حين لا تكون الحرب رصاصة بل «انطفاءً يومياً للحياة»*
*اطلالة جديدة، غائرة المدى بين الآلام والأشجان…*
اليوم سأطل عليكم من جديد، إطلالة تعتصر الالم وتخفي الوجع…
إطلالة جديدة، لكنني هذه المرة لم آتِ لأسأل: من انتصر؟ ولا من خسر؟
ولا إلى أين تمضي الحرب؟
بل أتيت لأقف قليلاً بعيداً عن صوت البنادق، ولننظر إلى ما يحدث في الجانب الآخر من المشهد…
إلى الأشياء التي لا تموت مرة واحدة. الأشياء التي تموت كل يوم قليلاً.
هناك حرب أخرى تجري في السودان. حرب لا يسمع الناس دويها. لكنها تأكل الحياة من أطرافها بصمت.
ولهذا، ربما آن لنا أن نسأل السؤال الذي لا نلتفت إليه ونحن نحدق في أخبار المعارك:
هل يموت السودان فقط حين يُقتل أبناؤه؟
أم أن هناك سوداناً آخر يموت كل يوم… ببطء؟
هناك موتٌ يُسمع، وموتٌ لا يُسمع.
الأول رصاصة، أو قذيفة، أو طائرة مسيّرة تنهي حياةً في لحظة.
فيُكتب اسمها في نشرة الأخبار وتُحصى في عداد الضحايا.
أما الثاني، فلا صوت له، ولا نشرة تُخصص له، ولا رقماً واحداً يختصره:
إنه الماء الذي ينقطع.
والضوء الذي يُطفأ.
والمدرسة التي تُغلق.
والمستشفى الذي يعجز.
والسوق الذي لا يعود قادراً على إطعام الناس.
والوظيفة التي تختفي.
والجنيه الذي يفقد معناه يوماً بعد يوم.
والثقة التي تتآكل من القلب دون أن يسمع أحد صوت سقوطها.
هذا المقال لن يتحدث عن السودان الذي يُقتل بالرصاص، فذلك موضوعٌ كتبنا فيه عدة مقالات سابقة وسيكتب فيه غيرنا.
هذا المقال عن السودان الذي يموت ببطء.
دون أن يسمع أحد صوت موته.
لأن الانطفاء التدريجي لا يصنع عناوين،
لكنه يصنع أوطاناً منهكة تماماً حين تسكت المدافع أخيراً.
*الموت الذي لا يظهر في نشرات الأخبار*
*الرصاصة تقتل في لحظة…*
لكن انهيار الحياة يقتل كل يوم قليلاً.
هذه ليست عبارة شعرية نريد أن نضعها في مقدمة مقال ثم نمضي.
*إنها، في ظني، مفتاح لفهم جانب آخر من المأساة السودانية.*
فالحرب ليست فقط دبابة تتحرك، أو طائرة تقصف، أو رصاصة تخترق جسداً.
الحرب قد تكون أيضاً ثلاجة توقفت عن العمل.
وقد تكون مخبزاً لم يعد يستطيع الإنتاج.
وقد تكون مضخة مياه صمتت.
وقد تكون مدرسة أغلقت أبوابها.
وقد تكون مريضاً وصل إلى المستشفى في الوقت الخطأ… حين لم يعد المستشفى قادراً على تقديم ما يحتاجه.
وقد تكون موظفاً استيقظ ذات صباح ولم يعد يعرف إن كان راتبه سيأتي أم لا.
وقد تكون أسرة كاملة بدأت تتعامل مع الغد باعتباره احتمالاً، لا موعداً.
وهنا تكمن خطورة هذا النوع من الموت.
فالإنسان الذي تصيبه رصاصة يعرف أين بدأت المأساة.
أما حين تنطفئ الحياة بالتدريج، فقد لا ينتبه أحد إلى اللحظة التي بدأت فيها الأشياء الصغيرة تتحول إلى كارثة كبيرة.
قد يتقبل الإنسان انقطاع الكهرباء يوماً.
ثم يتقبل انقطاع الماء.
ثم يتقبل ارتفاع الأسعار.
