أخبار

الغلاء يطحن السودانيين

هل اقتربت ثورة الجياع..؟

الخرطوم – الجماهير

لم يعد السؤال في السودان: ماذا نأكل اليوم؟ بل: هل نستطيع أن نأكل غداً؟. فمع انهيار القدرة الشرائية وتصاعد أسعار السلع الأساسية، تتحول الوجبة اليومية إلى معركة مفتوحة، بينما يواصل الجنيه السوداني فقدان قيمته تحت وطأة الحرب وتداعياتها الاقتصادية.

وتقول يسرا حسين (28 عاماً) لـ ” الجماهير”، وهي ربة منزل، بحيرة وغضب: «من يدفع ثمن الزيادات المتواصلة في أسعار السلع؟ نحن من يدفع ثمن الوضع الراهن». وتضيف أن الحديث عن سعر جديد للخبز أصبح متكرراً ومخيفاً: «اليوم يقولون إن سعر الرغيف 500 جنيه، وغداً 1000 جنيه، ولا ندري بعده كم ستصبح تكلفة الوجبة الواحدة لأسرة صغيرة».

وتزامن ذلك مع ارتفاع حاد في أسعار عدد من السلع الأساسية، بالتزامن مع تراجع قيمة الجنيه السوداني، إذ بلغ سعر الدولار نحو 9 آلاف جنيه، فيما أعلن اتحاد أصحاب المخابز عن زيادة جديدة في أسعار الدقيق، تمهيداً لرفع سعر قطعة الخبز إلى 500 جنيه.

لكن الغلاء لم يعد مجرد أرقام في الأسواق؛ بل أصبح حاضراً داخل المنازل، حتى في تفاصيل الطعام التي كانت تبدو بسيطة.

في مشهد تختصر تفاصيل حجم الأزمة، في فيديو قصير تداول في منصات التواصل الاجتماعي سقط من طفل صغير إناء يحتوي على كمية محدودة من حبوب الذرة، فما كان من شقيقه الأكبر إلا أن وبخه قائلاً: «لماذا أسقطت الإناء يا سليمان؟ ألا تدري أن الذرة أصبحت غالية ولا يمكن تعويض ما انسكب على الأرض؟». بكى الطفل، بينما كشفت العبارة عن خوف يتجاوز قيمة الحبوب المسكوبة إلى الخوف من الجوع نفسه.

ومع استمرار الحرب، يجد ملايين السودانيين أنفسهم بين النزوح والفقر والبطالة وانهيار الدخل، في وقت تتقلص فيه قدرتهم على توفير الحد الأدنى من الغذاء.

ويقول المواطن محمد الفاتح لـ ” الجماهير” إن معاناة السودانيين وصلت إلى مرحلة لم تعد تحتمل الصمت، معلناً كسر حاجز الخوف والتعبير عن موقفه الرافض لاستمرار الحرب، رغم مخاوف الملاحقة الأمنية.

ويضيف: «كنت أتخوف من إعلان موقفي الرافض للحرب خوفاً من اتهامي بالتعاون مع الدعم السريع أو دعم قحت، لكنني الآن أطالب الشعب السوداني بالخروج إلى الشارع والمطالبة بوقف الحرب».

ويصف محمد الوضع المعيشي بأنه «أقسى من الخوف»، قائلاً: «السجن أهون من الحياة خارجه في السودان». ويضيف أن استمرار الحرب يعني، بالنسبة له، استمرار العجز عن توفير الطعام: «اليوم أصبحت وجبة الفول بـ10 آلاف جنيه. كيف يمكنني تلبية احتياجات أسرتي، وأنا منذ شهور أكابد لتوفير وجبة فول بألفي جنيه؟».

ولا يقتصر الضغط على الفول والخبز، إذ ارتفع سعر جوال الذرة منخفض الجودة إلى نحو 750 ألف جنيه في بعض الولايات المنتجة، فيما أفاد مواطنون في كردفان بارتفاع سعر أردب الدخن في غرب كردفان إلى نحو مليار و900 مليون جنيه، بواقع 33 ألف جنيه للملوة غير المطحونة.

ويزيد ارتفاع أسعار الحبوب في مناطق الإنتاج نفسها من خطورة المشهد، إذ لم تعد مناطق الإنتاج بمنأى عن موجة الغلاء، ما يهدد بتحويل الغذاء من سلعة مرتفعة الثمن إلى سلعة يصعب الحصول عليها أصلاً.

ويحذر الخبير الاقتصادي د. الحاج إبراهيم من أن المواطن السوداني وصل إلى «مرحلة لا يمكن احتمالها»، في ظل غياب حلول إسعافية واستراتيجية للحد من الارتفاع المتسارع في الأسعار، بالتزامن مع استمرار القتال وتمسك أطراف الحرب بمواقفها الرافضة لوقف إطلاق النار.

ويقول الحاج إبراهيم لـ«الجماهير» إن المرحلة المقبلة قد تكون «مرحلة ثورة الجياع»، محذراً من أن تفاقم الأوضاع المعيشية يمكن أن يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى.

ويضيف أن الدولة عجزت عن معالجة الأزمة، في ظل غياب الأدوات الأساسية لأي تدخل اقتصادي فعال، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي والأمني.

وفي مدن شمال ووسط وشرق السودان، تتواصل خلال أكتوبر 2026 موجة ارتفاع أسعار السلع، وسط ضغوط تضخمية متزايدة. ويعزو متعاملون ومواطنون جانباً من الأزمة إلى تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، إلى جانب تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف النقل بين الولايات.

وبينما تتسع الفجوة بين دخول المواطنين وأسعار الغذاء، يبدو أن الحرب لم تعد تستهلك أرواح السودانيين وبيوتهم وحدها؛ بل بدأت تلتهم قدرتهم على البقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى