السوداني. إلا أنه من المتوقع أن يسفر القرار التنفيذي الذي وقعه أوباما في 13 يناي عن تحسن بعض القطاعات، مثل الصناعة والزراعة والرعاية الصحية، والتي حُرمت من المعدات والتكنولوجيا والاستثمار.

كان أثر العقوبات هائلاً على الاقتصاد؛ إذ رفضت البنوك التعامل مع المواطنين السودانيين وعجزت الشركات الخاصة عن القيام بالتحويلات الدولية، بحسب ما قاله أمين سيد أحمد، الاقتصادي والمستشار المالي الذي كتب الكثير عن نظام العقوبات، والذي تابع: “كيف يمكنك حينها شراء المدخلات الزراعية الأساسية على سبيل المثال؟ كيف يمكنك شراء الأدوية المنقذة للحياة؟ رجل الشارع غير المنتمي سياسياً هو أكثر المتضررين”.

ترحيب بقرار أوباما

ولهذا، رحبت طبقة رجال الأعمال بالقرار التنفيذي لأوباما، على الرغم من استقبال السودانيين العاديين له بنوع من عدم الاكتراث، والضجر من وعود الحكومة الدائمة بتحسن الفرص الاقتصادية. إلا أن تخفيف العقوبات لم يكن درامياً كما تمنى البعض.

قال محمد عبد الرحمن، المدير العام لمجموعة الاستشارات الهندسية ، والموجودة في الخرطوم، والمسؤولة عن 16 مشروعاً في دول إفريقيا والشرق الأوسط: “منذ الرفع الجزئي للعقوبات، تباطأت البنوك عن اتخاذ خطوات لتغيير لوائحها وأنظمتها”.

ما زالت العقوبة، البالغة قيمتها 8.9 مليار دولار، والتي فُرضت على بنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas) إثر انتهاكه العقوبات المفروضة على السودان وكوبا وإيران، ماثلة أمام القطاع المصرفي والمالي. تفضل العديد من البنوك تجنّب مخاطر العمل في السودان، رغم أن قرار أوباما التنفيذي يجعل من الاستثمار في السودان عملاً قانونياً.

رجل اعمال البنوك ترفض التعامل مع الشركات السودانية

ويضيف محمد عبد الرحمن: “تخشى البنوك من الغرامات، ولذا تُفرط في الامتثال، وترفض التعامل مع الشركات السودانية حتى في حال امتلاكها حسابات مصرفية بالخارج”.

لا يتراجع القرار التنفيذي المعدل لترامب، والذي أُعيد فرضه يوم الإثنين بعدما منع قاضٍ فيدرالي الحكومة من تنفيذ القرار الأصلي، عن تخفيف العقوبات الذي قدمه أوباما، إلا أنه يعيق قدرة السودانيين على الاستثمار والعمل التجاري في الولايات المتحدة.

مدير مركز إفريقيا .. من الصعب مزاولة الأعمال التجارية المشروعة مع قرار منع الدخول

قال جيه بيتر فام، مدير مركز إفريقيا في المجلس الأطلسي: “من الصعب مزاولة الأعمال التجارية المشروعة، والمسموح بها بموجب قرار أوباما في 13 يناير، إذا كان من الصعب على حاملي التأشيرات سارية المفعول القدوم إلى الولايات المتحدة لمتابعة هذه الأعمال”، وأضاف أيضاً أن تأثير تخفيف العقوبات سيعتمد جزئياً على طريقة تطبيق حظر السفر الخاص بترامب.

بينما قال محمد عبد الرحمن، إن الحظر سيعيق قدرة نيوتك (Newtech) على المشاركة في العطاءات على المشروعات الممولة من قِبل المؤسسات المالية التنموية التي توجد مقراتها الرئيسية في الولايات المتحدة؛ إذ إن موظفي شركته لن يتمكنوا من حضور الاجتماعات المنعقدة هناك. ويتنبأ كذلك بمشكلات شبيهة لمختلف الشركات السودانية التي ستصاب قدرتها التنافسية بالأضرار.

كما تابع: “مرة أخرى، المواطنون هم من يعانون؛ الحكومة السودانية هي سلطة سيادية بإمكانها إيجاد طرقها الخاصة لنقل الأموال والأشخاص”.

الشباب السوداني والعزلة الاقتصادية

لم يكن الاقتصاد هو المتضرر الأوحد من نظام العقوبات؛ إذ عانى الشباب كذلك، العزلة الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية التي فُرضت على السودان. هؤلاء الذين تمكنوا من ترك البلاد، تركوها، وهو ما أسهم في موجة ملحوظة من هجرة العقول، والضعف العام الذي أصاب المجتمع المدني.

هل تنخفض تأشيرات السودانيين إلي الصفر ؟

ارتفع عدد التأشيرات الصادرة للمواطنين السودانيين من أجل العمل والسياحة والدراسة، لا الهجرة، في الولايات المتحدة بوتيرة بطيئة منذ فرض العقوبات: بلغ عدد التأشيرات في 2005، 5080 تأشيرة، مقارنة بـ3362 في عام 1997.

يهدد حظر السفر بخفض هذا الرقم إلى الصفر. لكن بدلاً من معالجة مشكلة هجرة العقول، فمن المرجح أن يغذي السخط في أوساط النخبة. ورغم حرص الخرطوم على عدم السماح لقرار حظر السفر بعرقلة رفع العقوبات، فإن القرار يعزز من فكرة كون السودان دولة مارقة، معرقلاً التطبيع الكامل للعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية.
في الوقت نفسه، يبقى قرار الحظر تذكيراً ببقاء السودان على قائمة وزارة الخارجية “للدول الراعية للإرهاب”، على الرغم من اتفاق معظم صناع السياسات في الولايات المتحدة على أنها لا تستحق البقاء على هذه القائمة اليوم. وفرت هذه القائمة، والتي لا يمكن تعديلها إلا بموافقة الكونغرس، الأساس لقرار حظر السفر، والذي استهدف 7 دول باعتبارها إما “راعية” وإما “ملاذاً آمناً” للإرهاب. (يستثني القرار المُعدل العراق من قائمة هذه الدول). طالما بقي السودان على قائمة “الدول الراعية للإرهاب” فسيبقى دولة منبوذة في عيون المجتمع الدولي.

أما في الوقت الراهن، فتسير الحياة باعتيادية في السودان، حيث يحاول السكان سد الثغرات الناتجة عن سوء إدارة الحكومة والعزلة الدولية الخانقة. لا يستطيع الكثير تذكّر الحياة قبل العقوبات، هناك جيل بأكمله بلغ أشده في أثناء فترة الحصار.

وهو ما عبرت عنه هبة محمد، الطبيبة العاطلة عن العمل، بقولها: “لقد طورنا العديد من آليات النجاة. من الصعب تخيل كيفية اختلاف الأمور”.

ـــــــــــــــــــــــــــ

المقال مترجم من مجلة Foreign Policy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: شارك الخبر، لا تنسخ