في سياق تآكل مؤسسات الدولة المركزية وتراجع قدراتها التنفيذية إثر النزاعات المسلحة، وتزايد الفجوة الهيكلية بين الهامش ومراكز اتخاذ القرار، تبرز الممارسات المجتمعية كبدائل حيوية لاستعادة الحد الأدنى من النظام العام وإدارة الشأن المحلي. تشكل تجربة منطقة المزروب في ولاية شمال كردفان أنموذجاً تحليلياً دالاً على اللامركزية المجتمعية الفاعلة (Substantive Community Decentralization)؛ ليس فقط بوصفها حالة استثنائية للصمود المجتمعي، بل كإطار مفاهيمي يُمكن استثماره لإعادة هيكلة نظم الحكم اللامركزي في السودان لمرحلة ما بعد النزاع.
لقد كشفت وتيرة النزاع الراهن الحدود الوظيفية لنموذج الدولة الممركزة (Centralized State)، مؤكدةً عجز الترتيبات الهيكلية القائمة عن الاستجابة المتكافئة لمتطلبات بلد يتسم بالاتساع الجغرافي والتعددية الاجتماعية المعقدة. ومع تراجع نفوذ المؤسسات الرسمية في الأقاليم، واجهت المجتمعات المحلية استحقاقاً سوسيولوجياً وسياسياً يتعلق بكيفية استدامة الأمن المجتمعي، وإدارة الموارد المحدودة، وحماية الأعيان المدنية، واستمرار الخدمات الأساسية في إطار من الحياد الإيجابي الذي يحول دون الانجراف نحو الاستقطاب العسكري.
تُعد الإدارة الأهلية في الأدبيات السياسية السودانية إحدى آليات الحوكمة غير الرسمية (Informal Governance Mechanisms) المعنية بفض النزاعات وتنظيم العلاقات العرفية. وقد أثبتت أدبيات الحكم المحلي أن المستويات الإدارية الأكثر قرباً من المواطنين تحقق كفاءة أعلى في الاستجابة، نظراً لقدرتها على الوصول المباشر للبيانات المحلية، شريطة تفويض الصلاحيات وتوفير الموارد وآليات المساءلة المتبادلة.
ومع اندلاع الصراع في الخرطوم وتدفق موجات النزوح القسري نحو الولايات ولا سيما خلال أواخر شهر رمضان ومستهل عيد الفطر 2023 أدركت الإدارة الأهلية في المزروب مبكراً أن هذه الأزمة ليست حدثاً عابراً، بل صراعٌ مجهول الأمد في ظل التآكل الكامل لمؤسسات الدولة وغياب أجهزتها التنفيذية والأمنية. وإزاء هذا الفراغ المؤسسي، اتخذت القيادة التاريخية للإدارة الأهلية، ممثلةً في الناظر سليمان جابر جمعة سهل ومعاونيه من العُمَد والأعيان، قراراً استثنائياً بالانتقال من موقف الانتظار السلبي للمركز إلى المبادرة التنفيذية المباشرة.
أرست هذه القيادات الأهلية قواعد متينة لإدارة الأزمات قوامها الموازنة الاستراتيجية؛ مما مكّن المنطقة من التحول إلى شريان تجاري لوجستي وسوق إقليمي محوري يغذّي أقاليم كردفان، ودارفور، والنيل الأبيض، وجبال النوبة بالسلع والخدمات الأساسية والرعاية الطبية، فضلاً عن كونها نقطة عبور آمنة (Transit) للمدنيين.
كما ركّزت المنظومة الأهلية والمجتمعية على معالجة أوضاع الفارين من مناطق النزاع (النازحين داخلياً – IDPs)، والعابرين للمنطقة (عسكريين ومدنيين على حدٍّ سواء)، وإدارة الخدمات الأساسية، ومعالجة الاختلالات الأمنية عبر الاستجابة السريعة، مستندة إلى مبدأ النزاهة والحياد الاستراتيجي؛ مما كرّس الشرعية الإجرائية والأخلاقية لهذه القيادات لدى المجتمع المحلي.
ولتحقيق ذلك، صُمّمت آلية حراسة وطواف مجتمعي جعلت حفظ الأمن مسؤولية تضامنية، درءاً لمخاطر الانفلات الأمني والأنوميا الاجتماعية (Anomie)، إلى جانب تنظيم قطاع الخدمات الأساسية مثل إمدادات المياه، والصحة، وإدارة الأسواق. وتأسست النواة الصلبة للاستقرار في المزروب على التوافق المجتمعي والحياد الاستراتيجي الصارم عبر تطبيق معادلة واضحة:
«المزروب منطقة منزوعة السلاح والتحزب وليست طرفاً في الصراع. من اختار المشاركة العسكرية فعليه الانضمام لمعسكره خارج حدود المدينة؛ أما من أراد العيش مواطناً مدنياً آمنةً حياته فله حق الحماية والمواطنة الكاملة.»
أرسى هذا الموقف فصلاً حاسماً بين حق الفرد في الحماية والمواطنة وبين الاستقطاب العسكري، ومكّن المدينة من معالجة أوضاع النازحين والعابرين بنزاهة وتجرد. ورغم الضغوط الخارجية واستهداف القيادات بالتصفية والترهيب لإحداث فراغ سلطوي، أظهر البناء الاجتماعي الموحد قدرة على الاستجابة الديناميكية عبر آلية الإحلال والتعاقب القيادي (Leadership Succession Mechanism)، بتمكين قيادات الصف الثاني فوراً لسد الفراغ المؤسسي. وواصل الناظر الجديد والعُمَد والأعيان، بالتكامل مع القيادات الشابة، إعمال أدوات التماسك الاجتماعي وإدارة الشأن العام وفق الأطر العرفية المرنة، وبناء أطر الوقاية من النزاعات، وحماية المدنيين، وتنظيم الأسواق؛ وهي وظائف تدخل جوهرياً في نطاق الاختصاصات الحصرية للحكم المحلي.
إن اللامركزية الحقيقية لا تقتصر على مجرد نقل الصلاحيات الإدارية وتفويض السلطات التنفيذية (Delegation & Deconcentration) من العاصمة الاتحادية إلى الولايات والمحليات، بل إن جوهرها يُعنى بتمكين المواطن والمجتمع المحلي من أداء دور أصيل في دورة صنع السياسات العامة (Policy-Making Cycle)، وتحديد الأولويات التنموية، وتطبيق مبدأ المساءلة المجتمعية (Social Accountability).
من هذا المنظور، تطرح تجربة المزروب تساؤلاً تأسيسياً حول التكييف القانوني والسياسي للحكم في السودان: كيف يمكن الانتقال من اللامركزية الشكلية المقيدة بالنصوص التشريعية إلى لامركزية مجتمعية فاعلة تستمد مشروعيتها من رأس المال الاجتماعي المحلي؟
إن التماسك المجتمعي وآليات التنسيق الذاتي التي صقلتها ظروف الحرب تشكل رأسمالاً اجتماعياً (Social Capital) يمكن إعادة هيكلته كبنية أساسية لبناء حكم محلي رشيد في مرحلة ما بعد النزاع. ولا يعني هذا الطرح استبدال مؤسسات الدولة بالأشكال التقليدية للإدارة الأهلية أو خلق أجهزة تنفيذية موازية، بل يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة التفاعلية بين الدولة والمجتمع والإدارة الأهلية وفق مبدأ “التكاملية والفرعية” (Subsidiarity)، وذلك عبر توزيع أدوار واضح:
• الدولة الاتحادية: تضطلع بوضع الأطر الدستورية والقانونية، وضمان حقوق المواطنة المتساوية، وتأمين السياسات المالية العامة، وتوزيع الموارد القومية.
• المستوى المحلي: يتولى تحديد الأولويات، وتنفيذ برامج الخدمات المباشرة، وإدارة التنمية المحلية.
• الإدارة الأهلية ومكونات المجتمع المدني (النساء، الشباب، المهنيون): يشكلون الركيزة الأساسية للوساطة المحلية، وبناء السلم المجتمعي، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وقد أكدت تقارير المنظمات الدولية أن تفاقم النزاع المسلح أدى إلى انهيار المنظومات الخدمية، وموجات نزوح واسعة، وتراجع مؤشرات التنمية في قطاعات الصحة والتعليم والزراعة وسبل العيش، مشيرةً إلى أن إقليم كردفان يمثل إحدى أكثر المناطق تأثراً بالمخاطر الأمنية على المدنيين. وفي هذه البيئة المعقدة، يتجاوز المجتمع المحلي دوره التقليدي كمتلقٍّ للمساعدات (Beneficiary) ليمارس دور الشريك التنفيذي في إدارة الأزمات (Co-Manager of Crises). وتتقاطع هذه التجربة مع نماذج استجابة محلية شهدها السودان، مثل البرامج التنموية الصادرة عن الأمم المتحدة التي اعتمدت على المصالحة بقيادة مجتمعية (Community-Led Reconciliation)، ومبادرات الوساطة الشبابية، وشبكات التمكين الاقتصادي النسوية، لتعزيز المنعة المجتمعية (Community Resilience) والتأسيس للسلام الاجتماعي.
إن التحدي الهيكلي الذي يواجه منطقة المزروب لا يقتصر على الاستجابة المؤقتة لتبعات الحرب، بل يكمن في كيفية الانتقال المؤسسي من الاستجابة للأزمات إلى الحوكمة التنموية المستدامة. يتطلب هذا التحول صياغة نموذج محلي يرتكز على المحاور التالية:
1. مجلس محلي تشاركي متعدد الفئات: ينضوي تحت مظلته ممثلو الإدارة الأهلية، والنساء، والشباب، والتنظيمات المهنية، والتجار، والرعاة، والمزارعون؛ لضمان ديمقراطية القرار ومنع احتكاره.
2. ميثاق اجتماعي محلي (Local Social Contract): وثيقة توافقية ملزمة تُحدد قواعد التعايش السلمي، وآليات حماية الأعيان المدنية، وفض النزاعات العرفية، وتنظيم ملكية وإدارة الموارد الطبيعية، وترسيم الحدود التنظيمية بين السلطات الرسمية والإدارات العرفية.
3. الشفافية والمالية المحلية: بناء أطر محوكمة لحصر الإيرادات والموارد المحلية، وإعمال مبادئ الإفصاح والتخطيط التشاركي للموازنات.
4. أولوية البنية التحتية والخدمات الأساسية: إعادة ترتيب الأولويات نحو قطاعات المياه، والصحة، والتعليم، والأمن الغذائي، والأسواق؛ باعتبارها محددات أساسية للأمن والاستقرار السكاني.
5. الإدماج الاجتماعي للشباب والنساء: إدماج هذه القطاعات الحيوية في هياكل اتخاذ القرار المحلي لضمان العدالة الإجرائية ومنع إنتاج مظالم جديدة.
6. الربط المؤسسي بين المحلي والاتحادي: تأطير العلاقة بين الهياكل المحلية وأجهزة الدولة ولائياً واتحادياً في إطار دستوري يحفظ وحدانية الدولة ويمنح الهياكل المحلية استقلالية وظيفية محددة.
إن طرح تجربة المزروب كأنموذج للحكم اللامركزي لا يُعبر عن نزعة لتفكيك بنية الدولة أو صياغة أطر انفصالية، بل على العكس من ذلك؛ إذ تعتمد اللامركزية الرشيدة على وجود دولة قانون موحدة تتأسس على مبدأ المواطنة المتساوية. وبناءً عليه، يمثل نموذج المزروب درساً في تقوية بنية الدولة من الأسفل (State-Building from Below) بدلاً من إضعافها في الأطراف. فالدولة القوية لا تُقاس بمدى تركيز الصلاحيات في السلطة الاتحادية المركزية، وإنما بمدى امتلاكها لمؤسسات محلية شرعية ومستجيبة، قادرة على توزيع الموارد بعدالة، وحماية الحقوق، وتقديم الخدمات العامة بفعالية.
تتجلى القيمة السياسية والإدارية لتجربة المزروب في كيفية تحويل هذه الممارسة التشغيلية الاستثنائية إلى نموذج مؤسسي مستدام يُستفاد منه في بناء أطر التنمية والعدالة الانتقالية لمرحلة ما بعد النزاع. فالتحول المنشود في السودان لا يقتصر على البعد الفيزيائي لإعادة بناء البنى التحتية المدمّرة، بل يمتد إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهي ثقة لا تتشكل بقرارات فوقية من المركز، بل تنشأ وتترسخ بدءاً من الوحدة الإدارية المحلية، والسوق، والمؤسسة التعليمية، ومجالس الصلح العرفية.
تتحول تجربة منطقة المزروب بشمال كردفان من قصة صمود محلي في مواجهة تداعيات الحرب إلى مدخل لتبني سؤال تأسيسي ينبغي أن يتصدر أجندة الحوار الوطني لمرحلة ما بعد النزاع: هل سيُعيد السودان إنتاج صيغ المركزية القابضة التي أثبتت التجربة التاريخية عجزها عن إدارة التنوع والاتساع الجغرافي، أم يتجه نحو بناء دولة حديثة ومقتدرة تُستمد قوتها من منعة مجتمعاتها ومؤسساتها المحلية؟





