رأي

المحامي والكاتب ، حاتم الياس يكتب : أين ذهبت رائحة المسك في هذه الحرب؟

(خطاب الحرب: من الدين إلى الكرامة)

إذا نظرت إلى الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، منذ لحظة الاحتلال وحتى راهننا هذا، ستنتبه إلى مفارقة غريبة في حركة الخطاب المقاوم. فحينما لم تكن هناك حماس، «حركة المقاومة الإسلامية»، وكانت كافة الفصائل الفلسطينية في جبهة المقاومة، ومنظمة التحرير الفلسطينية كفصيل رئيسي بخلفيتها القومية، والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية بخلفيتهما اليسارية العلمانية، كان مفهوم المقاومة مختلفاً.

قبل أن يسيطر خطاب الإسلام السياسي ويعطي الحرب بُعداً دينياً، بوصفها صراعاً إسلامياً ـ يهودياً، كنا نسمع بالعمليات الفدائية؛ أي إن المقاتل الذي استشهد كان يُقال إنه استشهد في سبيل قضية وطنية، هي قضية التحرر من الاحتلال. وقتها لم يكن دين أو عقيدة المقاتل موضع سؤال: مسيحي، مسلم، شيوعي، من منظمة التحرير أو من أي فصيل آخر.

لكن بصعود تيار الإسلام السياسي، انحسر إلى أقصى درجة تعريف العمليات الفدائية، وأعيد ربط المقاومة بخطاب الإسلام السياسي ونظرته الدينية، فتحولت إلى «عمليات استشهادية». أي إن الأمر هنا لم يعد مجرد عملية مرتبطة بمفهوم المقاومة كمشروع تحرر إنساني من الظلم والاضطهاد، بل أصبحت هناك مكافأة أخروية للعمل المقاوم وهي الجنة حسب ماوردت في الدين الاسلامي كمكافاة للمؤمنين

المقدمة السابقة ضرورية، وإن كانت غير كافية، لرصد عابر جداً لعمل وآليات الخطاب الأيديولوجي وتحولاته المختلفة، وكيف يأخذ في كل مرة شكل خطاب القوى المهيمنة على جهاز الدولة. وحتى المناخ العالمي وتأثيراته له دور هنا، بالطبع.

ففي السابق، ومع انطلاق حرب الجنوب في العام 1955، شاع وصف «المتمردين»، أي من تمردوا على الدولة الوطنية. وكان هذا الوصف مناسباً للمناخ العالمي في ذلك الوقت، مع خروج الاستعمار ونشوء الدولة الوطنية وتعظيم مفهوم السيادة إلى درجة القداسة. فكان الخروج على الدولة يُعتبر تمرداً مذموماً، لأنه يحاول أن ينتقص من سيادة الدولة، وكان يُقدَّم في الغالب بوصفه مؤامرة استعمارية أو دعوة للتجزئة، كما في الخطاب القومي.

لكن عبارة «متمردين» نفسها لم تكن تحمل أي دلالة دينية، وإنما كانت لصيقة الصلة بمفاهيم دولة ما بعد الاستعمار.

استمر هذا الوضع حتى وصلنا إلى العهد المايوي، ومع صعود تيار الإسلام السياسي تم إحلال عبارة «الخوارج»، ذات البعد التاريخي الإسلامي، أي الجماعة التي خرجت على إجماع المسلمين والإمام. ورغم أن الحركات المسلحة العسكرية الجنوبية لم تكن حركات قوامها المسلمون، فإنها أيضاً حازت هذا الوصف.

لكن عموماً، لم يكن التوصيف الديني بعيداً عن ساحة البروباغندا؛ مثل حضور مجلس الكنائس العالمي باستمرار كجهة داعمة للتمرد من أجل مشروع التنصير، وهو إيحاء ضروري لجعل الحرب بين الإسلام وهذه الجهات التنصيرية.

وحينما جاءت الإنقاذ واستلم الإسلاميون السلطة، تمت أقصى درجات التكثيف التعبوي الديني. ورأينا كيف تزف الحور العين الشهداء عبر النص والنشيد القادم من المحتوى الديني التعبيري لخطاب الإسلام السياسي. فبدا برنامج «ساحات الفداء» كأنه فقرة تلفزيونية تُبث من القرن الأول الهجري، عن صحابة الرسول ﷺ.

وهنا نلاحظ أن الحرب نفسها لم تتحول كلياً إلى الجانب الديني، بل أصبحت ضمن نسق خطاب السلطة ومحدداً لمشروعيتها وعنفها تجاه من يخالفونها أو يدعون للسلام.

ثم جاءت هذه الحرب، فتدخل خطاب السلطة/خطاب الإسلام السياسي في ورطة؛ إذ إنك لا يمكنك أن تقول إن الدعم السريع جماعة من غير المسلمين، بل إن جنود الدعم السريع أنفسهم يرفعون شعاراً إسلامياً: «اتنين بس: يا نصر يا شهادة».

ولأن مشروع الإسلام السياسي نفسه، أي مشروع الحركة الإسلامية، كان خارجاً من جرح نرجسي عميق سببته ثورة ديسمبر التي أطاحت بنظامهم، فقد جاء خطاب الحرب هنا كتوليفة مرتبكة تحمل اسم «الكرامة» في الخطاب العام الموجَّه لداعمي الجيش، باعتبار أنها حرب لاسترداد كرامة الدولة.

في الواقع، هو جيش الحركة الإسلامية التي مرمطها مقاتلو الدعم السريع، إضافة إلى رفع مفاهيم الوطنية وجيش الدولة التي تتعالى وتتجاوز الاختلافات السياسية، ليدخل الجميع تحت راية الدولة أفواجاً، بمخاوف فقدان سلطة جهاز الدولة التاريخية ومصالح طبقة الأفندية، في مواجهة هجمة «عرب الشتات» من نيجيريين وتشاديين وماليين وامتداداتهم في السودان.

لكن مع ذلك، وبذكاء، ظلت الحركة الإسلامية في قلب السلطة تتحكم في القرار والنسق العام، وتقلص من فضاء الشعار. فاختارت، بلغة أندية فرق كرة القدم، الهلال والمريخ، الملعب الرديف لإعادة تسويق شعاراتها الجهادية وسط منسوبيها، وبروباغندا للجميع.

وأقول «بذكاء» لأنها تريد أن تقول إنها جزء أساسي من مشهد «حرب الكرامة» كقوى موجودة، وليست المهيمنة على القرار والمشهد والجيش وكل الدولة، وهو أمر يتناسب مع طبيعة التحالف الطبقي ـ السياسي الجديد الذي أفرزته هذه الحرب، حين التحقت بركب السلطة التاريخية فئات اجتماعية أخرى كانت تُحسب في صف المعارضة، من العلمانيين الذين طالما تم شتمهم ونعتهم بأسوأ العبارات. لكن حرب الكرامة تجبُّ ما قبلها.

إضافة إلى الورطة الأخرى: هل هؤلاء «الدعامة» كفار؟ هل هم خوارج؟ هل هم فئة باغية؟

ورغم أن «تأسيس» أعلن تأكيده على علمانية الدولة، فإن لا أحد حاول أن يستغل ذلك في خطاب الحرب للقول بكفرهم.

وهنا تظهر المفارقة؛ حيث يقول خطاب الإسلام السياسي والحركة الإسلامية: هذه ليست حرب مفاهيمنا في المجرى الأساسي لخطاب السلطة، وإنما معنا حلفاء آخرون، لذا لنسَمِّها «حرب الكرامة»، ونواصل تمارين الشعار والدبابين وأغنيات الجهاد في الملعب الرديف.

فأين ذهبت، إذن، رائحة المسك في هذه الحرب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى