ظللت أتأمل مفهوم الاستقلالية من زوايا متعددة، حتى بدا لي أنه ليس مجرد موقف سياسي أو مساحة للاختلاف، بل هو في جوهره إعلان عن تحرر الإرادة من الوصاية، ورفض لتحويل القناعات إلى صدى لإملاءات الآخرين، سواء أتت من الخصوم أم من الرفاق.
إننا لم نأت إلى هذا المشروع مدفوعين بإرادة مستعارة، ولم نسلك طريقه استجابة لضغط عابر، وإنما قادتنا إليه قناعات تشكلت في وعينا، واستدعتنا إليه إرادتنا، فوجدنا فيه تعبيرا عن تطلعاتنا وأفقا لما نؤمن بإمكان تحقيقه. وقد لا نملك دائما الوقت الكافي لشرح هذه القناعات للصديق قبل الخصم، ولا لإثبات أن مواقفنا ليست وليدة انفعال أو استجابة لتأثير خارجي، غير أن غياب القدرة على التفسير لا يعني غياب المبرر، كما أن العجز عن إقناع الآخرين لا ينفي استقلالية القرار.
إن ما يحركنا في الكتابة والقول والموقف هو تلك الإرادة التي منحتنا أسباب الانتماء إلى هذا المشروع. ولن نتخلى عنه لمجرد اختلاف عابر، أو تحت ضغط الخصومة، أو استجابة لرغبات الآخرين، وإنما يصبح التراجع عنه موقفا مشروعا حين ينحرف قادته عن المبادئ التي تأسس عليها، أو حين تفقد أهدافه صلتها بالأهداف التي وجدنا فيه أنفسنا من أجلها. فالانتماء الذي لا يحتفظ بحق المراجعة يتحول إلى تبعية، والولاء الذي يعطل العقل يصبح صورة أخرى من صور الوصاية.
والمعضلة أن كثيرين يقعون، من حيث لا يشعرون، في فخ الإملاء المباشر أو التأثير غير المباشر، فيستعيرون مواقف غيرهم، ويستبدلون أحكامهم بأحكام المحيطين بهم، ثم يتوهمون أنهم ما زالوا يتحدثون بأصواتهم الخاصة. وهنا تتراجع الذات أمام الجماعة، وتخضع القناعة لسلطة الانتماء، حتى يغدو المرء مستعدا لقول ما لا يؤمن به، لا لشيء سوى أنه يخشى أن يبدو مختلفا عن رفاقه، أو أن يساء فهمه من خصومه.
لذلك، فإن استقلالية الإرادة تقتضي أن يكون كل حرف نكتبه، وكل كلمة ننطق بها، امتدادا لقناعة نتحمل مسؤوليتها، لا استجابة لإملاء أو مكافأة لرضا الآخرين أو خوفا من غضبهم. فالكلمة ليست حدثا عابرا ينتهي بانتهاء لحظة النطق بها، بل فعل له امتداداته وتبعاته، وقد تتحول إلى موقف يحاسب عليه صاحبه، أو شهادة تستدعى منه حين تتغير الظروف وتتبدل موازين المصالح.
ولعل أكثر ما يكشف هشاشة المواقف أن يضطر أصحابها لاحقا إلى اختراع المبررات لما سبق أن كتبوه أو نطقوا به تحت تأثير الآخرين، إذ كثيرا ما يصبح الدفاع عن الكلمة بعد انكشاف حقيقتها أشد قبحا من الكلمة ذاتها، لأن الخطأ الأول قد يكون وليد لحظة، أما الإصرار على تبريره بعد زوال دوافعه فهو اختيار واع لمواصلة الخطأ.
فالاستقلالية ليست أن نعارض الآخرين لمجرد المعارضة، ولا أن نثبت اختلافنا بوصفه غاية في ذاته، وإنما أن نمتلك الشجاعة الكافية لنقول ما نؤمن به، وأن نصمت حين لا تعبر الكلمات عن قناعاتنا، وأن نراجع مواقفنا حين تتغير أسبابها، دون أن نستأذن أحدا في ممارسة حقنا في التفكير.
إن الإرادة التي لا تستطيع مقاومة الإملاء ليست إرادة مستقلة، والقناعة التي تحتاج إلى إذن الجماعة كي تعبر عن نفسها لم تتحرر بعد من الوصاية. وما قيمة أن يمتلك الإنسان لسانه إذا كان ما يقول خيار الاخرين ؟ وما جدوى أن يكتب باسمه، بينما الإرادة التي تقف خلف كلماته ليست إرادته؟
إننا، في نهاية المطاف، لا نحتاج إلى إثبات استقلاليتنا عبر كثرة التبرير، بل عبر اتساق الموقف مع القناعة، وتحمل المسؤولية عن الكلمة، والاحتفاظ بحق الاختلاف حتى داخل المشروع الذي ننتمي إليه. فالمشروع الذي لا يتسع لإرادة أعضائه الحرة يتحول إلى سلطة تطلب الطاعة، لا إلى قضية تستحق الإيمان، والاستقلالية الحقيقية تبدأ حين نكف عن استمداد شرعية مواقفنا من رضا الآخرين، ونستمدها من قدرتنا على الدفاع عنها أمام ضمائرنا أولا.





