رأي

شيخ الدين محمد علي يكتب : دارفور: أصالة الموروث ورسالة الثقافة 

​بين طيات التاريخ الممتد وجلال الطبيعة التي تختصرها قمم جبل مرة الشامخة، تقف دارفور كلوحة فنية باذخة الألوان صاغتها يد الزمن، وأثثها إنسان أحب الحياة وغرس في ثراها قيم السلام والتعايش رغم ما يحيط به اليوم من لظى الحرب والنزاعات.

إن التنقيب في حروف التاريخ الدارفوري وثقافته الضاربة في القدم يكشف عن جوهر إنساني صلب يرفض الانكسار، ويحمل في جوفه إرادة الحياة وعزيمة الرجال الذين لا تهزهم الخطوب.

​تاريخ دارفور ليس مجرد صفحات مطوية في بطون الكتب بل هو موروث حي تتوارثه الأجيال فقد شهد الإقليم قيام سلطنات وممالك عريقة كسلطنة الفور وممالك الداجو والتنجر ومملكة المساليت، أسست لنظام إداري واجتماعي فريد اعتمد على الفقه والتسامح ونظام الحواكير والجودية.

وعبر القرون، أصبحت دارفور بؤرة إشعاع ديني وثقافي ارتبط اسمها بعمارة الحرمين الشريفين وإرسال محمل الكسوة سنوياً، مما أثمر تداخلات قبيلية متعددة جعلت من الإقليم موزاييكاً اجتماعيّاً فريداً يلتقي فيه المكون الأفريقي مع الثقافة العربية، والمزارع مع الراعي في تناغم صنع شخصية الدارفوري المعروفة بالكرم والشهامة.

​يتجلى هذا التراث الأصيل في أساليب العمارة التقليدية المخروطية القطاطي،

وفنون النحت والمشغولات اليدوية، ونظم الإدارة الأهلية كالشراتي والمقاديم.

كما تكتمل اللوحة في موسم الخريف وعبر المسارات الرعوية المراحيل، حيث تُنشد أشعار “الهدّاي” لتجسد صوت الحكمة والمصالحات.

وتتجسد هذه الروح في الرقصات الشعبية كـ “الجراري”، “المردوم”، “الفرنقبية”، و”الكاتم”، المستندة إلى آلات موسيقية عريقة كـ “أم كيكي”، طبول النحاس، والتمبل، والزمبارة.

وفي أوقات الشدة والرخاء، تتجلى ثقافة التكافل عبر “النفير”  واسواق “أم دَوَرْوَر” التي طالما مثلت نقاطاً لتجديد عهود الإخاء والدم.

​وعلى توازي هذا الثراء الاجتماعي، لعبت المؤسسات والمراكز الثقافية دور قلاع الوعي وضفاف الضوء في وجه العاصفة.

فمن “قصر السلطان علي دينار” بالشارع التاريخي، إلى المجالس الولائية للثقافة والإعلام بالفاشر ونيالا والجنينة، وصولاً إلى الكتاتيب والمجالس الأهلية؛ لم تكن هذه المؤسسات مجرد جدران أسمنتية، بل كانت خط الدفاع الأول عن هوية الإقليم وشريانه الحيوي.

ولقد شكلت هذه المراكز، حتى في أحلك أوقات النزاع، مساحات محايدة وآمنة للتحاور ونبذ خطاب الكراهية، وتجسيد قيم “الجودية” في أطر فنية وأدبية حديثة، متجاوزة محن التمويل وتلف البنية التحتية عبر المبادرات الميدانية والمسرح الجوال داخل مجتمعات النازحين والأحياء.

دعوة وتوجيه إلى حكومة التأسيس

إن هذا الرصيد الحضاري والوجداني يضع أمام حكومة التأسيس مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل إن استعادة السلام المستدام وبناء سودان جديد ينطلقان أساساً من إعادة الاعتبار للثقافة باعتبارها القاطرة الحقيقية للتعافي الاجتماعي وليست مجرد نشاط هامشي ومن هذا المنطلق نتوجه بهذه الدعوة المباشرة إلى قيادة الدولة وحكومة التأسيس بضرورة تبني رؤية استراتيجية شاملة تجاه إقليم دارفور تتضمن المحاور التالية إعادة إعمار وترميم البنية التحتية الثقافية وضع خطة عاجلة لصيانة وتأهيل المراكز الثقافية والمتاحف الأثرية وفي مقدمتها قصر السلطان علي دينار والمجالس الثقافية الولائية وتزويدها بالوسائط الحديثة لتستعيد دورها كمنارات إشعاع فكري مأسسة وتطوير آليات السلام المحلي الجودية والإدارة الأهلية دمج النظم العرفية والتراثية في حواضن قانونية وثقافية حديثة تُشرف عليها وزارة الثقافة والجهات المعنية لرتق النسيج الاجتماعي وتفعيل مسارات التعايش بين الرعاة والمزارعين دعم وصيانة التراث المادي واللامادي إنشاء صندوق وطني لحماية التراث الدارفوري ودعم الحرفيين والفنانين والفرش والشراتي والجمهورية الأهلية وثائقيّاً وماديّاً مع تسجيل الفنون الإيقاعية وآلاتها التراثية ضمن لائحة التراث العالمي تحويل الثقافة إلى رافعة اقتصادية وتنموية الاستثمار في المواسم الثقافية وأسواق التبادل التراثي كـ أم دَوَرْوَر والمنتجات الفخارية والسعفية وجعلها منافذ تنموية تنقل الإقليم من مربع الإغاثة إلى مربع الإنتاج والازدهار.

ورغم مرارة الظروف الراهنة وما فرضته الحروب والنزاعات المسلحة من تحديات جسام يظل الإنسان في دارفور معدناً أصيلاً لا ينكسر فتجد في داخله رجلاً صبوراً لا يهاب المحن وامرأة مكافحة تصنع الحياة من قلب الركام.

إن التنوع الثقافي والفني في دارفور لم يكن يوماً سبباً للفرقة بل كان مصدراً للثراء والتكامل وما يزال الأمل يحدو أبناء هذه الأرض لاستعادة ذلك السلام المفقود مستندين إلى موروثهم الأصيل في الجودية والتعايش السلمي.

إن دارفور ليست مجرد جغرافيا في غرب السودان بل هي حكاية إنسان أحب الأرض والسماء وخط بأفعاله وثقافته ملمحاً فريداً في الهوية السودانية والإنسانية جمعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى