رأي

محمد الرحال يكتب : ملف الجرحى بين الواجب وسوء الإدارة

علاج جرحى العمليات العسكرية ليس ترفاً ولا منّة من أحد، بل واجب أخلاقي واستراتيجي وأحد أوضح معايير جدية أي مؤسسة عسكرية تحترم نفسها وتسعى لصون رصيدها البشري.. فهؤلاء الجرحى ليسوا أرقاماً في الجداول ولا بنوداً مالية تخضع للمساومة، بل دماء ولحوم قدمت أغلى التضحيات ..

من البديهي أن يكون الاهتمام بالجرحى في قمة الأولويات، فهو واجب إنساني في المقام الأول، لكنه أيضاً ضرورة عملية: فالمؤسسة التي تفقد أبناءها ولا تسعى إلى إستعادة قدرتهم الصحية والقتالية إنما تحكم على نفسها بالوهن، وتسمح لأعدائها بالتفوق في ساحة الحرب .

حين طرحنا هذا الملف المهم، ومعه ملفات أخرى لا تقل خطورة، بدا و اضحاً أن ثمة مقاومة شرسة من أولئك المستفيدين من استمرار الفوضى والإهمال.. هؤلاء لم يثبتوا أبداً أنهم مؤهلون أو أمناء على معالجة الأزمات، بل إعتادوا تحويلها إلى مورد دائم للنفوذ والمال.. لذلك لجأوا إلى وسيلة قديمة جديدة: عقد الإجتماعات الشكلية الطويلة، نصب الخيام التي تتسع للكلام وتضيق عن الحلول، بهدف وحيد هو إسكات الأصوات التي تطالب بإنهاء المعاناة بوضع رؤية واضحة للحل ..

للأسف، باتت بعض الدوائر حول «الدعم السريع» مرتعاُ لذهنية «آكل القصعة» التي لا ترى في الملفات إلا «أطباقًا شهية» تتنقل بينها بحسب ما يتوفر من غنائم.. حتى ملف الجرحى، المفترض أن يكون رمزاً ناصعاً للوفاء والإلتزام والتضحية، سقط ضحية هذه العقلية الإنتهازية.. فتحوّل إلى سوق رخيص، وإلى مورد مالي جديد لمن يجيدون المتاجرة بالأوجاع واستثمار دماء المقاتلين في جداولهم البنكية ..

ومع ذلك، وللإنصاف، لا يمكن تجاهل أن قيادات المؤسسة العسكرية تخصص ميزانيات معتبرة لهذا الغرض وتجتهد بصدق في إغلاق الثغرات.. غير أن الثغرة الأخطر على الإطلاق تكمن في آلية التنفيذ، وفي إسناد هذا الملف إلى من ليسوا أهلًا للمسؤولية ولا كفؤًا لها.. فالدم النازف في الميدان لا ينتظر اجتماعاتهم العقيمة ولا نقاشاتهم التي لا تنتهي، وإنقاذ الجريح لا يمكن أن يُرتهن بلجان وفرق عمل همّها الأول ضمان نصيبها من هذا الحق المقدس قبل أن تلتفت إلى صاحب الحق نفسه ..

إن هذا الوضع لا يمثل فقط إهداراً لكرامة المقاتل وحقه الإنساني المشروع في العلاج والشفاء والعودة إلى أهله سالماً، بل هو أيضاً إهدار مباشر وخطير للأمن القومي نفسه.. إذ إن هذه الحرب التي نخوضها ليست قصيرة ولا سهلة، وليست جولة عابرة يمكن تجاوزها بخطاب حماسي أو استعراض عسكري، هذه حرب طويلة ومعقدة ضد منظومة مافيوية متجذرة، اختطفت الدولة لعقود طويلة، وتحكمت في أجهزتها ومؤسساتها وحولت مواردها إلى خدمة مصالحها الضيقة ..

وفي هذه الحرب، يظل العنصر البشري حجر الزاوية الذي لا غنى عنه، فالآليات والعتاد لن تفيد شيئاً إذا لم نحافظ على مقاتلينا.. العناية بالجرحى ليست فقط التزاماً أخلاقياً يليق بمؤسسة تحترم شرفها العسكري، بل هي أيضًا إستثمار حقيقي في استمرار المعركة والإنتصار فيها ..

إن إدارة ملف الجرحى بفعالية ونزاهة وكفاءة ليست خياراً الآن، بل ضرورة وجودية.. فأي إهمال في هذا الملف هو طعنة في ظهر المؤسسة، وخيانة لدماء الشهداء والجرحى على حد سواء.. كل تلاعب فيه يطيل أمد الحرب، ويمنح تلك المافيا التي نواجهها فرصة إضافية لإعادة تنظيم صفوفها، ومواصلة عبثها بالوطن والمواطن ..

إننا في حاجة إلى مواجهة حقيقية لهذه الممارسات المعيبة، مواجهة تبدأ بالإعتراف بوجود المشكلة، وتشمل محاسبة المقصرين، وتضمن إسناد هذا الملف إلى من هم أهل له، كفاءة ونزاهة وشرفاً … وعلى المؤسسة أن تثبت بالفعل لا بالقول، أن حياة وكرامة مقاتليها ليست للبيع، وأنها تملك القدرة على حماية أبنائها في الميدان وفي المستشفى على حد سواء ..

وإلا … فإن دماءهم ستُهدر مرتين : مرة في ساحة المعركة دفاعاً عن بلدهم وشعبهم، ومرة أخرى في دهاليز الفساد وسوء الإدارة على موائد أولئك الذين اعتادوا أكل القصعة دون وازع من ضمير أو شرف ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى