رأي

شباب التأسيس.. لا تجعلوا الحرب توقف مشروع التغيير

بقلم: محمد أبوجود أبوه رئيس تيار الوحدة الوطنية

إلى شباب التأسيس…

أكتب إليكم اليوم ليس باعتباركم مجرد شباب ينتمون إلى تنظيم سياسي، وإنما باعتباركم جيلاً اختار أن يكون جزءاً من مشروع تأسيسي كبير، مشروع يتجاوز الأشخاص والظروف والمرحلة الراهنة، ويستهدف إعادة صياغة مستقبل السودان على أسس جديدة.

نحن ندرك جميعاً أن الحرب فرضت واقعاً استثنائياً على البلاد، وغيّرت شكل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأجبرت كثيراً من أبناء شعبنا على النزوح والهجرة والبحث عن سبل النجاة.

لكن علينا أن نميز بين واقع الحرب المؤقت وبين مشروع التغيير الذي نريد أن نصنع به المستقبل.

الحرب يمكن أن تؤجل بعض خطواتنا، لكنها لا يجب أن تلغي رؤيتنا.

ومن هنا أقول لشباب التأسيس بوضوح:

المطلوب منكم الآن ليس الانتظار، وإنما الاستمرار.

استمرار العمل، واستمرار التواصل، واستمرار بناء القدرات، واستمرار خدمة المجتمع، واستمرار التمسك بالمشروع السياسي الذي اخترنا أن نكون جزءاً منه.

إن المشاريع السياسية الكبرى لا تُقاس بقدرتها على العمل في أوقات الاستقرار فقط؛ وإنما تُختبر قدرتها على الحفاظ على تماسكها ورؤيتها في أصعب الظروف.

ولذلك أرى أن أمام شباب التأسيس مجموعة من المسؤوليات الأساسية.

أولاً: الصبر على مشروع التغيير

علينا أن نواصل العمل حتى يكتمل مشروع التغيير الكبير.

التأسيس ليس بياناً سياسياً، وليس توقيعاً على ميثاق، وليس احتفالاً بإعلان تحالف أو بداية مرحلة.

التأسيس مسؤولية تاريخية.

وما وقعناه من مواثيق وما طرحناه من رؤى يجب أن يتحول إلى عمل سياسي وتنظيمي واجتماعي مستمر.

قد تتغير الظروف، وقد تتبدل المواقع، وقد تتعقد الطريق، لكن هذا لا يعني أن نتخلى عن المشروع عند أول اختبار.

ثانياً: لا تجعلوا الظروف المؤقتة تصنع مستقبلكم

نحن نعرف أن الحرب فرضت على كثير من الشباب البحث عن عمل ومصدر دخل بسبب تردي الأوضاع المعيشية و زيادة حجم الالتزام الاجتماعي .

لكنني أدعو شباب التأسيس إلى ألا يسمحوا للوظائف المؤقتة والظروف الطارئة بأن تجعلهم يتخلون عن مشروعهم الأكبر.
فالوظيفة قد تكون مؤقتة، أما المشروع السياسي الذي نؤمن به فيجب أن يكون ممتداً إيفاءا لمسؤوليتنا تجاه دماء الشهداء و مستقبل الأجيال القادمة.

ثالثاً: وضوح الرؤية واستمرار التواصل

لا يمكن لأي مشروع تأسيسي أن ينجح إذا انقطعت قنوات التواصل بين قيادته وقواعده.

نحتاج إلى أن يكون شباب التأسيس على اتصال دائم بقيادتهم، وأن تكون القيادة بدورها قريبة من الشباب، تسمعهم وتشرح لهم وتناقشهم.

الاختلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى قطيعة، والنقد لا يجب أن يتحول إلى خصومة.

نحن نبني مشروعاً سياسياً، والسياسة تحتاج إلى الحوار والانضباط والوضوح.

ولهذا يجب أن تبقى قنوات التواصل مفتوحة، وأن يعرف كل شاب أين يقف المشروع، وإلى أين يتجه، وما المطلوب منه في المرحلة الحالية.

رابعاً: العمل الإنساني والمدني جزء من العمل السياسي

يجب ألا ننظر إلى العمل الإنساني والمدني باعتباره نشاطاً منفصلاً عن السياسة.

في المجتمعات التي أنهكتها الحرب، يصبح الوقوف إلى جانب المواطن جزءاً من مسؤولية المشروع السياسي.

مساعدة الناس، دعم النازحين، المساهمة في التعليم والصحة، تنظيم المبادرات المجتمعية، والمشاركة في معالجة آثار الحرب؛ كلها أعمال تبني الثقة بين المشروع السياسي والمجتمع.

السياسة التي لا تشعر بآلام الناس ولا تخدمهم تفقد معناها.

خامساً: شباب التأسيس يجب أن يكونوا أصحاب المبادرة

لا أريد من شبابنا أن ينتظروا دائماً توجيهاً من القيادة.

أريد منهم أن يبادروا.

في المجتمع المدني، في الإعلام، في التعليم والتأهيل، في المبادرات الشبابية، وفي كل مساحة يمكن أن نقدم فيها شيئاً للسودان.

إذا وجدتم فراغاً، املأوه.

إذا وجدتم مشكلة، اقترحوا حلاً.

إذا رأيتم فرصة، استثمروها.

إذا كان هناك مجتمع يحتاج إلى مبادرة، كونوا أول من يبدأ.

فالقيادة الحقيقية لا تُمنح للشخص لأنه يحمل لقباً تنظيمياً؛ القيادة تُكتسب بالعمل والمبادرة وتحمل المسؤولية.

سادساً: بناء القدرات هو استثمارنا الحقيقي

قد نخسر الكثير بسبب الحرب، لكن لا ينبغي أن نخسر أهم ما نملك: العقول.

ولهذا يجب أن يصبح بناء القدرات مشروعاً دائماً لشباب التأسيس.

تعلموا السياسة، والإدارة، والإعلام، والاقتصاد، والقانون، والتفاوض، وإدارة المؤسسات، والعمل المدني، والتكنولوجيا.

تعلموا في مجموعات، وتعلموا بصورة فردية، وتبادلوا الخبرات فيما بينكم.

قد لا نستطيع اليوم بناء كل المؤسسات التي نريدها، لكننا نستطيع أن نبني الإنسان الذي سيبني تلك المؤسسات غداً.

وهنا يجب أن نتذكر تجارب الشعوب التي مرت بحروب مدمرة.

اليابان بعد الحرب العالمية الثانية لم تبدأ نهضتها لأنها كانت تملك ظروفاً مثالية، وإنما لأنها امتلكت إرادة إعادة البناء، واستثمرت بصورة واسعة في الإنسان والتعليم والإنتاج.

وألمانيا خرجت من الحرب إلى واقع مدمر، لكنها استطاعت عبر المؤسسات والعمل والإنتاج وإعادة بناء الدولة والمجتمع أن تتحول خلال عقود إلى قوة اقتصادية كبرى.

ورواندا تقدم تجربة مختلفة، لكنها تؤكد أيضاً أن المجتمعات التي تمر بالكوارث الوطنية تستطيع، عبر إعادة بناء مؤسساتها والاستثمار في الإنسان والعمل على المصالحة والتنمية، أن تبدأ مساراً جديداً.

والسودان ليس أقل قدرة على النهوض.

لكن النهوض لا يبدأ يوم تنتهي الحرب.

النهوض يبدأ من الآن.

وهذا هو جوهر رسالتي إلى شباب التأسيس:

لا تسمحوا للحرب أن تعيدكم إلى نقطة الصفر.

لا تسمحوا للظروف أن تشتتكم.

لا تجعلوا الوظيفة المؤقتة بديلاً عن المشروع.

لا تجعلوا الخلافات العابرة تهزم الهدف الكبير.

ولا تنتظروا دائماً أن يأتي أحد ليخبركم ماذا تفعلون.

كونوا أنتم أصحاب المبادرة.

إن تيار الوحدة الوطنية لم يُبنَ ليكون مجرد اسم في المشهد السياسي، وإنما ليكون جزءاً من مشروع وطني أكبر، ومشروع التغيير الذي نؤمن به لن يكتمل بالقيادات وحدها.

سيكتمل بكم.

بمعرفتكم.

بانضباطكم.

بقدرتكم على العمل.

وبإيمانكم بأن السودان الذي نحلم به لن يمنحه لنا أحد.

علينا أن نبنيه نحن.

وشباب التأسيس هم رأس الرمح في هذه المهمة.

قد لا نعرف متى تنتهي الحرب، لكننا نعرف شيئاً واحداً:

عندما تنتهي الحرب، سيبدأ السؤال الأصعب: من يملك القدرة على بناء السودان الجديد؟

وأنا أريد أن يكون جوابنا واضحاً:

نحن الذين بدأنا التأسيس اليوم، ونحن الذين صبرنا على المشروع، ونحن الذين بنينا أنفسنا ومجتمعنا، ونحن الذين سنكون مستعدين لحظة فتح صفحة السودان الجديد.

هذه ليست مرحلة انتظار.

هذه مرحلة إعداد.

وهذا ليس وقت التراجع.

هذا وقت تثبيت المشروع.

وهذا ليس وقت أن يبحث كل واحد منا عن خلاصه الفردي.

هذا وقت أن نربط مستقبلنا الفردي بمستقبل وطننا.

إلى شباب التأسيس:

اصبروا، تعلموا، نظموا صفوفكم، حافظوا على تواصلكم، اخدموا مجتمعكم، طوروا قدراتكم، وابادروا.

فالتاريخ لا يذكر الأجيال التي انتظرت الظروف المناسبة.

التاريخ يذكر الأجيال التي صنعت الظروف المناسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى