– نسعى لإعلام يجمع ولا يفرق ويؤسس لدولة ولا يفصل ويردم الهوة بين السودانيين
– المبادئ فوق الدستورية تفتح نافذة جديدة في تاريخ السودان الجديد
– تجربة التحالف خاطبت قضايا مفاهيمية كبيرة لم تكن مطروحة في ثورة الهامش من قبل
– التحالف السياسي الجديد هو تطور طبيعي وتاريخي للمفاهيم التي ظل ينادي بها أصحاب المشاريع السابقة في ثورة الهامش
– لا نتوقع أن يحقق التحالف نتائج قريبًا ولكنه يضع البنية الأساسية للانتقال الصحيح للدولة السودانية
– الانفصال لم يكن في عقلية الذين فكروا في التحالف في يوم الأيام
– سيشاركنا زملاؤنا وأصدقاؤنا في “صمود” ميلاد الحكومة الجديدة
يظل ميثاق تأسيس السودان مرحلة فاصلة في تاريخ السودان عامة والحروب خاصة، فما قبله لن يشبه ما بعده بحال من الأحوال.. هذا ما يقوله لسان حال مؤيديه وقادته والموقعين عليه، فهم ينظرون إلى المستقبل بعين مملوءة بتكافؤ الفرص وتساوي كفتي الميزان في كل شيء في السلطة والثروة والحقوق والواجبات، إذ ليس هناك سوى ثابت واحد هو الإنسان السوداني.. وكالة “راينو” التقت أحمد تقد، أحد أبرز مهندسي مشروع تحالف السودان التأسيسي، ولسان الأمين العام لحركة العدل والمساواة السودانية..
حوار: راينو
- لماذا يعتبر الكثيرون إعلانكم للتحالف التأسيسي بمثابة سحب بساط الشرعية من الجيش ومنسوبي النظام المباد؟
حقيقة الأمر أن الحركة الإسلامية خططت منذ بواكير نجاح ثورة ديسمبر المجيدة للإطاحة بالوضع السياسي وإبعاد حكومة الثورة والقضاء على رئيس الوزراء وإخراج الدعم السريع من المشهد، لذلك عملت الواجهات المختلفة للحركة الإسلامية الممثلة في المؤتمر الوطني وعناصرها ومنسوبيها في المؤسسات الأمنية الرسمية ومليشياتها المختلفة، في التخطيط والتدبير للإطاحة بالمشهد..
وعندما فشل الانقلاب، ذهبت الحركة الإسلامية في تغيير المشهد بالقوة، وبالتالي دخلنا في هذه الحرب اللعينة التي دمرت بنية الدولة الأساسية، واستغلت الحركة الإسلامية وواجهاتها هذه الحرب للسيطرة على المشهد السياسي بوضع اليد، والآن هي التي تقرر في المشهد العام على المستوى الميداني والقتال، وعلى المستوى السياسي أي تحركات الفعل السياسي في الداخل، وكذلك تجبر الأطراف الداعمة للحرب من الإقليميين للاستمرار في نهج دعم الحركة الإسلامية، وبهذه الصورة فرضت الحركة الإسلامية وجودها، وتريد أن تستمر بهذا الوضع إلى أن تحقق انتصار على الأرض.. وهذه الشرعية الزائفة، شرعية الأمر الواقع في بورتسودان، بعد أن اتخذت قرارًا بقفل كل المبادرات التي تدعو إلى تحقيق السلام، وفي نفس الوقت رفضت الذهاب إلى كل المنابر، وفي ظل عدم امتلاك القوى السياسية أدوات الضغط والتغيير في تحريك الأمور، وكذلك فشل السياسات الإقليمية والدولية الداعمة للتغيير عبر الوسائل السلمية، كل ذلك أتاح فرصة كبيرة للحركة الإسلامية للاستمرار بسياسة الأمر الواقع والتمدد لكسب مساحات كبيرة نحو اكتساب الشرعية الكاملة، وبعد أن أغلقت كل الآفاق والطرق، كان لا بد من التفكير خارج الصندوق، ولذلك جاءت على خلفية هذا الوضع فكرة جديدة وهي تكوين التحالف السودان التأسيسي..
- إذا الهدف من التحالف هو استهداف شرعية الأمر الواقع؟
عمليًا التحالف يهدف لإعادة ترتيب الأوضاع من جديد ولمحاصرة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، ولقفل المساحات التي تتمدد فيها لأغراض اكتساب الشرعية، لذلك كان لا بد من مواجهة هذا الأمر وابتكار أساليب جديدة لتغيير المشهد السياسي بعد أن فقدنا كل الأدوات الممكنة التي تمكننا من التغيير في السودان.. لذلك عملنا على تكوين التحالف، وهذا التحالف سيشكل المشهد من جديد، سيعيد ترتيب الأوراق العسكرية والأمنية على مستوى الأرض، ستتغير سياسات الأطراف الدولية المعنية بتحقيق السلام والاستقرار في السودان، وفي نفس الوقت ستضيق المساحات التي يمكن أن تتمدد فيها سلطة الأمر الواقع في بورتسودان على المستوى الإقليمي والدولي. وبالتالي سيفرض ذلك واقعًا جديدًا له ما بعده، ويمكن أن يغير في مجريات الأمور على المستوى السياسي والعسكري وكذلك الديبلوماسي في القريب العاجل.
- تبنى التحالف المبادئ فوق الدستورية التي قالت بها حركة الحلو.. هل ذلك يعد انعكاسًا لسيطرة تجربة د. قرنق في الحركة الشعبية وتماهيًا مع مشروعها؟
لا شك أن التحالف في أدبياته استوعب كثير من الشعارات الثورية المطروحة من القوى السياسية الحاملة للسلاح على مدى فترات طويلة، وذلك لأن هذه الشعارات تراكمت وبالتكرار أصبحت واقعًا ملموسًا، ولا بد من مخاطبة هذه الشعارات وهذه القضايا، حتى نتمكن من العبور بالسودان معافى بعيدًا عن الحروب. وفي نفس الوقت تُعالج الاختلالات التاريخية التي صاحبتها تجربة الحياة السياسية في السودان على مدى العقود الماضية.. وبالتالي كل الشعارات المرفوعة ترمي إلى إنهاء التهميش والقضاء على ظاهرة الإقصاء السياسي المتعمد وقضايا الحرمان الاقتصادي والظلم الاجتماعي بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي للقضاء على مسألة الانقلابات وحرية التعبير وتحديد مصير الناس ومستقبل السودان، لذلك كل هذه المبادئ التي كانت تنادي بها القوة الحاملة للسلاح على مدى عقود في أقاليم السودان المختلفة، جاء الوقت لمخاطبتها بصورة دقيقة والذي تم ليس فقط استيعاب لمطالب الحركة الشعبية بقدر ما هي محاولة للغوص في أعماق المبادئ والقضايا المطروحة والبحث إلى أي مدى أن هذه المبادئ تؤسس لاستقرار وتفتح نافذة جديدة في تاريخ السودان الجديد، وفي نفس الوقت تُؤسس للاستقرار السياسي وتنهي المظاهر السالبة في الممارسة السياسية في السودان..
- لكن في الشكل العام يبدو أن التحالف تبنى شعارات الحركة الشعبية في تلك المبادئ؟
نحن لا نعتقد أن المسألة مجرد استجابة لمطالب الحركة الشعبية، ولكن استجابة لمطلوبات الحياة السياسية في السودان حتى نتمكن من العيش في سودان بعيد عن الحروب والاقتتال والمحافظة على وحدة السودان بإرادة شعب السودان المختلفة وفي نفس الوقت الاتفاق على أسس ومبادئ تشكل ثوابت قومية لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال وهي قضايا مرتبطة بالاستقرار الدستوري والديمقراطية ومحاربة ظواهر الانقلابات المتكررة والحروب المتطاولة. وأيضا القضاء على ظاهرة التهميش والإقصاء وفي نفس الوقت الاستقرار السياسي الذي يمكن من العيش في أمن وسلام واستقرار وفي حياة كريمة معافاة وبعيدة من الأزمات والحروب
- ما هي الفروق الجوهرية بين التحالف الجديد وبين مفهوم ثورة الهامش؟
مفهوم ثورة الهامش تأسس على خلفية القضاء على ظواهر محددة وهي معنية بظاهرة القضاء على التغييب السياسي في المشاركة السياسية، وأيضا معالجة الاختلالات التي صاحبت بنية تركيبة الدولة السودانية من حيث التمثيل في المؤسسات القائمة والتوزيع العادل للسلطة والثروة وفي نفس الوقت معالجة قضايا المرتبطة بالظلم الاجتماعي والحرمان الاقتصادي وفتح المجال للمشاركة على قدم المساواة..
التجربة الجديدة للتحالف، خاطبت في الحقيقة قضايا مفاهيمية كبيرة كقضية العلمانية والقضايا المرتبطة بالمبادئ فوق الدستورية، وهذه المبادئ لم تكن مطروحة في ثورة الهامش من قبل بالصورة التي طرحت بهذا الوضوح وكذلك بالجرأة والشجاعة التي قدمت بها في تحالف السودان التأسيسي وفي ميثاق التحالف، لذلك الفروقات الجوهرية بين مواقف التحالف الجديدة وكذلك ثورة الهامش واضحة جدا، لأن ثورة الهامش لم تستوعب بشكل كبير القضايا التي تم استيعابها بالشكل الجديد في الرؤية السياسية المقدمة من التحالف السياسي الجديد..
• هذا يعني أن التحالف نسخة مطورة من ثورة الهامش؟
التحالف السياسي الجديد هو تطور طبيعي وتاريخي للمفاهيم التي ظل ينادي بها أصحاب المشاريع السابقة في ثورة الهامش وترجمت جميعها الآن في مفاهيم التحالف ورؤيته، ولذلك جاءت هذه الرؤى والمواقف وحدث تطورا طبيعيا في القضايا لاستيعاب كل المطالب والقضايا التي ظلت تنادي بها ثورة الهامش وفي نفس الوقت محاولة للترجمة بصورة حقيقية في دستور يعالج الاختلالات ويؤسس لنظام حكم مستقر في البلد مبني على التراكم الثوري للقضايا التي ظلت تنادي بها ثورات الهامش المختلفة على مدى تاريخ السودان البعيد و القريب.
- هل نتوقع أن يحدث اندماج كامل بين الحركات المسلحة والدعم السريع؟
الذي جمع الحركات المسلحة والدعم السريع والقوى السياسية الأخرى جميعها وكذلك المنظمات المجتمع المدني والإدارة الأهلية والشرائح الواسعة من المجتمع المدني والسياسي في السودان، هو ضرورات المرحلة وكذلك حقيقة استيعاب لإشكالات السودان الحقيقية، وهذا التحالف لا يؤسس فقط للاندماج الكامل بين هذه القوى ولكن يؤسس لتغيير المشهد السياسي برؤية جديدة وتصور جديد، وهذا التصور سيساهم في إعادة ترتيب أولويات الدولة السودانية من حيث تأسيس البنية الأساسية السياسية في الدولة، وتأسيس البنية المدنية فيما يتعلق بمؤسسات الدولة الخدمية والاقتصادية والسيادية، وفي نفس الوقت معالجة ظاهرة تعدد الجيوش وتعدد أدوات امتلاك السلاح بصورة غير شرعية. لذلك التطور الجديد هو إعادة ترتيب أوضاع الدولة السودانية من جديد بحيث يُؤسس لدولة مكتملة الأركان من حيث البنى السياسية والاقتصادية والتنظيمية المرتبطة بالخدمة المدنية، والبنية المؤسسية التي ستقوم عليها الأجهزة النظامية في الدولة السودانية. وفي نفس الوقت تؤسس لاستقرار سياسي مبني على ثوابت تقوم على مرتكزات أساسية منطلقة من المبادئ فوق الدستورية والقضايا الأساسية التي ظلت مثار جدل ونقاش في تاريخ السودان الحديث والقديم.
وبالتالي، هذا التحالف لم يكن من المتوقع أن يحقق نتائج على المستوى القريب ولكن يضع البنية الأساسية للانتقال الصحيح للدولة السودانية، لمرحلة جديدة ستساعد في تشكيل مستقبل السودان بصورة تقوم على مخاطبة الإشكالات الحقيقية التي تواجه الشعب السوداني في بناء دولته الحديثة، وهذا مشروع للبناء يمتد سنوات طويلة ولكن لا بد من وضع البنية الأساسية للانطلاق نحو البناء الصحيح وللانطلاق نحو خلق دولة معافاة من إشكالات ومن مرارات وظلمات الماضي.
- إلى أي مدى يمكن بث تطمينات للسودانيين حيال أن تشكيل حكومة السلام لا يعني إمكانية أن يقود لانفصال في السودان؟
لا شك أن القوة التي اجتمعت وناقشت وقررت تكوين التحالف السياسي واعتماد دستوره وتشكيل حكومة حددت برنامجها بشكل واضح، ووضعت الأسس التي ستقوم عليها الدولة الجديدة، لم يكن في عقلية الذين فكروا في هذا الاتجاه في يوم الأيام أن يقود هذا الأمر إلى انفصال في الدولة السودانية، ولم نكن نحن الذين ذهبنا في هذا الاتجاه بالدعوة للانفصال، ولكن نعتقد أن هذه الخطوة ستؤسس لوحدة جديدة قائمة على ثوابت ومرتكزات يجب أن تقوم عليها الدولة السودانية، لا بد من وضع هذا الأمر في الحسبان..
أعتقد أن الخطوة القادمة ستؤسس لوحدة قائمة على أسس جديدة وثوابت جديدة ورؤية سياسية جديدة، تعزز من وحدة السودان وفي نفس الوقت تفتح آفاق السودانيين نحو قضاياهم الحقيقية وتوجه إلى الانتماء لهذا البلد برؤية جديدة قائمة على المفاهيم الجديدة التي ستطرح في المشهد السياسي، وتعمل هذه المفاهيم على تعزيز قيم الوحدة والوطنية والتماسك الاجتماعي والسياسي، وفي نفس الوقت مخاطبة كل الظلامات والإشكالات التي واجهت تاريخ السودان القديم لذلك نحن نسعى لتعزيز قيم الوحدة أكثر من الحديث عن أي اتجاه للانقسام أو انفصال في الدولة السودانية.
- كان ملاحظا غياب عضوية صمود من الدعوة للاحتفال بالتوقيع.. ما مؤشر ذلك؟
أنا لا أدري لما لم يتم توجيه الدعوة لحلفاء الأمس من قيادة صمود للمشاركة في احتفالية التوقيع، ولكن الذي تم ليس قطيعة ولا فك ارتباط نهائي، بل الخلاف الذي تم كان خلافًا ديمقراطيًا واختلافًا في الوسائل لكن كان هناك اتفاق في الأهداف..
عدم توجيه الدعوة ربما لانشغال المنظمين بقضاياهم الداخلية التنظيمية وفات عليهم توجيه الدعوة وناقشنا هذه المسألة مع بعض الموجودين في اللجنة التحضيرية للمؤتمر وأدركنا أن هذا خطأ غير مقصود، ولكن سيكون في الفعاليات القادمة وجود لزملائنا وأصدقائنا في صمود للمشاركة في ميلاد الحكومة الجديدة وكذلك العمل على التشاور المستمر وخلق جسور للتواصل والتفاكر حول مستقبل السودان بصورة جماعية يمكن من مواجهة الواقع الذي نعيش فيه الآن ونسعى معًا لوقف الحرب وفتح المجال للحوار والبحث عن الحل السياسي والاستقرار السياسي في البلد.
- تفشي خطاب الكراهية وتوظيف الفلول لهذا الخطاب إعلاميًا يضع فرص الميثاق في تحقيق أهدافه بالوصول إلى سودان جديد على المحك.. ماذا ستفعلون إزاء ذلك؟
أعتقد هذا السؤال مهم وفي نفس الوقت متعلق جدا بالوضع الحالي.. نحن في الحكومة الجديدة شرعنا منذ وقت مبكر لوضع برنامج الحكومة في المجالات المختلفة، وشاهدنا حجم الخطاب المضلل وصناعة الكذب والتضليل وتلوين الحقائق وتغيير المشهد بأكاذيب كبيرة من أبواق وفلول النظام السابق، واستغلال الفراغ الإعلامي الموجود لبث السموم ولتأليب المجتمع وتقسيمه. لذلك وضعنا استراتيجية ضمن خطط وبرنامج الحكومة القادمة لكيفية التعامل مع المسألة الإعلامية، ولدينا فريق عمل كبير جدا إعلامي، الآن يدرس ويخطط لمعالجة كل الإشكالات الإعلامية والتحديات التي تواجه الناس في محاربة حتى الخطابات الشاذة التي طرحت في المشهد السياسي والأسلوب الذي نشاهده في الممارسة الإعلامية في الواقع الحالي.
لذلك بمجرد تشكيل الحكومة وتسمية الأفراد وتقوية المؤسسات الإعلامية نسع بشكل جاد لمخاطبة هذه الإشكالات، ولملء الفراغ وسد الفجوة الإعلامية الكبيرة الموجودة في المشهد السياسي، ونعمل من خلال تنفيذ هذا البرنامج لتعرية كل الحقائق وفي نفس الوقت تكذيب الأسلوب الممارس، ونعالج طبيعة الخطاب الذي يجب أن يجمع ولا يفرق، ويؤسس لدولة ولا يفصل، وفي نفس الوقت يساهم في ردم الهوة الكبيرة بين المجتمعات السودانية وتقريبهم لخلق مجتمع معافى وسليم يتجاوز كل سلبيات الماضي، وينتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل التعايش السلمي والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وذلك بتصفية المناخ السودان سياسيًا واجتماعيًا.





