وكالات : الجماهير _ نقلاً عن وكالة راينو
وضع موصوف بالمقزز تجاه ضعف التكتيكات الأمريكية وضغوطها على جنرال الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ومناوراته للتهرب من إيقاف الحرب، في ظل تصاعد المآسي الإنسانية للمواطنين، وتحول السودان إلى قطعة من الجحيم، حسب توصيفات المراقبين. وفي آخر هذه المناورات، خرج إعلام الحرب بنفي لقاء مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بالبرهان في مصر، رغم إعلان الأول تفاصيل ما دار في اللقاء، ليكون التساؤل: ما هي خيارات واشنطن تجاه مناورات وتكتيكات البرهان؟
*الخرطوم: راينو*
*آخر محطة*
في خطوة معنوية وليست ذات تأثير فعلي، صدر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية السنوي عن الاتجار بالأشخاص لعام 2026، وشهد تحولاً لافتاً في توصيف السلطة القائمة في السودان، إذ تخلّى التقرير عن تسمية «حكومة السودان» التي اعتمدها في نسخة عام 2025، واستبدل بها وصف «الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية»، وكرّره في كل موضع من النص، بما في ذلك الإشارة إلى الوزارات، ومنها وزارة الداخلية ووزارة الرعاية الاجتماعية ووزارة العمل.
وامتد التغيير إلى وصف قائد الجيش؛ ففي تقرير 2025 وصفته الخارجية الأمريكية بأنه القائد العام للقوات المسلحة و«الرئيس الفعلي للدولة»، أما تقرير 2026 فاكتفى بوصفه رئيساً فعلياً «للحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة»، دون أي إشارة إلى رئاسة الدولة.
ورغم ذلك، يرى مراقبون أن ثمة تخبطاً في الإدارة الأمريكية حيال حسم ملف الأزمة السودانية المستفحلة، وسط وضع يوصف بالقاسي، في مقابل تحركات ومناورات الجنرال عبد الفتاح البرهان، في تحدٍّ معلن لرغبتها في إنهاء الحرب عبر وقف إطلاق النار وتسوية سياسية شاملة، وهو ما تقابله واشنطن بممارسة ضغوط غير مجدية، بحسب كثيرين.
*كيف يتهرب البرهان؟*
يرى مصدر عسكري متقاعد، فضّل حجب اسمه، في حديثه لـ«راينو»، أن البرهان يمارس تكتيكات ومناورات تتراوح بين التصعيد الميداني ورفض ما يوصف بأنه محاولات خارجية لإزاحته عن تحقيق حلم أبيه، الذي كشف عنه مبكراً، والمتمثل في حكم السودان. وأضاف: «البرهان يلح على استعادة السيطرة في كل المناطق التي يوجد بها الدعم السريع، لذا هو يعلن ذلك مراراً وتكراراً، ومن ثم يرفض التفاوض إلا بانسحاب الدعم السريع». وتابع: «هذه النقطة تتيح مساحة للمناورة، وبمثابة ورقة ضغط قوية على الأرض، وهو ما يصطدم بهدن واشنطن المقترحة، الأمر الذي يتسبب في حالة توتر دبلوماسي بلغت حد منع التأشيرة عن البرهان، وهو ما يؤكد هشاشة قنوات التواصل بين الطرفين».
بينما تتلخص أوراق ضغط واشنطن، بحسب البعض، في خيارات محدودة الفعالية للتصدي لمناورات الجنرال، بدءاً بسياسة العصا التي تعكسها العقوبات الاقتصادية والمالية، ومحاولات فرض حظر السلاح، والتضييق على شبكات التمويل والدعم اللوجستي، مما يرفع تكلفة استمرار الحرب على الأطراف المتحاربة.
فيما يذهب الخيار الثاني إلى التعامل الدبلوماسي وفق الأمر الواقع، لجهة أن واشنطن لا تعترف بشرعية البرهان، وفق ما أعلنت أكثر من مرة.
*صفقة وانسحابات*
يظل الأمر متوقفاً، حسب متابعات «راينو»، على مدى قدرة وتأثير أدوات وآليات الضغط الأمريكية في تقليل الهوة والفارق بين الطموح الدولي المتعاظم لصالح وقف الحرب والواقع الميداني المتشابك، في ظل تعدد مراكز قوى إقليمية ودولية.
ويذهب المحلل السياسي د. أحمد بابكر، في حديثه لـ«راينو»، إلى أن ثمة صفقة سبق أن تحدث عنها مسعد بولس، تتعلق بانسحابات من هنا وهناك تحت ذريعة تنظيم العمل الإنساني.
وتوقع بابكر أن تعود شمال كردفان إلى سيطرة الجيش، حتى لو جرى ذلك عبر معارك وهمية، بحسب تقديره. وفي المقابل، توقع أن تصبح منطقة النيل الأزرق تابعة للدعم السريع، مع انسحاب الجيش منها تدريجياً، خطوة بعد أخرى.
وأشار بابكر إلى أن تصعيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان يرتبط بما ستؤول إليه الأوضاع في كردفان، معتبراً أن تطورات الميدان في المنطقة ستكون عاملاً أساسياً في تحديد مسار التصعيد خلال المرحلة المقبلة.
*أسئلة مهمة*
يرى المحلل السياسي وسكرتير العلاقات الخارجية في نقابة الصحفيين السودانيين، طاهر المعتصم، في حديثه لـ«راينو»، أن خيارات واشنطن تجاه ما وصفه بمناورات وتكتيكات الفريق أول عبد الفتاح البرهان تثير تساؤلات. وقال: «في تقديري، أولاً، إن الرهان على معالجة الوضع السوداني عبر الولايات المتحدة أو غيرها من الدول، بعد دخول الحرب عامها الرابع، يكشف أنها تعقّد الأزمة ولا تريد لها حلاً. هذا أولاً».
وأضاف: «أما ثانياً، فبعد الأمر التنفيذي الخاص بالوصف الوظيفي للفريق البرهان، الذي صدر أمس، وما سبقه من منع التأشيرة، فإن ذلك يشير إلى أن هناك خطوات قادمة لا محالة. وقد جرّبت واشنطن العديد من الإجراءات سابقاً، لكن دعنا نقل إن اتخاذ الولايات المتحدة خطوات وإجراءات جديدة، سواء عبر مجلس الأمن الدولي أو وزارة الخزانة الأمريكية وما تملكه من صلاحيات لفرض العقوبات، يظل أمراً مطروحاً للتعامل».
واعتبر طاهر أن ثمة أسئلة مفتاحية للإجابة عن كيفية تعامل واشنطن مع البرهان، وقال: «لكن السؤال الأساسي هو: هل تحل هذه الإجراءات المشكلة السودانية؟ وهل نريد تكرار ما حدث خلال حكم المعزول عمر البشير، عندما وُجهت إليه اتهامات من المحكمة الجنائية الدولية، وفرضت الولايات المتحدة إجراءات ضده؟ وهل أسهمت تلك الخطوات في تحقيق تطلعات الشعب السوداني، أم أصبحت عبئاً إضافياً عليه؟».
ويرى المعتصم أن جوهر القضية لا يتعلق بمجرد فرض العقوبات أو توجيه الاتهامات، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي يستجيب لمطالب الشعب السوداني، ويضع حداً لمعاناته، بدلاً من أن يجد المواطن نفسه مرة أخرى عالقاً بين سلطة تبحث عن الحماية وشعب يتحمل كلفة الأزمة.
*فرصة أخيرة*
في المقابل، يذهب المحلل السياسي والمؤثر حسن بكري، في حديثه لـ«راينو»، إلى أن الرفض المعلن للتفاوض من قبل قائد الجيش هو موقف قديم متجدد، وبالتجربة فقد كرر الرجل الموقف ذاته لمرات عديدة، بينما كانت المفاوضات تجري خلف أبواب مغلقة، ويعبّر الشارع السوداني عن تلك الحالة بالتعبير البسيط: «البرهان برمي إشارة يمين وبلف شمال».
وأشار إلى أن الأخبار التي تسربت عقب اللقاء المثير للجدل الذي جمع قائد الجيش بمسعد بولس تشير إلى تمسك الأول بانسحاب الدعم السريع من المدن التي يسيطر عليها، وهو رفض مباشر للهدنة. وقال: «لا أعتقد أن هنالك تراجعاً أمريكياً عن المواقف السابقة، والأرجح أنها تمنح البرهان فرصة أخيرة، وتحتفظ بأدوات ضغطها في مواجهته (تمديد حظر السلاح والكيماوي)، وقد تراهن على إحداث اختراق عبر حلفاء البرهان (مصر والسعودية)، قبل أن تمضي نحو تصعيد أكبر بإجراءات أحادية في حال فشلها في تمرير الضغط عبر مجلس الأمن والمؤسسات الدولية والحلفاء الإقليميين».
وشدد بكري على أنه لا معطيات تشير إلى تراجع أمريكي، بل العكس تماماً، بتحركات معلنة وأخرى غير معلنة، لكنها مؤكدة. وأضاف أن الخارجية الأمريكية تتحرك بين نيروبي وأديس أبابا وواشنطن وسويسرا في محاولة جادة، فيما يبدو، لاستعادة زمام المبادرة فيما يلي الشأن السوداني. وبالمقابل، وأمام تضييق المساحات السياسية، سيسعى البرهان إلى تحقيق انتصارات كبيرة على الأرض، فيربك المشهد بمعطيات ميدانية جديدة تضعه كأمر واقع لا يمكن تجاوزه. وأضاف: «في كل الأحوال، أرى أن أمريكا تنتهج الآن سياسة أقرب إلى المواجهة بهدف تغيير سلطة الأمر الواقع، وتحديداً عبد الفتاح البرهان، ما لم يحدث جديد يغير هذه المعادلة. فأمريكا تحركها مصالحها بالأساس، وليس الشعارات التي تتبناها، وقد تتغير المواقف بتغير المصالح».




