حين تتأمل تفاصيل الحياة اليومية في مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، تجد أن نبض المدينة الحقيقي لا ينبض فقط في حركتها التجارية العريضة، بل يتردد صداه بانتظام عبر إيقاع خاص ومميز صوت الإبرة وهي تخترق الجلود السميكة، وطرقات المطارق الصغيرة المنتظمة التي تعلن ميلاد قطعة فنية فريدة تُعرف بـ “المراكيب”.
في زاوية نابضة بالحياة من سوق الضعين، حيث تختلط روائح الدباغة التقليدية بعبق التراث السوداني الأصيل، يقف الحرفيون كحراس أمناء لهوية تكاد تذوب في زحام العولمة الاستهلاكية.
وفي عصر السرعة والتحديث المستمر لأنظمة التصنيع، ظلت “المراكيب” السودانية — وهي الأحذية التقليدية المصنوعة يدويًّا وبجهود محلية خالصة من جلود الأبقار — محافظةً على مكانتها المرموقة في السودان، وتحديداً في إقليم دارفور، رغم التسارع الهائل في عالم الموضة.
تبدأ قصة “المراكيب” الدارفورية بعيداً عن أضواء المصانع الحديثة؛ فهي تنطلق من السهول والمراعي الواسعة حيث تُستخلص جلود الأبقار بعناية فائقة داخل ورش السوق المتواضعة في الضعين، تخضع هذه الجلود لعمليات تنظيف وتجفيف ومعالجة تقليدية متوارثة عبر الأجيال، تتطلب مهارة عالية ودقة متناهية في القياس والقص.
ولا توقُف الصنعة عند هذا الحد، بل يبرز البعد الجمالي في التفاصيل الدقيقة كعمليات “التطريز” والنقش اليدوي التي تزين وجه المركوب، لتشمل أنواعاً وأشكالاً متعددة تحمل بصمات خاصة تميز ورشة عن أخرى وتدل على ذوق الحرفي الرفيع.
يقول الحرفيون هنا إن صناعة المركوب ليست مجرد تفصيل حذاء، بل هي هندسة دقيقة تعتمد على التوازن بين المتانة والمرونة، لضمان حذاء يتحمل قسوة التضاريس وطبيعة المناخ، وفي الوقت ذاته يحافظ على أناقة لافتة ومريحة لمرتديه.
فالمركوب ليس مجرد قطعة ارتداد عادية، بل هو المرافق الدائم للرجل السوداني في الأعياد، وحفلات الزفاف، والمناسبات الرسمية والاجتماعية، بل ويُعد هدية فاخرة تعبر عن التقدير والاحترام المتبادل بين الأصدقاء والأعيان، مانحاً بارتديه هيبة وهنداماً فريداً.
وسط زحام الورش وتناثر قصاصات الجلود، يلفت انتباهك العم عبدالرحيم الذي يناهز الخمسين عاماً من عمره المعمد بالتجربة والكفاح تنعكس على وجهه ملامح الوقار والرضا، ويداه اللتان خط فيهما الزمن خطوطه ترويان حكاية عقود قضاها محباً لهذه المهنة.
بابتسامته المعهودة وحركاته الواثقة، يقول عبدالرحيم وهو يعيد خياطة طرف المركوب بعناية فائقة: “المراكيب بالنسبة لنا ليست سلعة للتجارة العابرة، هي جزء منا، هويتنا التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ورغم غزو الأحذية المستوردة وسريعة الصنع، إلا أن الزبون الحقيقي يعرف قيمة ما يرتديه؛ فالمركوب الأصلي يزداد جمالاً وقيمة كلما طال الزمن عليه”.
لا يقتصر أثر سوق المراكيب في الضعين على الجانب الجمالي والتراثي فحسب، بل يمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً يعيل آلاف الأسر المباشرة وغير المباشرة.
فسلسلة الإنتاج تبدأ من مربي المواشي والدباغين، مروراً بتجار المواد الخام وصولاً إلى صناع المراكيب وبائعيها المفردين في الأسواق الأسبوعية.
هذه الدورة الاقتصادية المغلقة والمستدامة تعزز من الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتحمي المجتمعات من الهشاشة الاقتصادية، فضلاً عن كونها تمثل حاضنة تدريبية جيلية ينتقل فيها سر الصنعة من المعلم إلى الابن والحفيد.
رغم التحديات اليومية التي تواجه الحرفيين في توفير بعض الأدوات أو استدامة جودة الإمداد أحياناً بسبب ظروف البيئة والعمل، إلا أن شغفهم بالحرفة والإصرار على نقلها للأجيال الجديدة يظل السلاح الأقوى في وجه الاندثار.
يظل سوق المراكيب في الضعين شاهداً حياً على قدرة الإنسان السوداني على التكيف والإبداع في أشد الظروف ومع كل حذاء جلدي يُحاك بعناية فائقة على يد العم عبدالرحيم وأمثاله، تثبت هذه الحرفة العريقة أن الأصالة قادرة على منافسة أحدث خطوط الموضة العالمية، شريطة أن تجد الاهتمام المؤسسي، والتوثيق الرقمي والجيلي، والتقدير الذي يليق بحراسة الذاكرة والهوية.





