رأي

ابراهيم مطر يكتب : دعوات ملغومة لإشراك الإخوان في المشهد: من يطالب السودانيين بالنسيان؟

من كان يصدق أن هتافات (أمريكا روسيا قد دنا عذابها) القميئة، والتي ارتبطت بحقبة الإنقاذ السوداء ستعود لشوارع الخرطوم بعد أن طهرتها ثورة ديسمبر المجيدة من الخبث، وغسلتها سبع مرات مما ألحقه بها إخوان الشياطين من أدران، إحداهن بالتراب!

ومن كان يصدق أن ناعق الإخوان القديم (قيقم)، سيجد له مجيباًبعد ما يقارب الأربعة عقود، وفي سودان (ست النفور) و(كشة) و(الشهيد عبد العظيم)، ورفاقهم من الميامين؟ وبعد أن صدح ثوار ديسمبر فأسمعوا العالم .غنوا ورسمواالجداريات ونحتوا وأبدعوا داخل ميدان الاعتصام وخارجه، وظن السودانيون أنهم قد فارقوا عهد الدراما الإخوانية المتصنعة والتي تبعث على الغثيان من قبيل (المتجهجه الأممي، والمتجبجب الودكي)، والتي تذكر بالدراما المدرسية الساذجة ضحلة المعاني، إلى آفاق إبداع أرحب.

ومن كان يصدق أن يتطاول الأمد بلعنة (قيقم) التي حلت بالسودانيين في أوائل التسعينات، لينعق مغني الإخوان الأجش ثانية في خرطوم (أبو عركي ومحمد الأمين، ومحمد وردي). إنه البوم الذي يعجبه ويل الخراب.

ولمن ساء حظه وعايش تلك الفترة في السودان فقد يذكر كيف بدأ الإخوان في نهب المال العام حال اغتصابهم للسلطة، وشرعوا في تدمير مؤسسات الدولة ليستقوى بحطامها التنظيم، وكيف كانوا يفعلون ذلك في نهم آفة زراعية فتاكة، وكيف عاش السودانيون في خوف مقيم بعد أن أخرجت الحركة الإسلامية أنيابها فنهشت المال والعروض، وأحدثت مخالبها شروخاً كبيرة داخل وجدان السودانيين المصدومين حينها بقدرة هؤلاء على ارتكاب أفظع الجرائم دون أن يرمش لهم جفن.

صار مجرد الخروج لمزاولة العمل والعودة مغامرة، فقد يستوقفك أحدهم، وقد يسألك عن علاقتك بمن ترافقكمن النساء فلا تملك حينها إلا أن تبرر، وقد يقودكما للمخفر في حالة فشلك في إثبات أنها من المحارم، وقد يكتفي بأن يجعلك تتوسله ألا يذهب بمن ترافقها إلى مخفر الشرطة أو أن يحبسها بتهمة غير معرفة، وأن يفتري عليها لتبرير فعلته.

أصبحت الأماكن العامة طاردة بعد أن بثوا فيها الجواسيس والعيون، وكانوا في رعبهم ذاك يأخذون الناس بالاشتباه، أو لمجرد عدم اليقين في مساندتهم. هددوا المعارضين باغتصاب زوجاتهم أمامه أعينهم بعد اعتقالهم في بيوت الأشباح، واغتصبوا النقابي المهندس (بدر الدين ادريس) ففقد عقله، وقتلوا محافظ توريت السابق (بيتر بنجامين) داخل زنزانة كانوا يصبون له الماء من خارج نافذتها ويقولون له:(جيب خشمك)، وحرموه من الماء حتى مات عطشاً .

وعلى الطرقات تزايدت أعداد من يرتدون البدلة الاشتراكية، وصارت المسدسات التي يتعمدون أن تظهر من تحت القميص أكثر ظهوراً للعامة. كان معظمهم يحمل الحقيبة التي لقبت حينها بـ(تمكنا)، كناية عن شروعهم في التمكين للتنظيم، وكانت ثرواتهم تتزايد ثرواتهم بصورة مضطردة، وبطريقة لا يمكن تفسيرها. وكانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، يستصغرون الكبائر، ويستحلون الأموال والأعراض.

وفوق كل هذا وذاك كان اللواء يونس الديك يوقظ السودانيين على الشتائم ،للولايات المتحدة وروسيا والسعودية التي كان يلقب ملكها بـ(الفهد المروض )، ويجاهر بعداوته لجامعة الخرطوم فينعت طلابها بـ(أبناء غردون)! كان يصرخ عبر الإذاعة في السابعة صباحاً في برنامج أطلقوا عليه (الحديث السياسي). كان غاضباً على الدوام، يسب ويلعن ويشتم في صوت أشبه بالصراخ،.

وسرعان ما التفت الإخوان لمؤسسات الخدمة المدنية فأعملوا فيها الإحالة للصالح العام تحت عنوان (من ليس معنا فهو ضدنا)، ونقلوا آلاف الموظفين تعسفياً لولايات بعيدة. قالت موظفة لـ(علي عثمان محمد طه) الذي كان في زيارة للتلفزيون:(زوجي نقلوهو نيالا ونحن من سكان الخرطوم)، فقال وهو يسرع الخطى مبتعداً عنها:(ما مشكلة بننقلك معاو)! وظهرت مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة تقتات منها وتتضخم على حسابها.

ولما كان الإخوان يخشون النقابات باعتبار إرثها القديم والراسخ في المطالبة بالحقوق والاحتجاج على التعديات، فقد عمدوا لتدمير السكة حديد والنقل النهري ومشروع الجزيرة، واعتقل الناشطين في نقاباتها وتم تعذيب بعضهم وإخفائهم قسرياً، وبلأغ بهم الأمر أن أعدموا نقيب الأطباء علي فضل بعد تعذيبه بدق مسمار في رأسه.

وأظهر إخوان الشياطين في مطلع تسعينات القرن الماضي عداوة شديدة للمؤسسات التعاونية والجمعيات التجارية وأصحاب الأعمال الصغيرة، فأعملوا فيهم الاعتقالات بدعاوي الانتماء لتنظيمات سياسية معارضة، وصادروا أصولهم بالقوة الجبرية لصالح حرب الجنوب. وشنوا حرباً ضروساً على الرأسمالية الوطنية، بل وصادروا متاعاً من المنازلفي بعض الحالات، بدعوى ملكية متوهمة لتنظيم معارض. وأعدم الإخوان الشاب (مجدي محجوب) بتهمة تجارة العملة، بعد أن استولوا على أموال تعود لوالده رجلا الاعمال المتوفي، أخذوها من داخل خزانة في منزله.

واليوم وبعد ما يقارب الأربعة عقود، تخرج الهتافات القديمة والكذوبة من ذات المعابد القديمة والعطنة، وعبر ذات الحناجر التي أدمنت ابتلاع السحت والتكسب من عرق ودماء السودانيين، واكتملت الصورة بأن نعق فيهم (قيقم) غراب شؤم الإنقاذ الذي لم يغني سوى للحروب. قال شاب سوداني رداً على تطاول مصري:(إن حن المصريون لاحتلالنا فسنحن لإرثنا في مقاومة المستعمر)، ونقول:(إن حن الإخوان لإعادة استعبادنا، فسنستلهم من تاريخنا الطويل في مقاومتهم ما يعيننا على اجتثاثهم، ولو بعد حين).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى