قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
صدق الله العظيم.
حين غزا الحاكم التركي لمصر، محمد علي باشا، السودان واستعمره عام 1821م، كان ابنه إسماعيل باشا قائدًا لجيوشه، وقد قُتل في أرض الجعليين. وكان جنود ذلك الجيش من المصريين، الذين شاركوا في تقتيل السودانيين خلال حملة الدفتردار الانتقامية، التي قُتل فيها آلاف السودانيين.
وحين استعمر محمد علي باشا السودان، كان منفذو حكمه من المصريين، الذين مارسوا أبشع صنوف الاضطهاد والتعذيب والظلم والقتل طوال فترة الحكم التركي المصري للسودان، من عام 1821م إلى عام 1885م. فهل كانوا يشعرون، آنذاك، بأنهم أشقاء لنا؟ لقد استطاعت الثورة المهدية، على ما شابها من قصور، طرد الأتراك وأتباعهم من المصريين من أرض السودان.
المصريون في خدمة الاستعمار البريطاني
حين قامت حركة عرابي في مصر ضد الأتراك، استنجد الخديوي توفيق بالإنجليز، فهزموا عرابي في معركة التل الكبير في سبتمبر 1882م، وفرضوا وصايتهم على مصر.
وحين فكر الإنجليز في استعمار السودان، رأوا ألا يرسلوا أعدادًا كبيرة من المواطنين البريطانيين، وأن يستفيدوا من المصريين بوصفهم عاملين تحت سلطتهم في إدارة السودان. فعقدوا معهم اتفاقية الحكم الثنائي في 19 يناير 1899م.
وهكذا جاء المصريون إلينا مرة أخرى أعوانًا للمستعمر. فهل كانوا يعتبروننا أشقاء لهم؟
وعلى الرغم من أن ثلثي النيل كان يجري، آنذاك، في الأراضي السودانية، فإن المصريين أوعزوا إلى الإنجليز بمنحهم النصيب الأكبر من مياه النيل. فعُقدت اتفاقية عام 1929م، التي مثّل فيها المستعمر الإنجليزي السودان، ومُنحت مصر بموجبها حصة قدرها 55.5 مليار متر مكعب، مقابل 18.5 مليار متر مكعب للسودان.
عبد الناصر وأطماع الوحدة مع مصر
حين قامت ثورة 23 يوليو 1952م في مصر، فرح بها السودانيون، إذ ظنوا أن مصر الخديوية هي التي كانت تؤذيهم، وأن نظام الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر سيعاملهم بوصفهم أشقاء.
ساند السودانيون عبد الناصر ووقفوا معه في حربه مع إسرائيل، لكن عبد الناصر، بحسب الكاتب، كان أكثر تمسكًا بأطماع الهيمنة على السودان. فقد خطط لإخضاعه لمصر، وحاول احتواء الحراك السياسي السوداني المناهض للاستعمار، وتبنّى دعم الأحزاب السودانية التي كانت تدعو إلى الوحدة مع مصر، مثل الحزب الوطني الاتحادي، وحزب وحدة وادي النيل، وجماعة الأشقاء؛ لتعلن تبعية السودان لمصر بمجرد انتهاء فترة الانتداب البريطاني.
غير أن توحّد السودانيين خلف مطلب الاستقلال التام اضطر السيد إسماعيل الأزهري إلى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان في يناير 1956م.
وفي عام 1958م، دخلت القوات المصرية منطقة حلايب ورفعت العلم المصري عليها. وفي 20 فبراير 1958م، أصدر السيد عبد الله خليل، رئيس الوزراء، أوامره إلى الجيش السوداني بضرب القوة المصرية وإعلان الحرب على مصر إذا لم تنسحب من حلايب.
وفي 21 فبراير 1958م، أعلنت الحكومة المصرية انسحابها من المنطقة، وأخذت الإذاعة المصرية تردد الأغنية: «نحن أشقاء أبونا النيل»!
حلفا ومياه النيل: من يدفع ثمن المصالح المصرية؟
على الرغم من ذلك، ظل عبد الناصر يتدخل في الشأن السوداني. وحين أنشأ السد العالي، أقنع نظام عبود العسكري بضرورة إغراق منطقة حلفا بمياه السد.
وهكذا رُحّل أهالي حلفا إلى منطقة خشم القربة في شرق السودان، وغمرت المياه آلاف أشجار النخيل ومئات الآثار النوبية العريقة والنادرة. أما التعويضات التي دفعتها الحكومة المصرية، فلم تكن، بحسب الكاتب، كافية حتى لتغطية رسوم الترحيل.
خرج السودانيون في مظاهرات احتجاجًا على التفريط في حلفا بثمن بخس، وتعرضوا للضرب والاعتقال على يد حكومة عبود. وكان هذا التفريط، ضمن عوامل أخرى، من أسباب الإطاحة بالحكومة في ثورة أكتوبر الشعبية عام 1964م.
وظلت الحكومات الوطنية السودانية، وفق رؤية الكاتب، ضعيفة أمام الأطماع المصرية، حتى جاء انقلاب الإخوان المسلمين في يونيو 1989م، واتفق النظام السوداني مع الإخوان المسلمين في مصر على الإطاحة بنظام حسني مبارك وتوحيد البلدين تحت حكم إسلامي واحد.
وكانت الخطة أن يغتال نظام البشير الرئيس حسني مبارك أثناء زيارته لإثيوبيا في 26 يونيو 1995م، لكن المحاولة فشلت، ووُجه الاتهام إلى نظام البشير.
خاف إخوان السودان، وخضعوا لما يريده نظام مبارك، الذي استغل ضعف حكومة البشير واحتل حلايب مجددًا، وأضاف إليها شلاتين وأبو رماد. ولم تستطع حكومة البشير، بحسب الكاتب، حتى مجرد تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة.
بل بلغ التملق، وفق المقال، حد أن صرّح علي كرتي بأن على المصريين القدوم للإقامة في شمال السودان، بسبب قلة عدد سكان الولاية الشمالية ومعاناة مصر من الانفجار السكاني.
ثورة ديسمبر تكشف ممارسات التجارة والنهب
لم يتعرف السودانيون على حجم ما يصفه الكاتب بخيانة نظام الإخوان المسلمين وتواطئه مع الأطماع المصرية إلا بعد اندلاع ثورة ديسمبر 2018م.
فقد أوقف الشباب الثوار في «ترس الشمال» شاحنات مصرية عديدة كانت تنقل المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية السودانية بكميات ضخمة، وفي عجلة وصفها الكاتب بالمريبة، دون اعتمادات بنكية أو تخليص جمركي رسمي.
وبسؤال السائقين، علم الشباب أنهم يشترون البضائع السودانية بالعملة المحلية بدلًا من العملة الصعبة. وحين فحصوا الجنيهات السودانية التي يحملها المصريون، وجدوا، بحسب رواية المقال، أنها عملات مزورة. وعندما سُئلوا عنها، قيل إنها تُطبع في القاهرة.
وبذلك، يخلص الكاتب إلى أن الثروات السودانية كانت تُنهب بعملة مزورة، لا تُشترى بها البضائع شراءً مشروعًا. فهل هؤلاء أشقاء لنا؟
وحين انتبهت حكومة الثورة إلى هذه الممارسات، تحدث الدكتور عبد الله حمدوك عن ضرورة مرور التجارة بين البلدين عبر القنوات الرسمية وبالعملة الصعبة، كما دعا إلى إنشاء صناعات تحويلية داخل السودان للاستفادة من القيمة المضافة بدلًا من تصدير المواد الخام.
ويرى الكاتب أن مصر أوعزت إلى الجناح العسكري بالانقلاب على الحكومة الانتقالية، ووعدته بالتأييد. فجاء انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021م، طالبًا المساعدة المصرية، التي يقول المقال إن القاهرة قدمتها له.
فهل من يقف مع الانقلاب ضد ثورة الشعب شقيق للشعب السوداني أم عدو له؟
الحرب واستهداف المدنيين ومحنة اللاجئين
حين أشعل البرهان الحرب، بهدف إعادة الإخوان المسلمين إلى السلطة، وقفت مصر معه، بحسب الكاتب. ويضيف المقال أن الطيران المصري ضرب مواطنين سودانيين ومصانع ومنشآت وجسورًا، قبل أن تتفق القاهرة مع حكومة البرهان على عقود لإعادة إعمار ما دُمّر.
وحين فرّ السودانيون الأبرياء من جحيم الحرب إلى مصر، لم يجد بعضهم، وفق المقال، المعاملة التي يتوقعونها من الأشقاء؛ بل واجهوا، بحسب الكاتب، الكراهية والإساءة والاستغلال، من خلال رفع الإيجارات ورسوم التأشيرة الأمنية، على الرغم مما يشير إليه المقال من حصول مصر على ملايين الدولارات من الأمم المتحدة لغرض إيواء اللاجئين السودانيين ورعايتهم.
ثم، حين هُزمت كتائب الإخوان المسلمين أمام قوات الدعم السريع، رغم ما يصفه الكاتب بالدعم الجوي المصري وتدفق السلاح الإيراني والتركي ومشاركة جنود من التقراي، قدم المصريون خدمة أخرى لحلفائهم، وفق رواية المقال، تمثلت في الترحيل القسري والعنيف للمواطنين السودانيين.
ويشير الكاتب إلى وقوع اعتقالات وضرب وإساءات، وإلى وفاة مواطنين سودانيين داخل السجون المصرية. ويرى أن هذه الإجراءات استهدفت دفع العائدين، الفارين من جحيم الحرب، إلى أن يصبحوا قسرًا وقودًا جديدًا لها.
فهل هؤلاء أشقاء لنا؟
استهداف المعدّنين السودانيين: نقطة فاصلة
أما أحدث الجرائم التي يتهم المقال الحكومة المصرية بارتكابها، فهي قصف المعدّنين السودانيين بالطيران، ومطاردتهم بالعربات المصفحة، ثم الاستيلاء على الصخور المستخرجة من المناجم ونقلها بالشاحنات إلى داخل الأراضي المصرية لمواصلة التعدين عليها هناك.
إن قتل مواطنين سودانيين أبرياء بدم بارد، كما يصفه الكاتب، يمثل الحد الفاصل الذي رسم به المصريون، بأيديهم، مستقبل العلاقات السودانية المصرية بعد زوال نظام البرهان المتهالك.
فلن يقبل الشعب السوداني، وفق المقال، صلف المصريين وتجبرهم، ولن يعتبرهم أشقاء، ولن يغفر لهم جرائمهم الماضية والحاضرة.
ولن يتقبل الشعب السوداني الإخوان المسلمين، الذين لم يكن رد فعلهم، بحسب الكاتب، إلا الخور والانبطاح؛ وهو جبن لا يشبه الشعب السوداني، وإن كان، في رأيه، يشبه الإخوان المسلمين ويعبّر عنهم تمامًا.
من العدو الداخلي إلى العدو الخارجي
لقد أظهرت هذه الحوادث، في تقدير الكاتب، أن العدو الداخلي للسودانيين هو الإخوان المسلمون، الذين يطمعون في الاستيلاء على الحكم، وأن العدو الخارجي هو مصر، التي تريد استعمار السودان واستغلال موارده وإخضاعه لتبعية سياسية واقتصادية، تحقيقًا لما يصفه المقال بحلم الخديوية القديم.
فقل لهؤلاء وهؤلاء: إن سعيكم خاسر، ومكركم بائر، وكيدكم كيد الخائبين.





