في لوحة الثالث من مايو 1808 للأسباني (فرانسيسكو دي غويا)، تظهر مجموعة من الأهالي الأسبان العزل في مواجهة الموت. كانوا في كامل الخوف والعجز أمام كتيبة الإعدام المكونة من جنود فرنسيين، يقفون غير بعيد منهم ويطلقون عليهم النار. وكان الضحايا في حالة من اليأس، حين تيقنوا من انعدام الرحمة والملاذ، يطالعون جثث رفاقهم الملقاة على الأرض أمام ناظريهم مضرجة بالدماء، تنبئهم بما ينتظرهم من مصير.
كان الإسبان في (مدريد) قد تمردوا على الجيش الفرنسي بقيادة (نابليون)، ورفضوا طاعته في الثاني من مايو لذات العام، ورداً على ذلك، أطلق الفرنسيون النار على العديد من المدنيين الأسبان بعد اتهامهم بالتمرد. فرسم (غويا) مشهداً يجسد إحدى عمليات الإعدام في تلك الليلة، وكانت الحادثة إيذاناً ببداية ما عرف بحرب الاستقلال الإسبانية.
على يمين اللوحة تقف مجموعة من الجنود هم فرقة الإعدام بعباءات رمادية، ولا تظهر وجوههم في اللوحة، بينما يقف على اليسار رجال على وشك الموت. بعضهم برؤوس منخفضة، بينما يغطي آخرون وجوههم. وفي مركز اللوحة البصري يرفع الرجل ذو القميص الأبيض ذراعيه في مواجهة الجنود وعيناه مفتوحتان، ووجهه مشدود. إنه لا يواجه الموت بصمت، بل يبدو كأنه يناشد العالم أن يراه، أو يطلب من قاتليه أن يتراجعوا.
الجثث الملقاة على الأرض في اللوحة تجعل الموت واقعاً حدث بالفعل، لا تهديداً مستقبلياً فحسب. بعض الأشخاص الذين نراهم ينتظرون دورهم، يقفون على مقربة من جثث من سبقوهم. بينما يوحي الصف الممتد للضحايا بأن المأساة لا تخص فردًا واحدًا، بل تتكرر مع أشخاص آخرين ينتظرون المصير نفسه.
لكن من كان يصدق أن يتجلى الشعور بالخذلان والتخلي عند الضحايا في لوحة (غويا)، ليظهر في وجوه شبان سودانيين خرجوا لكسب الرزق المُضني والحلال من خلال العمل في التعدين التقليدي للذهب شمال البلاد، عرفوا قبل لحظات من موتهم أنهم كانوا يفتقدون – وبشدة – للحماية، وإن حقهم في الحياة لم يكن يوماً مصاناً إلا على مستوى التوهم.
ولتسأل الناجين من مجزرة شمال الوادي الثالثة عن السيادة والوطنية والكرامة، وهم يرون قيادة الجيش بين أمرين لا ثالث لهما، فإما أنها غير قادرة على حماية أراضيها ومواطنيها، وإما أنها غير راغبة في رد العدوان، وسط أنباء وشواهد وقرائن أحوال عن اتفاق (سوداني – مصري) على ارتكاب المجزرة، وبعلم قائد الجيش.
أسقطت المجزرة ورقة التوت التي كانت تستر عورة الجيش المسيس، ونسفت كل ما أقام عليه حربه من أكاذيب، ابتدأها بـ(كرامة) يعلنها المطلوب للجنائية المجرم الهارب أحمد هارون، ولا يعني بها سوى كرامة الحركة الإسلامية التي مرغت ثورة ديسمبر أنفها في التراب، وانتهت إلى قصف الطيران الأجنبي للمواطنين العزل في البلاد، دون خشية العاقبة.
صمت المتشدقون بالسيادة الوطنية من خلال الغرف الإخوانية الإعلامية وكأن على رؤوسهم الطير، بل مضوا لأبعد من ذلك. قال أحدهم إن هؤلاء مهاجرين من النيجر وليسوا سودانيين، دون أن يبين السبب الذي أدى لقتلهم إن لم يكن يظن أن دماء بعض الجنسيات مهدرة ومبذولة مجاناً للقتلة، وقالت إحداهن أن الحادثة وقعت داخل الحدود المصرية قبل أن تستنكر الاعتداء مجبرة، وبدافع من الضغط الجماعي على منصة الفيسبوك.
أصدرت خارجية البرهان بياناً شديد اللهجة تدين فيه الاعتداء (الحوثي) على المملكة العربية السعودية، بينما الحصيلة الأولية لضحايا مجزرة الطيران المصري في العقيدات تتجاوز المئتي قتيل! ونشر مجلس سيادة البرهان صوراً له بمعية السفير المصري الجديد، يتسلم أوراق اعتماده بالتزامن مع الحدث، ثم أخرجوا بياناً قالوا فيه أنهم سـ(يحققون) في ما سموه بـ(الحادثة).
وعلى الرغم من الشواهد على الاتفاق على الهجوم بين البرهان والقاهرة، والتنسيق التام بينهما، وتحسبهما لما بعد الهجوم (خاصة على الصعيد الإعلامي)، فقد مُنيت الحركة الإسلامية وجيشها الخائن لبلاده بهزيمة ساحقة، فأدان السودانيون من مختلف المواقع والانحيازات الحادثة، وتركوا أصوات الإخوان نشازاً فإذا هم قلة قليلة، قضت مضجع الملايين، وأعملت شرها في شعب لطالما استعاذ بالله من الشرور.
وكشفت المذبحة عن إمكانية توحد السودانيين، وعن وجود ما يجمعهم على عكس ما كانوا يظنون. واحتفى عدد كبير من السودانيين ببيان إدانة العدوان الصادر عن (حكومة السلام)، وبينهم من يختلف معها بالكلية. وأبدى البعض من معسكر نيالا إعجابه ببيان الحزب الشيوعي، واتفق عدد من (الناشطين الأعداء) على وسائط التواصل على رفض العدوان واستنكار عدم الرد. وأنت تنظر فلا ترى سوي التنظيم الشيطاني ينفخ في نار حرب أدرك الدعاة لاستمرارها حجم ما هم فيه من غفلة، أيقظتهم منا اشلاء الشباب السودانيين في منجم العقيدات المحتل.
لقد كانت مذبحة الطيران المصري في العقيدات استفتاءً واضحاً أسفر عن سقوط الحركة الإسلامية المدوي في امتحان الأخلاق والانسانية والضمير، وكشف أمر جيشها الزيف والذي يأتمر بأمر الأجنبي، ويتواطأ معه على قتل الأبرياء.
سقطتم ورب الكعبة وليس لسقوطكم من قاع، انجلت حقيقتكم وانكشف أمر عمالتكم ورخصكم، وهوان الأرض والعرض عليكم. لا نصر لجيش ختم عليه شعبه بختم الدياثة، وشهدت عليها دماء شاب بترت أطرافه داخل وطنه من قبل طيران متواطئ مع الخونة، دون أن يعلم السبب، ولا الثمن، ولا المفر.
تقول دروس التاريخ أن الحق أبلج، وتقول دروس الأمس القريب أن البرهان الذي كان يبحث عن مواكب لتأييده رئيساً على طريقة السيسي، يلعق حذاء الرئيس المصري في صور مولدة بالذكاء الاصطناعي انتشرت بكثافة على وسائط التواصل الاجتماعي، وإن انكشاف أمر صفقات الذهب الدامية التي يعقدها قيادات الحركة الإسلامية مع المخابرات المصرية، أعلنت إسدال السدار على ما عرف بمسرحية بورتسودان، والتي امتدت لسنوات.





