عبد الله رزق أبوسيمازة
abusimazeh@yahoo.com
عقب الإطاحة بنظام نميري الشمولي، كان من ضمن إنجازات السلطة التي حملتها انتفاضة مارس/أبريل لسدة الحكم، عام ١٩٨٥، وفي إطار ما تم التواضع عليه سياسياً باسم إزالة آثار مايو، هو حذف وصف “الديموقراطية ” من الاسم الرسمي لجمهورية السودان، التي لازمته ستة عشر عاماً حسوماً. هذا الالتباس الفذ يشي بأن الديموقراطية ليست معطى موضع اتفاق الجميع، بالذات من ينتسبون لخندق الديموقراطية.
غير أن المثال الاستهلالي لا يقف وحيداً في تعضيد الحاجة الآنية لتوافق بين الفاعلين السياسيين، حول مفهوم الديموقراطية، وتجسيدها العياني، في الممارسة اليومية، بين يدي ديموقراطية رابعة، مأمول أن تكون الأخيرة. فثمة شواهد عديدة تعزز الحاجة المشار إليها، وتبرزها . فالراجح، في ميدان الممارسة، أن الديموقراطية، لا تعني الشيء نفسه لدى الفاعلين السياسيين كافة، وحتى لدى الديمقراطيين منهم بصفة خاصة.
في كتابه “يا ولدي هذا عمك جمال”، يروي رئيس مصر الأسبق، محمد أنور السادات، أن جمال عبد الناصر، كان الوحيد وسط تنظيم الضباط الأحرار الذين قاموا بانقلاب ٢٣ يوليو ١٩٥٢، الذي وقف مع خيار الديموقراطية، كنهج للحياة السياسية، بعد الإطاحة بالنظام الملكي، وإلغاء الدستور وحل البرلمان والحكومة والأحزاب، وتعطيل الصحافة المستقلة، إلى غير ذلك من كلاسيكيات الانقلابات العسكرية، ومظاهرها، التي رصدها باتريك سيل في كتابه “الصراع على سوريا”، وتوقع تعميمها بعد الانقلاب الأول في المنطقة العربية، في سوريا عام ١٩٤٩، بقيادة حسني الزعيم، والذي دشن مرحلة جديدة من التطور السياسي والاجتماعي في المنطقة، والذي يتقدم فيه العسكريون بريادة التغيير، نيابة عن الجماهير، بعد تغييبها القسري من فضاء الفعل السياسي، وعلى حساب الديموقراطية.
وقد حمل هذا الخيار في “الميثاق” الذي تقرر أن تهتدي به “الثورة” في مصر اسم “الديموقراطية السليمة” تمييزاً لها عما سبقها من حريات ديموقراطية وتعددية سياسية، في ظل النظام الملكي. لقد تعرضت الديموقراطية، ديموقراطية ويستمنستر، كما يسميها البعض، الموصوفة بالليبرالية تارة، وبالبرجوازية تارة أخرى، مثل غيرها من الشعارات السياسية والمطالب الشعبية، للتحريف والتشويه والتشكيك في جدواها في بلد كالسودان، وللإنكار المطلق أحياناً.
ففي كتابه “الشورى والديموقراطية”، الذي أصدره خلال مشاركته في العهد المايوي الشمولي، بعد مصالحة عام ٧٧، عرض زعيم الإسلاميين، الدكتور حسن الترابي، بالجذر الاثيني، “الشركي”، للديموقراطية، التي تمارس في سياق لاديني ليعلي من شأن الشورى الإسلامية، كبديل وخيار أمثل. غير أنه، بعد خروج حزبه من حكومة الوفاق الوطني، برئاسة الصادق المهدي، عقب مذكرة الجيش، في فبراير ١٩٨٩، أعلن صراحة في ندوة في ميدان جامعة الخرطوم، أن الديموقراطية لا تخدم الإسلام، ربما كانت تلك الإشارة، بمثابة الضوء الأخضر للتحرك الانقلابي في ٣٠ يونيو ١٩٨٩.
هذا التنكر للديموقراطية، متعدد الأطراف، استدعى بدوره، طرح بدائل ومشتقات للديموقراطية “السليمة” المنشودة، من قبيل الديموقراطية الجديدة، والتي راج الحديث عنها خلال “مايو الأولى”، حسب تصنيف د. منصور خالد للمايو-ات، التي تمخض عنها حكم النميري، والديموقراطية الشعبية، ودكتاتورية البروليتاريا، والشورى، و”الديموقراطية التي لا تعني الفوضى”، والتي عادة ما يبشر بها الانقلابيون في أول بياناتهم، وفي خطاباتهم السياسية اللاحقة.
هذا الواقع المحتشد بالتناقضات، ظل مدعاة ومحرضاً للتوافق حول الديموقراطية، نظرية وممارسة، كأساس للسلوك السياسي، خاصة، وكأسلوب حياة عامة.
ويأتي في مقدمة تلك الدواعي: ضلوع الأحزاب السياسية، والتي تشكل بعض أهم مكونات البنيان السياسي للنظام الديموقراطي، قد تورطت بشكل أو آخر، في ممارسات غير ديموقراطية، في الفترة التي أعقبت إعلان الاستقلال، بدءاً من شراء النواب في البرلمان، مروراً بحل الحزب الشيوعي، وطرد نوابه من البرلمان عام ١٩٦٥، وانتهاء بالمشاركة في تدبير الانقلابات العسكرية على النظم الديموقراطية، أعوام ٥٨ و٦٩ و١٩٨٩.
وقد أطاحت الانقلابات المذكورة، بحكومات حزب الأمة الثلاث، والتي رأسها على التوالي، عبدالله خليل، محمد أحمد محجوب، الصادق المهدي. وهو أمر قد لا يخلو من دلالة. ويمكن اعتبار ضعف الالتزام الديموقراطي، لدى الأحزاب الرئيسة، والذي هو بمثابة كعب أخيل في تكوين تلك الأحزاب، أخطر مهددات التطور السياسي للبلاد. وقبل صك إصطلاحات من قبيل “الثورة البيضاء”، و”الحركة المباركة”. وصف الفريق إبراهيم عبود، فيما يروي، إجابة عن سؤال أحد الصحفيين، لعله محمد حسنين هيكل، عن كنه بروسيس انتقال السلطة من المدنيين إلى الجيش، قائلاً: “إنه تسليم وتسلم”.
وهو ما ألمح إليه اسماعيل العتباني، في سياق تحميل المحجوب قدراً من المسؤولية في انقلاب نميري مكافئ لما لعبد الله خليل إزاء انقلاب عبود.
مما يؤخذ على رئيس الوزراء الأسبق، محمد أحمد محجوب، في هذا السياق، أنه لم يتناول في كتابه “الديموقراطية في الميزان”، بالنقد والنقد الذاتي، موقفه، وموقف حزبه من حل الحزب الشيوعي، وطرد نوابه من البرلمان، والذي صدر عقب الإطاحة بحكومته في انقلاب عسكري، قاده العقيد جعفر نميري في ٢٥ مايو ١٩٦٩. ولم يكن موقف المحجوب من الانقلاب نفسه بعيداً عن دائرة التساؤل والشكوك. فبينما دافع عنه الصحافي إدريس حسن، في كتابه “تجربتي مع الانقلابات العسكرية”، فقد اتهمه إسماعيل العتباني، صاحب جريدة (الرأي العام)، ضمناً، بالتواطؤ، وذلك في مذكراته التي حملت عنوان” مذكرات مودع: شهادتي للتاريخ”.
وفي تقدير العتباني، أن الجيش بريء من الانقلابين على الحكم الديموقراطي، عامي ٥٨ و٦٩، وأن المحجوب، وهو يضمر الانتقام لما أصابه من جراحات من داخل حزبه، خاصة، “لم تغب عن ذهنه الحيلة التي قام بها زميله عبد الله خليل” -الذي سلم الحكم للجيش- للخلاص من خلافات الأحزاب، وكل ما فعله أن استجاب لنجدة من أئمة الحكم الديموقراطي. لأجل تبديد الالتباس المفهومي، وفرز التكتيكي من الاستراتيجي، في الموقف من الاختيار الديموقراطي، لا يبدو مهماً خلال هذه المرحلة التأسيسية، التوافق على الديموقراطية، قدر أهمية التوافق الوطني العام على مضامينها.






