أخبار

غلاء المعيشة في «الخرطوم» .. جدران تتوارى خلفها قصص مأساوية  

الخرطوم – الجماهير

خلو الأسواق من المشترين، إلا من قلة تتجول بين المحال دون أن تشتري، يمنح المكان شعورا مخيفا بأن شيئا ما ليس على ما يرام. الأسواق التي كانت تضج بالباعة والمتسوقين منذ الساعات الأولى للصباح، تبدو اليوم أكثر هدوءاً، فيما تقف البضائع على الرفوف في انتظار زبائن باتوا يحسبون قيمة كل جنيه قبل إنفاقه.

في الخرطوم، لم يعد ارتفاع الأسعار وحده هو المشكلة.. فقد تراجعت القدرة على الشراء إلى مستويات دفعت بالركود إلى واجهة المشهد ، وأصبح أصحاب المحال يواجهون معادلة صعبة… أسعار ترتفع باستمرار، وزبائن يتناقصون، ورأس مال يتآكل.

وكشفت جولة لـ”الجماهير” في عدد من الأسواق الصغيرة التي يعتمد عليها سكان الأحياء البعيدة عن الأسواق المركزية، عن تراجع حاد في حركة البيع والشراء، فيما أضطر بعض التجار على إغلاق محلاتهم بعد أن أصبحت تكلفة تشغيلها تفوق عائدها.

الفراخ من 18 إلى 30 ألفاً

وربط التجار هذا الركود مباشرة بالقفزات المتواصلة في أسعار السلع. ويقول صاحب محل لبيع الدواجن لـ”الجماهير” إن محله كان يوزع قبل عيد الأضحى أكثر من ألفي كيلوجرام من الفراخ أسبوعياً، لكن حجم المبيعات تراجع بصورة حادة.

ويضيف: “الآن لا نوزع أكثر من 20 كيلو في الأسبوع” ، مشيراً إلى أن سعر كيلو الفراخ ارتفع من 18 ألف جنيه إلى 30 ألفاً خلال فترة قصيرة.

حتى اللحوم الحمراء، التي يقول أحد التجار إن أسعارها ظلت مستقرة منذ رمضان، لم تنج من الركود.

صورة حديثة من داخل ولاية الخرطوم

ويقول صاحب محل لحوم حمراء الأسعار ثابتة منذ شهر رمضان، لكن الإقبال على الشراء تراجع بصورة حادة … نبيع بشكل مناسب يوم الجمعة فقط، بينما بقية الأيام لا يكون هناك بيع، ولذلك قللنا كمية اللحوم المعروضة”

ويرى أن تراجع المبيعات يعكس تحولا في سلوك الأسر التي أصبحت تبحث عن بدائل أقل تكلفة، في ظل تراجع قيمة العملة السودانية.

وجبة واحدة.. لتأجيل الجوع

و خلف أرقام الأسعار وحركة الأسواق، تبدو آثار الأزمة أكثر قسوة داخل مئات البيوت التي لم يعد دخلها يكفي لتأمين الغذاء.

في م عشر _ جنوب الخرطوم، تعيش عائشة محمد إسماعيل، 39 عاماً، مع طفليها فتاة في الثامنة وصبي في العاشرة، في منزل بسيط فقدت فيه الأسرة عائلها خلال السنة الثانية من الحرب.

كانت عائشة تعتمد على التكايا للحصول على الطعام، لكن تراجع مواردها وارتفاع تكاليف المعيشة جعلا تأمين الوجبة اليومية نفسها مهمة شاقة.

تقول لـ”الجماهير” إنها لا تملك دخلاً ثابتاً، وإن ابنها اضطر إلى ترك الدراسة والعمل عامل بناء لمساعدة الأسرة، لكنه لا يجد عملاً بصورة منتظمة، وقد يمضي أسابيع من دون فرصة.

وتعتمد الأسرة، إلى جانب ذلك، على مساعدات أهل المنطقة وأحد التجار في الحي.

تقول عائشة “أحياناً نكتفي بوجبة واحدة، ونؤخرها إلى ما بعد منتصف النهار حتى لا نشعر بالجوع لبقية اليوم”.

أما شاي اللبن في الصباح، فلم يعد ضمن حساباتها. أصبح رفاهية أسقطناها من حساباتنا، وأحياناً نشرب الشاي سادة”

وتضيف أن أقل من عشرة آلاف جنيه لا تكفي لتوفير احتياجات وجبة واحدة للأسرة، فتكتفي أحياناً بالفول والخبز أو كيس من الشعيرية، ولا يسد رمقنا في كثير من الأحيان، ونقضي اليوم كله بهذه الوجبة».

وتقول إن الجيران يمدونهم بالطعام أحياناً، لكنها أصبحت تتحرج من طلب المساعدة لأنها ترى جيرانها أيضاً باتوا يعانون في معيشتهم”.

وتعود عائشة بذاكرتها إلى ما قبل الحرب، حين كان زوجها يعمل عاملاً في المحلية ويجتهد لتوفير احتياجات الأسرة. أما اليوم، فتقول إن سندها الوحيد هو ابنها الذي تراه خارج المدرسة، وتخشى أن يترك طول البقاء في المنزل دون عمل او مدرسة آثاراً نفسية عليه.

30 ألفاً لم تعد تكفي

وفي شرق الخرطوم، يقول أحد السكان لـ”الجماهير” إن أسرته المكونة من خمسة أشخاص كانت تحتاج قبل شهر إلى نحو 30 ألف جنيه يومياً، لكنها أصبحت تحتاج إلى قرابة 80 ألفاً لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.

ويشير إلى ارتفاع سعر كيلو الطماطم من 4 آلاف إلى 14 ألف جنيه، والبطاطس إلى 7 آلاف جنيه .

راتب 168 ألفاً بعد 43 عاماً في التعليم

وتتكرر المعاناة بصورة أكثر وضوحاً بين الموظفين، خصوصاً أصحاب الدخول الثابتة التي لم تعد تواكب تكاليف مواجهة الحياة.

ويروي «خ. ع. ح» لـ«الجماهير» قصة 43 عاماً قضاها في مهنة التدريس متنقلاً بين المدارس، حتى وصل إلى الدرجة الوظيفية الأولى قبل نقله إلى قسم التوجيه التربوي.

ورغم ترقيته في عام 2024، يقول إن راتبه لم يعدل حتى الآن، ولا يزال يتقاضى 168 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ يقول إنه لا يكفي احتياجات أسرته المكونة من سبعة أفراد سوى لأيام قليلة، الامر الذي دفعه للعمل في صيد السمك لتغطية احتياجات اسرتي ويقول لـ الجماهير” لا يعد صيد الأسماك بالنسبة إلي هواية وإنما وسيلة اضطر إليها لتوفير دخل آخر لضعف راتبي وارتفاع الاسعار .

اقتصاد يطحن المواطن والتاجر معاً

ويرى الخبير الاقتصادي د. الحاج إبراهيم أن المشهد مرشح لمزيد من الصعوبة إذا استمر التدهور المتسارع في قيمة العملة المحلية، مشيراً إلى أن استمرار الحرب يجعل أي معالجة اقتصادية جذرية محدودة الأثر.

ويقول لـ”الجماهير” إن وقف التدهور المعيشي لا يمكن فصله عن إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار السياسي، مضيفاً: «لا حل اقتصادي ولا معيشي إلا بوقف الحرب واستقرار سياسي».

وانتقد التركيز على معالجة نتائج الأزمة بعيداً عن سببها الأساسي، قائلاً: «بعاينوا في الفيل ويطعنوا في ضلو»، في إشارة إلى أن الحرب، بحسب رؤيته، هي العامل الرئيسي وراء الانهيار الاقتصادي والمعيشي.

الغذاء يبتعد عن متناول الأسر

وتظهر صعوبة المعيشة في أسعار السلع الأساسية؛ إذ بلغ سعر كيلو السكر نحو 7,500 جنيه، فيما وصل رطل زيت الطعام إلى 12 ألف جنيه، وتتراوح ملوة دقيق الذرة بين 10 و12 ألف جنيه، بينما ارتفع كيلو دقيق القمح الناعم من 2,500 إلى نحو 5 آلاف جنيه.

وفي المقابل، يواجه التجار أنفسهم خطر الخروج من السوق فـ “محمد السر”، أحد التجار في جنوب الخرطوم، يقول لـ”الجماهير” إن الزيادات المستمرة أفقدتهم هامش الربح، وإن معظم ما يفعلونه حالياً هو محاولة المحافظة على رأس المال.

ويضيف: “مكسبنا في جوال السكر زنة 50 كيلو ألفا جنيه فقط، والأرباح في بقية السلع ضئيلة جداً، وهذا الهامش بالكاد يغطي مصاريفنا الشخصية”.

ويشير إلى أنهم تعرضوا خلال الأيام الماضية لخسائر في بعض السلع، بعدما توقف بعض تجار الجملة في السوق المحلي بالخرطوم عن البيع بسبب الارتفاع المتواصل في الأسعار.

ويقول إن استقرار الأسعار ليوم واحد أصبح يُنظر إليه باعتباره خبراً جيداً، لكنه لا يعني استقرار السوق، مضيفاً: “ليست هناك زيادة منذ ايام ، لكن لم يعد هناك أمان لاستقرار الأسعار”.

ويخشى التاجر من أن تؤدي أي زيادة جديدة إلى خروج أعداد أكبر من التجار، قائلاً إن استمرار ارتفاع الأسعار مع عزوف المواطنين عن الشراء وتقليص الكميات سيؤدي في النهاية إلى تآكل رؤوس الأموال.

وهكذا تبدو الأزمة في أسواق الخرطوم دائرة مغلقة.. تاجر يخشى خسارة رأس ماله، ومواطن عاجز عن شراء احتياجاته، وأسعار تواصل الصعود، واقتصاد يفقد قدرته على توفير الحد الأدنى من الأمان المعيشي… وفي هذه الدائرة، لا يبدو الركود مجرد ظاهرة تجارية عابرة، بل انعكاساً مباشراً لأزمة تتسلل من السوق إلى المائدة، ومن المائدة إلى حياة الأسر الأكثر هشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى