ثقافةرأي

شيخ الدين محمد علي يكتب : زلزال “الترند” ماذا بقي من قيم دارفور الأصيلة

​لم يعد تطبيق “تيك توك” بنظري مجرد مساحة افتراضية عابرة لمشاركة المقاطع الترفيهية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر المحركات لظاهرة العولمة الرقمية، ومؤثراً متغلغلاً في تفاصيل وجداننا وحياتنا اليومية.

وبفضل خوارزمياته الفائقة وسرعة انتشار مقاطعه القصيرة، أصبح التطبيق بمثابة “قوة ناعمة” خفية تعيد صياغة الوعي الجماعي وتفرض أنماطاً جديدة من السلوك لا تراعي خصوصية المجتمعات.

​تكتسب هذه الظاهرة في رأيي أبعاداً أكثر قسوة وعمقاً عند إسقاطها على واقعنا في السودان، وبشكل خاص في إقليم دارفور؛ حيث تقاطع الطوفان الرقمي مع جراح الحرب، النزوح، والشتات.

وهنا يبرز التساؤل الملحّ: هل يمثل “تيك توك” نافذة للتمكين ونشر أصالتنا، أم أنه معول هدمٍ يذوب خصوصيتنا ويستبدل منظومتنا القيمية العريقة بـ “هوية ترند” استهلاكية وعابرة؟

​حين نتأمل خوارزميات التوصية (For You Page)، ندرك أنها لا تعمل لمجرد الإمتاع، بل لتوجيه الاهتمامات وتوحيد الذوق العام؛ إذ تفرض على صناع المحتوى السودانيين والدارفوريين الانخراط في “ترندات” عالمية ليحصلوا على القبول والمشاهدات، مما يحول السلوك الاجتماعي التلقائي إلى استعراض مكرر ومصطنع.

​هذا الاستعراض يقودنا مباشرة إلى خطر الاستعمار الرقمي الناعم وتذويب الخصوصيات فعلى مستوى اللغة، أرى بوضوح كيف تراجعت المفردات والمصطلحات المحلية الأصيلة لتحل محلها لغة هجينة مستمدة من مقاطع الفيديو السريعة.

والأدهى من ذلك هو “تسطيح الفلكلور والتراث”؛ فحين تتحول رقصات وإيقاعات دارفور العريقة (مثل المردوم والجراري) أو تقاليدنا الرمزية إلى مجرد خلفيات صوتية لتحديات عابرة تفتقر للعمق، فإننا نفقد أرواح تلك الممارسات لصالح حصد “الإعجابات”.

​وما يثير القلق الأكبر في السياق الدارفوري هو التأثير المباشر على منظومة القيم المحلية لقد عُرف المجتمع الدارفوري عبر تاريخه بخصال التكافل، الصبر، احترام الكبار، والتماسك المجتمعي والقبلي المتوازن.

غير أن حمى البث المباشر تيك تيك وصراع الشهرة الافتراضية قد أفرزا قيماً جديدة قائمة على الاستعراض المادي، والتسابق المحموم نحو الأرباح السريعة، بل وتحويل غرف البث في كثير من الأحيان إلى ساحات لتغذية النعرات القبلية ونشر خطاب الكراهية واستغلال مآسي النزوح لتحقيق مشاهدات رخيصة، مما ضرب في عمق الروابط الأخلاقية والاجتماعية التي كانت تحمي النسيج الدارفوري في أوقات المحن.

​لكن، في المقابل، لا يمكنني إغفال الوجه الآخر للمشهد؛ فبسبب واقع الحرب والشتات القاسي، صار “تيك توك” طوق نجاة افتراضي يربط شتات العائلات الدارفورية والسودانية الموزعة في مخيمات اللجوء ومختلف أصقاع العالم، بحثاً عن المفقودين أو توثيقاً لتفاصيل الوطن كما استغل بعض الشباب المنصة بذكاء لإبراز جمال التنوع الثقافي الدارفوري، وعرض الأزياء والتقاليد بطريقة تحفظ شيئاً من الحنين والكرامة في وجه الاقتلاع.

​خلاصة القول إن “تيك توك” بالنسبة لنا في دارفور والسودان سلاح ذو حدين، وربما كان حده الجارح أثقل إننا بحاجة عاجلة إلى وعي مجتمعي وثقافي يدرك خطورة انزلاق قيمنا الأصيلة في ماكينة “الترندات”، ليظل التراث والوجدان الدارفوري حصناً نيراً لا هباءً طائراً في فضاء العولمة الرقمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى