
فى نهاية العام المنصرم اعلن رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت عن مبادرة للحوار الوطنى، خلال كلمة له القاها امام البرلمان القومى، وعلى الرغم من اهمية الدعوة لكن تظل هناك العديد من الهواجس المرتبطة بفرص نجاح تلك الدعوة والمبادرة، من بينها ان الزمن الذى طرحت فيه المبادرة المفترض انطلاقتها فى مارس الجارى لن يكفى لبلورة اى مواقف داعمة للحوار لان بقية الاطراف المعارضة الرئيسية ابدت تحفظات كبيرة على هذا المشروع لانه لم يشر بشكل صريح الى الاطراف السياسية التى ينبغى ان تشارك فى عملية الحوار الوطنى بجنوب السودان، كما ان اللجنة التى تم تكوينها بعضوية بعض الشخصيات الدينية وقدامى السياسيين لم تجلس الى الان لتضع قائمة الاجندة او تقوم بتوزيع دعوات المشاركة لبقية الاطراف، لكن الاهم من ذلك كله هو أن المجتمع الدولى ممثل فى الولايات المتحدة و مفوضية مراقبة اتفاقية السلام الى جانب بعثة الامم المتحدة بجنوب السودان، طالبت هى الاخرى بضرورة توسيع قاعدة المشاركة فى عملية الحوار الوطنى حتى تساهم فى تحقيق السلام والاستقرار بالبلاد، فالحرب التى شهدتها جنوب السودان خلال الاعوام الاربعة الماضية لم تستطع اتفاقية السلام الموقعة فى العام 2015 من ايقافها بصورة كاملة بعد ان تعرضت لنكسة كبيرة فى يوليو الماضى بعد تجدد المواجهات فى محيط القصر الجمهورى مما ادى الى خروج مشار وتعيين تعبان دينق قاى مكانه، وهذا يعنى ان فرص استعادة الثقة بين اطراف الصراع كانت ستكون كبيرة من خلال مبادرة الحوار الوطنى الشامل التى لاتقصى اى من الاطراف المتحاربة ولا تضع اى شروط امام الحوار القومى، الذي كان سيخفف من حجم الضغط الكبير المفروض على الحكومة اقليميا ودوليا ، ولكن الى الان لاتزال الهوة كبيرة بين الحكومة ومجموعات المعارضة السلمية والمسلحة الموجود خارج البلاد. لاتزال التحديات الماثلة كبيرة امام جميع المكونات السياسية وتنظيمات المجتمع المدنى و المثقفين فى جنوب السودان ، لان الاوضاع التى افرزتها الحرب باتت تتطلب معالجات عميقة تتجاوز مجرد الحديث عن السلام و اعادة النازحين او اللاجئين ، فحالة التشرزم و العزلة باتت كبيرة بين المجتمعات المحلية بفعل الخطاب السياسى و التسييس الاثنى المتزايد الى جانب الازمة الانسانية و الاقتصادية المستفحلة ، وهى مشكلات تتطلب اطرا ومواعين اوسع للتداول حولها بين الجنوبيين انفسهم خلال هذه المرحلة المفصلية الهامة فى تاريخ بلادنا، وهذا لن يتاتى الا من خلال امتلاك زمام المبادرة و اجتراح الحلول الواقعية التى تساهم فى تقليل حدة المعاناة التى بات يرزح تحتها شعبنا دون ان تكون هنالك اسباب واضحة لذلك ، فالصراع الدائر حاليا من الممكن تجاوزه اذا كانت هناك تنازلات جدية وواقعية من قبل اطراف الازمة ، كما ان الحوار الوطنى يمكن ان يثمر فى ظل مشاركة الجميع بعد ان تتهيأ الاجواء المناسبة لذلك ومخاطبة مخاوف المجموعات الاخرى ، فدون مشاركة حملة السلاح فى الحوار الوطنى ، ودون الاستماع الى مطالبهم ايضا ستعنى اننا موعودون بمواجهات واعمال عنف جديدة لن تقود الا الى المزيد من القتل و التدمير والتشريد ، عليه اطالب جميع الاطراف قبل كل شئ باعلان وقف اطلاق النار لمدة شهر من اجل ايصال المساعدات للمواطنين المتضررين من المجاعة التى ضربت بعض اجزاء البلاد بواسطة المنظمات الانسانية ، الى جانب تاجيل انطلاقة الحوار الوطنى لاجراء المزيد من المشاورات مع جميع الاطراف من قبل اللجنة التى تم اختيارها للقيام بذلك ، لكيلا يكون وعظا بين المؤمنين.





