تقارير وتحقيقات

هجوم «شمال الوادي» يصعّد التوتر بين «السودانيين ومصر»

تقرير: الجماهير

أثار الهجوم الجوي الذي شنه الطيران الحربي المصري استهدف موقعاً للتعدين التقليدي عن الذهب في منطقة شمال الوادي داخل الأراضي السودانية، قرب الحدود المصرية، موجة من الغضب والجدل السياسي والحقوقي، وسط تضارب في حصيلة الضحايا ومطالبات بإجراء تحقيق مستقل لتحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم ومحاسبة المتورطين، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات للسلطات السودانية بشأن موقفها من الحادثة.

وبحسب المعلومات المتداولة، وقع الهجوم يوم السبت، واستهدف مجموعات من المعدّنين السودانيين، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بأعداد كبيرة وبينما تحدثت تقارير محلية عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص، أعلن تحالف السودان التأسيسي أن عدد القتلى تجاوز 200 شخص، استناداً إلى حصيلة أولية أوردها في بيان، دون توفر تأكيد مستقل ونهائي لهذا العدد.

واتهم الناطق الرسمي باسم التحالف، أحمد تقد لسان، الجيش المصري بتنفيذ غارات جوية على موقع التعدين، محمّلاً الحكومة المصرية مسؤولية مقتل المدنيين.

وطالب بفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف، داعياً المجتمع الدولي إلى إدانة ما وصفه بالاعتداء على السيادة السودانية. كما ربط البيان الهجوم بما قال إنه غارات جوية مصرية أخرى استهدفت مناطق سودانية خلال العام الجاري، وهي اتهامات لا تزال بحاجة إلى التحقق المستقل.

وتعزز الجدل عقب نشر صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تحقيقاً صحفياً قالت فيه إنها توصلت إلى أدلة تشير إلى تورط سلاح الجو المصري في قصف موقع التعدين. ونقلت الصحيفة عن خبير سابق في تفكيك الذخائر المتفجرة بالجيش الأميركي، تريفور بول، تحليله مقاطع فيديو من موقع الهجوم، حيث أشار إلى التعرف على ذخائر من طراز «نصر 400» مصرية الصنع لم تنفجر، فضلاً عن مقاطع تظهر تحليق طائرات مقاتلة ومروحيات وتنفيذ ضربات متتالية على الموقع.

وبحسب المعلومات المنشورة عن التحقيق، يقع الموقع على عمق نحو 40 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية، ويخضع لسيطرة الجيش السوداني، بعيداً عن خطوط المواجهات المباشرة بين أطراف الحرب. وإذا ثبتت صحة الأدلة المشار إليها، فإنها قد تسهم في تحديد طبيعة الهجوم والجهة المنفذة، غير أن الوصول إلى نتائج نهائية يتطلب فحصاً مستقلاً للذخائر ومقاطع الفيديو، والتحقق من الموقع والتوقيت، والاستماع إلى الشهود والناجين.

وأثار تعامل وزارة الدفاع التابعة للسلطات في بورتسودان مع الحادثة تساؤلات واسعة، بعدما أغلقت صفحتها الرسمية على «فيسبوك» خاصية التعليقات، الاثنين، عقب موجة من الأسئلة الغاضبة بشأن قصف المعدّنين، وأسباب عدم رصد الهجوم أو التصدي له.

ويضع هذا التطور السلطات العسكرية في بورتسودان الموالية لمصر أمام مطالبات بتوضيح ملابسات الهجوم، والكشف عن حصيلة الضحايا والإجراءات المتخذة، وتقديم معلومات موثوقة للرأي العام. كما أن غياب التوضيحات الكافية يترك المجال مفتوحاً أمام الروايات المتضاربة، ويزيد من صعوبة التحقق من المسؤوليات.

وفي موقف حقوقي، أدانت نقابة الصحفيين السودانيين الهجمات الجوية التي استهدفت مواقع التعدين التقليدي قرب الحدود السودانية المصرية، وقالت إنها أسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من المعدّنين، وسط تضارب في حصيلة الضحايا وعدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

وطالبت النقابة، في بيان صدر في 12 أكتوبر 2026، بإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف، بمشاركة الآليات الدولية المختصة، لتحديد طبيعة الهجمات والجهة التي نفذتها، والتحقق من ظروف استهداف مواقع التعدين وتحديد المسؤوليات القانونية. وشددت على ضرورة محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن استهداف المدنيين، وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.

من جانبه، دعا سلطان دارفور أحمد دينار إلى تحقيق مستقل في الحادثة، وتحديد المسؤولين عن مقتل المعدّنين ومحاسبتهم، إلى جانب تعويض أسر الضحايا ورعاية أطفالهم.

وقال دينار، في بيان نعي، إن الضحايا كانوا يسعون إلى توفير لقمة العيش لأسرهم عبر العمل في التعدين التقليدي، ولم يكونوا طلاب حرب أو حملة سلاح. وأكد أن وجود المدنيين في مناطق التعدين طلباً للرزق لا يجعل منهم أهدافاً مشروعة، منتقداً غياب موقف رسمي، بحسب وصفه، يواسي أسر الضحايا ويطالب بكشف الحقيقة.

كما حذر من استغلال الحادثة لتأجيج الكراهية أو التحريض على مزيد من العنف، مشدداً على أن دماء السودانيين واحدة، وأن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين ينبغي ألا تتأثرا بالانتماءات القبلية أو الجغرافية.

وامتدت تداعيات الحادثة إلى الشارع، حيث أعلن محتجون ضمن «ترس الشمال» إغلاق الطرق المؤدية إلى مصر، والتمسك باستمرار الإغلاق حتى تحقيق العدالة لضحايا منجم شمال الوادي. وتحدثت منشورات متداولة عن احتجاز شاحنات مصرية محمّلة بمواد خام، في خطوة احتجاجية مرتبطة بالمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن سقوط الضحايا.

ويهدد هذا التصعيد بتعطيل حركة النقل والتجارة عبر الحدود، وإلحاق أضرار بالتجار والعاملين في قطاعات الشحن والأنشطة المرتبطة بالمعابر، كما يثير مخاوف من انتقال الغضب الشعبي إلى مواجهات تستهدف أشخاصاً على أساس جنسيتهم.

وفي سياق متصل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي معلومات عن مشادة كلامية بين أحد عناصر القوة المشتركة ومواطن مصري، قيل إنها اندلعت على خلفية الغضب من قصف المعدّنين السودانيين. كما وردت أنباء عن مقتل مواطنيين مصرين وإصابة آخر في الخرطوم، دون توفر معلومات مستقلة كافية لتأكيد ملابسات الحادثة أو صلتها المباشرة بهجوم شمال الوادي.

وتبرز هذه التطورات مخاطر انتقال الأزمة من المطالبة بالتحقيق والعدالة إلى أعمال عنف إضافية، ما يستدعي حماية المواطنين السودانيين والمصريين، ومنع استهداف الأفراد الذين لم تثبت مسؤوليتهم عن الحادثة.

وتجمع ردود الفعل على ضرورة كشف الحقيقة، لكنها تختلف في طبيعة الجهات التي تحملها المسؤولية، الأمر الذي يجعل التحقيق المستقل ضرورة لتجاوز الاتهامات المتبادلة وتحديد الوقائع استناداً إلى الأدلة. كما تتطلب الأزمة توضيح موقف السلطات السودانية، والكشف عن نتائج أي تحقيق محلي، وبيان الخطوات الدبلوماسية والقانونية التي اتخذتها بشأن الهجوم.

وتضع حادثة شمال الوادي حماية المدنيين في مناطق التعدين والحدود أمام اختبار جديد، في ظل استمرار الحرب وتراجع الخدمات والحماية في مناطق عديدة من البلاد. وبين اتهامات تحالف السودان التأسيسي، وما أورده تحقيق «نيويورك تايمز»، ومطالب نقابة الصحفيين السودانيين وسلطان دارفور، والتصعيد الشعبي في الشمال، تبقى معرفة الحقيقة الكاملة رهينة بتحقيق مستقل وشفاف يكشف ملابسات الهجوم ويحدد المسؤوليات، ويضمن إنصاف أسر الضحايا ومنع تكرار استهداف المدنيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى