رأي

عمارسعيديكتب: *«بين تمثالٍ للفرعون وتمثالٍ للميزان: رمزية العدالة التي تهزم الطغيان»*

في لحظة تختصر المشهد السوداني بأكمله، يقف في الخرطوم تمثالٌ ضخم جُلب من الخارج بتكلفة مئات الآلاف من الدولارات ليخلّد صورة قائدٍ عسكري غارق في دماء الأبرياء، بينما ترتفع في نيالا، بجهد أيادٍ سودانية بسيطة ومخلصة، أيقونةٌ للميزان؛ رمز العدالة التي يحلم بها الهامش منذ عقود.

هذه المقارنة ليست بين كتلتين من الحديد والإسمنت، بل بين فلسفتين، بين مشروعين، بين وطنين:

وطنٌ يحاول فرض قداسة مزيفة على جنرالٍ يمثل امتداداً لنظام قتل وشرد واغتصب، ووطنٌ آخر يبحث عن حقه في الحياة والحرية والمساواة والقصاص.

تمثال الخرطوم: صناعة الوهم وشراء المجد الزائف

لم يكن التمثال الذي شيّد للبرهان مجرد عمل فني، بل كان محاولة سياسية لخلق صورة «المنقذ» عبر استيراد رمزٍ مكلف يحاول تلميع قائد يتشبث بالسلطة على أنقاض أمة تتآكلها الحرب.

تمثالٌ فاخر في مدينة انهارت مؤسساتها، وجياعٌ يبحثون عن رغيف، ومرضى يموتون من انعدام الدواء، ونازحون يفترشون الأرض.

إنه ليس تمثالاً لرجل، بل تجسيدٌ لكل ما تمثّله السلطة المركزية من استبداد وعنف وإهدار للمال العام، وامتدادٌ لنهج النظام البائد الذي ما زال البرهان وكبار جنرالاته يسيرون على خطاه، محاولين الهروب من جرائم موثّقة، نفذوها في الخرطوم ودارفور وكردفان، مستخدمين القصف الجوي والأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، ثم ينكرونها رغم التقارير الدولية.

تمثال نيالا: يد سودانية تبني رمزاً للحق

على الطرف الآخر، يقف رمز الميزان في نيالا؛ تمثالٌ لم تُنفق عليه خزائن دولة ولا جيوب نافذين، بل نُحت بروح مجتمعٍ يحلم بالعدالة، ويؤمن بأن السودان يتسع للجميع إذا ساد القانون وانتصرت الحقيقة.

هذا التمثال ليس قطعة فنية فحسب، بل إعلانٌ صريح لرغبة شعوب الهامش في إنهاء عقودٍ من التهميش والظلم، والمطالبة بمحاكمة القتلة الذين أبادوا أكثر من 300 ألف إنسان في دارفور.

إنه تمثالٌ للعدالة، للميزان الذي يرفض أن يعلو عليه جندي أو جنرال، ولن يسمح بأن يفلت أمثال البشير وأحمد هارون وقادة النظام البائد من العقاب، حتى وإن احتموا بالمؤسسات العسكرية أو تواطأت معهم السلطة المركزية.

رمزية الحدثين: الفن يكشف جوهر السياسة

المشهدان يكشفان مفارقة عميقة:

 • في الخرطوم: تمثال يضخم الفرد ويقتل الحقيقة، يموّل الاستبداد ويكرّس الوهم.

 • في نيالا: تمثال يرفع قيمة الإنسان ويدعو للحق، بُني بفلسفة مقاومة الظلم لا صناعة الطغاة.

إن رمزية التمثالين تعكس معركة الهوية ذاتها في السودان:

هل يكون الوطن نسخة جديدة من دولة العسكر التي هرب قادتها من العدالة لسنوات؟ أم يصبح وطناً يحكمه القانون، تُحترم فيه دماء الأبرياء، وتُعاد فيه الحقوق لأهلها؟

شمس العدالة… مهما طال الليل

ورغم هذا الظلام، يبقى ميزان نيالا وعداً لا يموت.

وعداً بأن العدالة ستشرق في السودان مهما طال الزمن، وأن دماء الأبرياء لن تضيع، وأن المجرمين، كباراً كانوا أو صغاراً، لن يفلتوا من العقاب.

فالتمثال الذي شُيّد للبرهان ربما يعلو اليوم حجراً فوق حجر، لكن التاريخ لا يرفع الظالمين… والتاريخ يعرف مكانه جيداً.

وفي النهاية، سيبقى تمثال الميزان في نيالا شاهداً على أن السودان الحقيقي يُبنى بيد شعبه، لا بتماثيل القادة الطغاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى