رأيفنون ومنوعات

سطوة الشاشة وخديعة “الترند” 

شيخ الدين محمد علي

في إحدى الأمسيات الهادئة، وقف الأب أحمد، ابن الستين ربيعاً، يتأمل ابنه الشاب “حسن” صاحب العشرين عاماً

كان “حسن” جالساً في زاوية الغرفة، عيناه مسمرتان في شاشة الهاتف الذكي، وابتسامة باهتة تعلو محياه وهو يمرر إصبعه بسرعة جنونية على مقاطع فيديو لا تتجاوز ثوانٍ معدودة.

حاول أحمد أن يفتح معه حديثاً عابراً عن ذكريات الطفولة وتاريخ العائلة فلم يلقَ سوى إيماءات مقتضبة كأن الابن يعيش في عالم موازي لا يسمع فيه سوى صخب التمرير اللانهائي.

​في ذلك المشهد البسيط يتجسد صدع الأجيال الأعمق في عصرنا المعاصر جيل عاش ببطء وتأمل، وجيل وُلِد في فضاء رقمي تغذي فيه الشاشات عقولهم وتستنزف أوقاتهم وأموالهم.

لقد تحولت تلك الأجهزة الصغيرة في كفوفنا اليوم من مجرد أدوات تسهل الاتصال إلى بيئات ثقافية واجتماعية موازية، تصيغ مفاهيمنا، وتحدد ذائقتنا، وتفرض علينا نسقاً حياتياً يقوم على السرعة والاستهلاك اللحظي.

​لكي نفهم الشاطئ الذي رست عليه سفينتنا اليوم، يجدر بنا أن نستحضر السيرورة التاريخية لهذه الشبكة العنكبوتية نقلا ان موقع ويكيبيديا   فقد بدأت الإنترنت في ستينيات القرن الماضي كمشروع عسكري وبحثي مغلق يُدعى ARPANET، ثم تحولت في التسعينيات مع الويب (1.0) إلى مكتبة رقمية ضخمة للقراءة والمطالعة فقط.

ومع مطلع الألفية الجديدة ولجنا عصر الويب التفاعلي (2.0) الذي منح المستخدم سلطة التعبير وصناعة المحتوى عبر المنتديات ومنصات التواصل الاجتماعي المبكرة غير أن النقلة النوعية الأشرس حدثت مع ظهور موقع التوصل الاجتماعيةومنه تطبيق “تيك توك”

​بدأت حكاية هذا التطبيق من رحم منصة ميوزيكلي عام 2014، والتي كانت تتخذ من مزامنة الشفاه مع المقاطع الموسيقية مادة أساسية للتسلية لكن استحواذ شركة بايت دانس الصينية عليها عام 2017 ودمجها في كيان “تيك توك العالمي، أطلق شرارة جديدة في عالم التكنولوجيا شرارة ارتكزت على الهندسة الذكية لخوارزميات تتنبأ برغبات النفس البشرية وتستغل نقط ضعفها وميلها للإثارة.

​إن خطر هذه المنصات الحديثة لا يكمن فقط في تقنياتها بل في إنجابها لمفهوم الترند ذلك الاعصار الرقمي الذي يجرف الثقافات المحلية ليصبها في قالب العولمة السطحية.

وفي مجتمعنا السوداني المتعدد الأنماط والثقافات أحدثت هذه الموجة خللاً واضحاً في البنية الثقافية إذ جرى اختزال الفنون العريقة والموروث الشفاهي والمفردات الأصيلة في استعراضات خاطفة تلهث خلف إعجاب عابر أو رصيد مالي لقد تراجعت قيمة المعنى لصالح قيمة الانتشار وصار الصخب والابتذال حليفي الصدارة على حساب العمق والأصالة.

​ويتجلى هذا الأثر بوضوح وجلاء عند التوقف عند نموذج إقليم دارفور هذا الإقليم الذي ظل عبر تاريخه مصدراً للقيم الرفيعة كالتكافل، والفروسية والموروثات الشعبية الضاربة في القدم  لقد فرضت ثقافة “الترند” عملية تسليع قاسية لهذه الثقافة العريقة حيث أُفرغت الرقصات والطقوس الدارفورية ذات الرمزية الاجتماعية العميقة من مضامينها الروحية والتاريخية ولُفّت في أغلفة براقة لتُعرض كـ تحديات ترفيهية على شاشات الهواتف مما أدى إلى تشويه الصورة النمطية للمنطقة وتفتيت قيم التضامن والمجالس الأسرية لصالح عزلة الشاشات الفردية.

​وعلى الصعيد الشعبي والكرم الدارفورى يبرز نموذج “الضرا” ذلك الفناء أو المكان الجامع الذي يجتمع فيه الأهل والجيران لتناول وجبة العشاء تحت سماء دارفور المفتوحة

لم تكن الضرا  مجرد مساحة طعام، بل كانت برلمانًا شعبيًا ومؤسسة أهلية متكاملة للتشاور، وحل النزاعات  ومد جسور التكافل بين الاهل  في هذا الفضاء الحميم كان الصغير يتعلم آداب الإنصات وحكمة الكبار، وتُدار نقاشات الهم العام، وتُحل الخلافات البينية قبل أن تتفاقم تتحول الي ساحات الشاشات

​

​لقد أدت هيمنة الشاشات الذكية ومنصات التواصل وثقافة الترند الفردية إلى تصدع هذه الروابط الحية وتراجع التواصل البشري المباشر حلت العزلة الرقمية محل مجالس البروش والمسامرات تحت الظلال ودفء “الضرا”، مما أسهم في تراجع مهارات التواصل الحقيقي وإضعاف الذكاء الاجتماعي الجماعي الذي كان يحمي النسيج المجتمعي وعندما يفقد المجتمع مجالسه الواقعية يفرغ التضامن من معناه العملي ليتحول التكافل من ممارسة حية يومية إلى شعارات افتراضية عابرة تاركاً الأفراد في حالة من الاغتراب النفسي والاجتماعي.

​إن إنقاذ الهوية لا يعني التخلف عن مواكبة العصر، بل يقتضي بناء حركة توثيق رقمية رصينة تقودها المجتمعات المحلية بنفسها لتقديم تراثها بلغته الحقيقية وإعادة الاعتبار للمضمون الإنساني والاجتماعي لمؤسساتنا التقليدية وترسيخ الوعي النقدي لدى الأجيال الجديدة للفرق بين الاستهلاك السلبي للمحتوى وبين اعتزاز فاعل يحمي الذاكرة من التلاشي.

​إن هذا التحول الثقافي والاجتماعي ليس خطأً عفوياً ، بل هو صناعة خوارزمية دقيقة تعتمد على ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه”

تُصمم هذه الآلات البرمجية بعناية فائقة لإثارة مشاعر الغضب، أو الاستفزاز، أو الفضول لدى المستخدم، وذلك لإبقائه أسير المنصة لأطول فترة ممكنة إن الخوارزميات هي التي تخلق “الترند”، وتحدد ما نراه، وتصنع مجتمعات الاستقطاب الرقمي  التي تحجب عنا رؤية الواقع بالحجم الحقيقي.

​إننا بحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، إلى التسلح بـ “الوعي الرقمي” والنقد الذاتي  إن الحفاظ على هويتنا وثقافتنا السودانية، وتراث إقليم دارفور وشتى بقاع السودان، وتجسير الفجوة بين الآباء كـ “أحمد” والأبناء كـ “حسن”، لا يعني الانغلاق عن التكنولوجيا، بل يعني رفض أن نكون مجرد بيادق في شطرنج الخوارزميات؛ فنسترد زمام الانتباه، ونميز بين ما هو أصيل يغذي العقل والروح، وبين ما هو فقاعة عابرة تُدعى “الترند”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى