الباحث في الشأن السياسي السوداني
لم يعد السؤال في السودان عن عدد الذين يموتون، بل عن عدد الذين ينبغي أن يموتوا حتى تصبح حياة الإنسان السوداني قضية تستحق اهتمام من يتحدثون باسمه ويحكمون أرضه ويحملون السلاح بدعوى حمايته.
على سفوح جبل العقيدات بشمال الوادي، لم يكن المعدّنون يبحثون عن سلطة أو نفوذ أو مناصب، بل عن فتات الذهب الذي يمكن أن ينتشل أسرهم من جحيم الفقر الذي خلّفته الحرب. لكن الطائرات الحربية جاءت لتحوّل أحلامهم الصغيرة إلى مأساة جديدة، وتترك وراءها جثثاً وجرحى ومعدّنين يفرون بين الجبال.
إن الاتهامات الموجهة إلى الطيران الحربي المصري بتنفيذ القصف يوم السبت العاشر من أكتوبر ليست مجرد رواية سياسية عابرة؛ فقد تكررت في شهادات الناجين وإفادات المنظمات الحقوقية، وجاءت بعد هجوم سابق في يونيو من العام نفسه. واليوم تُضاف إليها معلومات عن رصد بقايا قنابل غير منفجرة في موقع الاستهداف، وهي قرائن مادية بالغة الأهمية إذا خضعت للفحص الفني والتوثيق المستقل.
وللمرة الثانية خلال أشهر، يصبح المعدّن السوداني هدفاً للقصف في المنطقة ذاتها، بينما تتجه الأنظار إلى سلطة بورتسودان التي ترفع شعار السيادة في كل مناسبة، وتواجه الآن امتحاناً حقيقياً لمعنى تلك السيادة.
من دماء القيادة العامة إلى دماء العقيدات
ليست مأساة العقيدات حدثاً معزولاً عن التاريخ الدموي الذي عاشه السودان خلال السنوات الماضية.
فمن مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، مروراً بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، ظل عبد الفتاح البرهان في قلب المشهد العسكري والسياسي الذي أنتج هذه الأزمات.
في كل محطة كان السودانيون يدفعون الثمن من دمائهم وحرياتهم وأرزاقهم، بينما ظلت المحاسبة غائبة، وظلت السلطة العسكرية تعيد إنتاج خطابها عن الأمن والاستقرار والسيادة.
واليوم، بعد أن تحولت مدن السودان إلى خرائب، وتشرد الملايين، وتهاوت مؤسسات الدولة، وأصبحت لقمة العيش حلماً بعيد المنال، يجد المواطن السوداني نفسه أمام خطر إضافي: أن يُقتل وهو يبحث عن الذهب في الصحراء، بعيداً حتى عن جبهات القتال.
البرهان والسيادة الانتقائية
ما قيمة السيادة الوطنية إذا كان المواطن السوداني لا يجد من يحميه داخل حدود وطنه؟
وما قيمة البيانات العسكرية والخطابات التي تتحدث عن الكرامة الوطنية إذا لم تتحول إلى إجراءات واضحة عندما تتهم منظمات حقوقية طائرات دولة أجنبية بقصف مدنيين سودانيين؟
إن علاقة البرهان الوثيقة بالقاهرة تضعه أمام مسؤولية سياسية لا يمكن تجاوزها بالصمت.
فإذا كانت السلطات السودانية تعلم بحقيقة ما جرى، فإن عليها إعلان ما تعرفه للرأي العام. وإذا كانت لا تعلم، فإن ذلك يطرح سؤالاً خطيراً عن قدرتها على مراقبة المجال الجوي وحماية المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
لا يجوز أن تتحول السيادة إلى سيف يُشهر في وجه الخصوم السياسيين، ثم تختفي فجأة عندما تتجه أصابع الاتهام إلى حليف إقليمي.
والأكثر إثارة للغضب أن الحادثة ليست الأولى. فقد شهد يونيو الماضي قصفاً دامياً في المنطقة نفسها، وها نحن أمام مأساة أخرى، بما يجعل المطالبة بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين ضرورة عاجلة، لا ترفاً سياسياً.
وطن تحاصره الحرب والإسلاميون والفقر
إن مأساة شمال الوادي تأتي بينما يستمر البرهان في إدارة حرب دمّرت الاقتصاد ودفعت الملايين إلى النزوح والجوع، وسط اتهامات متزايدة بعودة شبكات النظام الإسلامي السابق إلى مواقع النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وحتى الاتهامات المؤكدة بالادلة والشهادات الخطيرة المتعلقة باستخدام الجيش لأسلحة كيميائية خلال الحرب لم تجد طريقها إلى تحقيق دولي شامل يحسم الوقائع ويحدد المسؤوليات.
وبين الحرب والغلاء والانهيار الاقتصادي، تتراجع قيمة حياة المواطن في حسابات السلطة، بينما تتضخم قيمة التحالفات السياسية والعسكرية.
لقد أصبح السوداني محاصراً بالخوف في المدن، والجوع في معسكرات النزوح، والقصف في مناطق التعدين، وغياب العدالة في كل مكان.
هل تكون العقيدات القشة الأخيرة؟
ليس ممكناً الجزم بأن حادثة واحدة ستنهي سلطة عسكرية، لكن التاريخ يعلمنا أن تراكم المظالم وغياب المساءلة قد يحوّلان حادثة بعينها إلى نقطة تحول في علاقة المجتمع بالحكم.
وما يجعل العقيدات مختلفة ليس فقط عدد الضحايا، بل تكرار الاستهداف، وطبيعة الاتهامات الموجهة إلى دولة تربطها بقيادة الجيش السوداني علاقات وثيقة، وما يثيره ذلك من تساؤلات عن حدود تلك العلاقات وثمنها السياسي.
هذه ليست أسئلة خصوم سياسيين، بل أسئلة تتعلق بحق السودانيين في الحياة والأمن والسيادة.
إن قصف جبل العقيدات يستوجب موقفاً واضحاً، وتحقيقاً دولياً مستقلاً، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استهداف المدنيين، أياً كانت الدولة أو المؤسسة التي ينتمي إليها.
فإذا كان البرهان يطالب السودانيين بالتضحية دفاعاً عن سيادة البلاد، فمن حق السودانيين أن يسألوه: أين تلك السيادة عندما تتساقط القنابل على رؤوس أبنائهم؟
قد لا تكون العقيدات القشة الأخيرة في عمر هذه السلطة، لكنها بالتأكيد اختبار جديد لا يمكن أن ينجح فيه أحد بالخطب والشعارات.