ثم يتقبل غياب المدرسة.
ثم يتقبل تأخر العلاج.
ثم يتقبل الخوف.
ثم، وهذه هي اللحظة الأخطر، يتقبل كل ذلك باعتباره طبيعياً.
وهنا لا تكون الحرب قد دمرت مدينة فقط.
بل تكون قد بدأت بتغيير الإنسان نفسه.
*حين تنطفئ الكهرباء… لا ينطفئ الضوء وحده*
نحن أحياناً ننظر إلى الكهرباء باعتبارها خدمة من خدمات الدولة.
مصباح يضيء.
مروحة تدور.
هاتف يُشحن.
ثم تنتهي الحكاية.
لكن الكهرباء في الحياة الحديثة ليست رفاهية.
إنها شريان.
وحين ينقطع الشريان، لا يتوقف عضو واحد فقط.
تتوقف أشياء كثيرة معه.
تخيّل بيتاً تُطفأ فيه الكهرباء لا لساعة، بل لعشرين ساعة يومياً من أصل أربع وعشرين!
هذا ليس تخيلاً.
بل واقع مأساوي يعيشه اليوم *أكثر من 70% من مدن السودان ومناطقه* في إظلام شبه كامل.
مع خسائر مباشرة *تجاوزت في قطاع الكهرباء وحده 3 مليارات دولار* منذ اندلاع الحرب.
تتوقف الورشة.
يتعطل المصنع.
تتوقف ماكينة الطحن.
تتأثر المخابز.
تتعطل الثلاجات.
تتوقف مضخات المياه.
تضعف الاتصالات.
يتراجع الإنترنت.
يتعطل العمل من المنزل.
يتأثر المستشفى.
ويجد صاحب المتجر نفسه مضطراً إلى التخلص من بعض البضائع التي لا تحتمل ساعات طويلة من دون تبريد.
وحين ينطفئ الضوء، لا ينطفئ المصباح وحده؛
تنطفئ معه ثلاجة الدواء في الصيدلية والأدوية المحفوظة بالتبريد.
وثلاجة العصير عند البائع الذي يخفّض كمية شرائه اليومية خشية أن يتلف بضاعته.
وجهاز الأشعة الذي ينتظره طفلٌ عمره سبع سنوات في مستشفى بأم درمان فتعود به أمه إلى المنزل خالية الوفاض بعد ثلاث ساعات انتظار.
وينطفئ معه حقل الفلاح بالولاية الشمالية والجزيرة حين تتعطل مضخات الري الزراعي وتذبل المحاصيل في صمت.
وهكذا يبدأ الأثر من مفتاح كهرباء صغير…
ثم يمتد إلى باب متجر…
ثم إلى دخل أسرة…
ثم إلى سوق…
ثم إلى اقتصاد مدينة.
حين تنطفئ الكهرباء في بلد يعيش حرباً، لا ينطفئ الضوء وحده…
بل ينطفئ معه جزء من الاقتصاد والكرامة.
وربما لا يشعر المواطن بهذا الانطفاء في اللحظة نفسها.
فهو قد يجلس في الظلام ويقول:
«ستنقطع وتعود».
لكنها حين لا تعود، يبدأ حساب آخر.
كم ستخسر الورشة؟
كم سيخسر التاجر؟
كم سيتلف من الطعام؟
كم ستتأخر معاملة؟
كم سيتعطل جهاز؟
كم ساعة سيضيعها الطالب؟
وكم يوماً يحتاج النشاط الذي توقف إلى أن يعود إلى دورته الطبيعية؟
الحرب لا تضرب الاقتصاد دائماً من خلال قرار اقتصادي.
أحياناً يكفي أن تطفئ الكهرباء.
*الماء… حين تعطش مدينة على ضفتي النهر*
ثم يأتي الماء.
ذلك الشيء الذي كان يدخل إلى بيوتنا دون أن نفكر كثيراً في قصته.
نفتح الصنبور…
فنجد الماء.
لكن ماذا يحدث حين لا نجد الماء؟
هنا تتغير الحياة كلها.
وهذه أقسى المفارقات:
أن تعطش مدينةٌ يمر النيل في وسطها!
لكن هذا بالضبط ما يحدث اليوم في الخرطوم.
حيث *تعطلت 12 محطة رئيسية لإنتاج وتوزيع المياه من أصل 13 محطة بالولاية.*
فلم يبقَ سوى محطة واحدة تحاول سدّ عطش العاصمة.
في أحياء بشرق النيل، لم تعد المياه تصل عبر الشبكات.
بل عبر صهاريج يتبرع بها من يقدر.
بينما تعتمد أحياء أخرى على آبار محلية تعطلت مضخاتها لانقطاع الكهرباء.
فاضطر السكان إلى تشغيلها بالطاقة الشمسية إن توفرت.
وفي **الأبيض**، بلغ سعر برميل الماء **25 ألف جنيه**.
ومشى الناس مسافات طويلة على أقدامهم بحثاً عن قطرة ماء.
بعدما فشلت السلطات في تشغيل محطات المياه والكهرباء معاً.
وفي القضارف، تحوّل الحصول على الماء إلى معاناة يومية تُقضى في طوابير أمام صهاريج التوزيع.
تصبح الأم منشغلة بالسؤال عن مصدر الماء.
وتصبح الأسرة مطالبة بتدبير ما يكفيها ليوم أو يومين.
ويبدأ الناس في الانتظار.
انتظار العربة.
انتظار الصهريج.
انتظار المضخة.
انتظار عودة الكهرباء.
انتظار الطريق الذي قد يكون آمناً أو غير آمن.
*الماء في النهاية ليس مجرد ماء.*
إنه غذاء ونظافة ودواء وصحة وكرامة.
والمريض يحتاج إلى الماء.
والمستشفى يحتاج إلى الماء.
والمدرسة تحتاج إلى الماء.
والمخبز يحتاج إلى الماء.
والمطعم يحتاج إلى الماء.
والأسرة تحتاج إلى الماء.
*ولهذا فإن الحرب قد تصنع أزمة مياه حتى من دون أن تدمر بئراً واحدة.*
قد تتعطل الكهرباء… فتتوقف المضخة.
وقد يتعطل الطريق… فيتعذر نقل المياه.
وقد يتعذر توفير الوقود… وقد تتوقف الصيانة.
وقد يصبح الوصول إلى مصدر المياه نفسه خطراً.
*وهكذا يختفي الماء من الحياة بطريقة لا تشبه صورة الدمار التي نعرفها.*
لا جدار يسقط… ولا قنبلة تنفجر… لكن الناس ينتظرون الماء.
والأخطر أن غياب الماء النظيف لا يعني العطش وحده.
بل يفتح الباب أمام تفشي **الكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه**، في بلد يشهد أصلاً موجات متكررة من هذا الوباء.
حين يعطش الإنسان، فإنه لا يفقد رطوبة جسده فقط، بل يفقد إحساسه بأن دولته قادرة على أبسط ما تدين به له:
*قطرة ماء نظيفة. وهذا هو الموت البطيء.*
*المستشفى الذي لا يموت… لكنه لا يستطيع إنقاذك*
ولعل أكثر الأماكن التي تكشف لنا الوجه الآخر للحرب هو المستشفى.
فنحن نعرف المأساة حين نرى مستشفى مدمراً.
لكن هناك مأساة أخرى أكثر هدوءاً…
مستشفى ما زال واقفاً.
أبوابه موجودة.
وأطباؤه موجودون.
وممرضوه موجودون.
لكن شيئاً ما ينقص.
دواء.
مستلزم.
كهرباء.
ماء.
وقود.
جهاز لا يعمل.
غرفة لا يمكن تشغيلها.
أو طريق يمنع المريض من الوصول.
قالت منظمة *أطباء بلا حدود*، قبل أيام فقط (في الثامن من سبتمبر).
إن النظام الصحي في السودان بات *«على شفا الانهيار الكامل»*؛
إذ أصبحت *37% من المرافق الصحية خارج الخدمة بالكامل.*
وسُجل *217 هجوماً موثقاً على المنشآت الطبية* خلّفت أكثر من *2000 قتيل* بين مرضى وأطباء وممرضين.
فضلاً عن دمار أعداد لا تحصى من المستشفيات، التي خرجت عن الخدمة نهائياً.
وحين يُغلق الجدار الأخير بين المريض والموت.
لا يموت من يُصاب برصاصة فقط.
بل يموت من يحتاج غسيل كلى.
ومن يحتاج لقاحاً لطفله.
ومن يحتاج جراحة بسيطة كانت تُجرى بالأمس في نصف ساعة.
أكثر من *4 ملايين شخص يواجهون اليوم خطر سوء التغذية الحاد.*
وعادت أمراضٌ كنا نظنها في ذمة الماضي – الحصبة، شلل الأطفال، الكوليرا – لتفتك من جديد.
لأن الجدار الذي كان يحمي الإنسان من هذه الأوبئة تصدّع ولم يعد يحميه.
*وهنا يصبح السؤال موجعاً:*
ماذا يحدث للمريض الذي يصل إلى مستشفى في لحظة لا يستطيع فيها المستشفى أن يقدم له ما يحتاجه؟
ماذا يحدث للطبيب الذي يقف أمام مريض يعرف كيف يعالجه، لكنه لا يملك الوسيلة؟
ماذا يحدث للمرأة التي تحتاج إلى ولادة آمنة؟
ماذا يحدث لطفل يحتاج إلى علاج بسيط قبل أن يتحول المرض الصغير إلى خطر كبير؟
وماذا يحدث للمريض المزمن الذي لا يستطيع أن يختار توقيت مرضه وفقاً لظروف الحرب؟
أحياناً لا تكون المأساة أن يموت المستشفى…
*بل أن يبقى واقفاً، بينما يعجز عن إنقاذ من يقف على بابه.*
وهذه من أقسى صور الحرب.
*أن يكون العلاج قريباً… لكن الوصول إليه يصبح بعيداً.*
*هذا هو الموت البطيء في أقسى تجلياته:*
لا رصاصة تخترق الجسد.
*بل غيابٌ يخترق كل ما كان يحمي الجسد من الرصاصة الصامتة للمرض.*
*المدرسة التي أغلقت بابها… وفتحت باباً للمستقبل المفقود*
والطفل؟
ماذا عن الطفل الذي لم يعد يذهب إلى المدرسة؟
قد يبدو الأمر بسيطاً في البداية.
عام دراسي تأجل.
مدرسة أغلقت.
دروس توقفت.
ثم نقول لأنفسنا:
*«ستنتهي الحرب… ويعود الأطفال إلى مدارسهم».*
لكن الطفل لا يعيش في المستقبل.
الطفل يعيش اليوم.
اليوم الذي لم يذهب فيه إلى المدرسة.
اليوم الذي لم يجلس فيه مع زملائه.
اليوم الذي لم يسمع فيه صوت معلمه.
اليوم الذي لم يحمل فيه حقيبته.
اليوم الذي لم يكتب فيه واجبه.
في السودان اليوم، ملايين الأطفال – *بين 8 و19 مليون طفل وشاب بحسب التقديرات والتقارير الرسمية* – خارج المدرسة تماماً.
أكثر من *10,400 مدرسة أغلقت أبوابها*، وفي شمال دارفور توقفت *97% من المدارس بالكامل*.
**وفي سبعة عشر مخيماً للنازحين لا توجد مدرسة واحدة تعمل بصورة رسمية.**
وثّقت الأمم المتحدة سبعة وستين هجوماً على مدارس.
ومئة وأربعاً وخمسين حالة استخدام عسكري لمرافق تعليمية.
أي أن المدرسة التي كانت يوماً مكاناً لصناعة الإنسان، صارت اليوم إما ركاماً أو ثكنة.
قدّرت اليونيسف *الخسارة الاقتصادية مدى الحياة لهذا الجيل المحروم من التعليم بـ 26 مليار دولار.*
لكن الرقم الأفدح لا يُقاس بالدولار:
*طفلٌ عمره عشر سنوات لا يملك ذكرى واحدة عن مقعد دراسي، لن يعرف أبداً ماذا كان يعني أن يُخطئ في الإملاء ويصححه له معلم، أو أن يشارك في طابور الصباح أو في مسرحية مدرسية، أو أن يحلم بمهنة بينما يجلس في فصل.*
ومع مرور الوقت، لا يفقد الطفل درساً فقط.
يفقد روتيناً.
يفقد أصدقاء.
يفقد بيئة اجتماعية.
يفقد إحساسه الطبيعي بالزمن.
فالطفولة نفسها لها إيقاع.
صباح المدرسة.
العودة إلى البيت.
الواجب.
اللعب.
العطلة.
بداية عام جديد.
ثم يأتي عام آخر… ثم عام ثالث…
وفجأة قد يصبح الانقطاع المؤقت عن المدرسة هو الطفولة نفسها.
ماذا يحدث عندما يصبح الانقطاع المؤقت عن المدرسة هو الطفولة؟
*هذا سؤال لا ينبغي أن نؤجله إلى ما بعد الحرب.*
لأن السنوات التي تضيع من الطفل لا تعود إليه بالطريقة نفسها.
*هذا الفراغ لن يملأه لا الدولار ولا الزمن؛ فبعض الطفولة، إذا فاتت، لا تعود.*
*أين المرأة السودانية من المشهد*
وفي قلب هذا الموت البطيء تقف المرأة السودانية، وهي تحمل من الحياة أكثر مما يظهر في المشهد.
حين ينقطع الماء، تبحث عنه.
وحين تنطفئ الكهرباء، تدبر يومها.
وحين تغلق المدرسة، تحاول أن تحفظ لأطفالها شيئاً من معنى الدراسة.
وحين يختفي الدخل، تعيد ترتيب البيت حول القليل.
وحين تنزح الأسرة، تحمل معها الأطفال وما تستطيع حمله من بيتها وحياتها.
لهذا فإن الحرب لا تضع المرأة دائماً في مقدمة مشهد الضحايا…
بل تضعها كثيراً في مقدمة مشهد الذين يحاولون إبقاء الحياة واقفة.
والمفارقة أن قدرتها على الصمود قد تخفي حجم ما تتحمله.
فالمرأة التي استطاعت أن تدبر يومها بالقليل.
قد لا يراها أحد وهي تدفع من عمرها وصحتها وأمانها ثمن استمرار ذلك اليوم.
*السوق الذي لم يعد سوقاً… والمزارع الذي لم يعد يزرع*
ثم نأتي إلى السوق.
فالسوق ليس مجرد مكان للبيع والشراء.
إنه مرآة الاقتصاد الحقيقي.
حين يتراجع السوق، لا يتراجع التاجر وحده.
تتراجع معه قدرة الأسرة على الشراء.
وقد يستطيع التاجر شراءها، لكنه لا يجد من يستطيع شراءها منه.
وهكذا تتراجع حركة البيع والشراء.
ويبدأ السوق في فقدان وظيفته الطبيعية.
يكفي أن تنظر إلى وجه البائع… وإلى وجه المشتري.
هناك شيء انكسر بينهما.
ثم نخرج من السوق إلى الحقل.
فالمزارع لا يزرع الأرض فقط.
إنه يزرع الموسم.
والموسم له موعد.
والماء له موعد.
والوقود له موعد.
والطريق له موعد.
والحصاد له موعد.
حين تعطل الحرب واحداً من هذه الأشياء، لا تتوقف مزرعة واحدة فقط؛
قد يضيع موسم كامل.
وضياع الموسم يعني دخلاً ضائعاً.
والدخل الضائع يعني أسرة أكثر هشاشة.
والأسرة التي تقل قدرتها على الشراء تؤثر في السوق.
والسوق المتراجع يؤثر في التاجر.
والتاجر المتراجع يؤثر في العامل.
*وهكذا تتحول مشكلة بدأت في الحقل إلى مشكلة في المدينة.*
لهذا فإن الأمن الغذائي ليس ملفاً منفصلاً عن حياة المواطن.
إنه جزء من راتبه، ومن مائدته، ومن قدرته على الاستمرار.
حين يتوقف المزارع عن الزراعة، لا تتوقف الأرض وحدها… بل يتأخر معها غدٌ كامل.
*الوظيفة التي اختفت… والعملة التي فقدت معناها*
وربما أكثر الأشياء التي تغير حياة الإنسان من الداخل هي فقدان العمل.
الموظف، العامل، المعلم، السائق، المحاسب، المهندس، صاحب الورشة، البائع، الحرفي…
قد لا يكون أي واحد منهم مقاتلاً، وقد لا يسمع صوت المعركة إلا من بعيد.
لكن الحرب قد تدخل بيته في صورة أخرى:
راتب توقف، مشروع أغلق، مصنع تعطل، زبائن اختفوا، سوق انكمش.
وهنا لا يفقد الإنسان المال فقط؛ يفقد شيئاً أكثر عمقاً:
يفقد قدرته على التخطيط.
كان يعرف أن نهاية الشهر لها معنى؛
يعرف ما سيدفعه، وما سيدخره، وما سيشتريه، وما سيتركه للشهر القادم.
*أما حين يصبح الدخل مجهولاً، يصبح الغد نفسه مجهولاً.*
حين يفقد الإنسان وظيفته، لا يفقد راتبه فقط؛
يفقد جزءاً من إحساسه بأن الغد يمكن التخطيط له.
وهذه خسارة لا تظهر دائماً في أرقام البطالة التي *تجاوزت 55% من القوى العاملة*؛
لأن الرقم لا يستطيع أن يخبرنا ماذا يعني أن يجلس أب أمام أطفاله وهو لا يعرف كيف سيؤمن احتياجاتهم غداً.
*والجنيه السوداني…*
هل تذكرون يا أصدقائي، عندما كتبت مقالا، ذكرت فيه ان الجنيه السوداني كان يوازي ثلاث دولارات؟
اليوم، *تجاوز الدولار الواحد ثلاثة آلاف وتسعمئة جنيه، وهو لا يزال يتغير كل يوم.*
بعد أن خسر الجنيه خُمس قيمته خلال ثلاثة أسابيع فقط!
*رقمٌ يتغير كل يوم، وسعرٌ لا يستقر على حال.*
*الورقة النقدية في يد الإنسان ليست مجرد ورقة؛*
هي ساعات من العمل، وهي طعام، وهي مواصلات، وهي دواء، وهي إيجار، وهي تعليم، وهي احتياجات بيت.
لكن المشكلة تبدأ حين يبقى الرقم على الورق… بينما يتغير ما يستطيع هذا الرقم أن يشتريه.
*قد يكون الراتب نفسه… لكن السوق ليس نفسه.*
*وقد يكون المال موجوداً… لكن قدرته على حماية الأسرة تتراجع.*
وهنا تحدث مفارقة قاسية:
أحياناً لا يفقد الإنسان ماله… وإنما يفقد المال قدرته على حمايته.
*وهذا هو معنى التضخم حين يتحول من مصطلح اقتصادي إلى تجربة يومية:*
أن تذهب إلى السوق بما كنت تذهب به بالأمس…
فتعود بأقل مما كنت تعود به.
ليس لأنك أنفقت أكثر، بل لأن المال نفسه أصبح يشتري أقل.
وعنده تبدأ في تآكل قدرة الإنسان على أن يعيش غداً كما عاش اليوم، وفي فقدان الثقة ليس في الأسعار فقط… بل في المستقبل.
*الوثيقة التي أصبحت أثقل من الورق… وتآكل الثقة*
*وهناك شيء آخر لا نتحدث عنه كثيراً: الوثيقة.*
الجواز، شهادة الميلاد، الشهادة الدراسية، الأوراق الرسمية، السجلات، المعاملات.
كل تلك الأشياء الصغيرة التي كانت تبدو لنا أموراً روتينية.
في الدولة الطبيعية، قد يحمل الإنسان وثيقة في جيبه ولا يتذكر أنها موجودة إلا حين يحتاج إليها.
*لكن في الدولة المضطربة، تصبح الوثيقة فجأة ذات وزن آخر.*
إنها تقول: من أنا؟ أين ولدت؟ من والدي؟ أين درست؟ ما مؤهلي؟ أين أعمل؟ هل أستطيع السفر؟ هل أستطيع إثبات حقي؟
وهنا نكتشف أن الدولة ليست فقط مباني ومكاتب وموظفين؛
*الدولة أيضاً هي النظام الذي يجعل الإنسان قادراً على إثبات نفسه وحقوقه.*
وحين تضطرب المؤسسات، لا تتعطل المعاملة فقط؛ قد تتعطل معها علاقة الإنسان بمستقبله.
*لكن كل ما سبق، رغم قسوته، يمكن إصلاحه.*
الكهرباء يمكن أن تعود، والماء يمكن أن يعود، والمدرسة يمكن أن تفتح، والمستشفى يمكن أن يعمل، والمصنع يمكن أن يدور، والسوق يمكن أن ينتعش، والمزرعة يمكن أن تُزرع من جديد.
*لكن هناك شيئاً إذا مات، تصبح إعادة بناء كل شيء أصعب:*
*الثقة.*
*الثقة في الدولة، في السوق، في العملة، في المدرسة، في المستشفى، في المستقبل، وفي الآخر، حتى في الجار.*
حين تتآكل الثقة.
يبدأ الإنسان في بناء حياته على الخوف:
يخزن أكثر مما يحتاج، يهرب من الاستثمار، يتردد في فتح مشروع، يتردد في البناء، يتردد في الزواج، يتردد في شراء بيت، يتردد حتى في التخطيط للشهر القادم.
*لأنه ببساطة لا يعرف ماذا سيحدث.*
وهكذا تصبح الحرب أكبر من مكانها.
قد تنتهي المعركة في شارع… لكن اقتصاد الخوف يبقى في عقل الإنسان.
الحرب لا تحتاج إلى أن تكون أمام باب بيتك حتى تسكن داخله؛ يكفي أن تفقد ثقتك في الغد.
والحرب لا تغير المؤسسات فقط؛
إنها تغير الناس.
*تغير مواعيد نومهم، طريقة سفرهم، طريقة تسوقهم، طريقة تخزين الطعام، طريقة استقبال الضيوف، طريقة الاحتفال، طريقة التواصل، حتى طريقة الكلام.*
السوداني الذي كان يخطط للشهر القادم، أصبح أحياناً يخطط لليوم التالي.
والإنسان الذي كان يخرج من البيت بلا حساب طويل، أصبح يسأل:
هل الطريق آمن؟ هل أعود قبل الليل؟ هل توجد مواصلات؟ هل أجد الوقود؟ هل أستطيع الوصول؟
وهكذا تعيد الحرب برمجة الإنسان من الداخل؛
تعيد برمجة العادات الصغيرة التي كان الإنسان يظن أنها ثابتة إلى الأبد.
والأخطر أن الإنسان، مع مرور الوقت، يتعلم التكيف.
وهذا جيد من جهة… لكنه خطير من جهة أخرى؛
*لأن القدرة على التكيف قد تجعل الإنسان قادراً على العيش في ظروف لا ينبغي أبداً أن تصبح طبيعية!*
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
*السودان الذي ما زال حيّاً… ولن يعتاد الموت*
*لكنني لا أريد لهذا المقال أن يتحول إلى مرثية.*
فالسودان، رغم كل هذا، لم يمت.
*بل ربما تكمن عظمة السودانيين في أنهم يعرفون كيف يصنعون من الأشياء الصغيرة أسباباً للبقاء:*
طبيب يواصل العمل رغم ظروف المستشفى.
وممرض لا يترك مريضه.
ومعلم يجمع الأطفال حيث يستطيع ليقرأ معهم حكايات الأمل.
ومزارع يصر على أن يزرع.
وتاجر يفتح دكانه رغم صعوبة الطريق.
وصاحب ورشة يحاول تشغيل مولده.
وشباب يصنعون مبادرة ويديرون مطابخ التكافل *”التكايا”.*
وجار يرسل وجبة إلى جاره.
وأسرة تفتح بيتها لنازح لا تعرفه.
ومغترب يرسل ما يستطيع إلى أسرته.
وأم تدبر يومها بأقل القليل.
وأب يحاول أن يجعل أبناءه يضحكون رغم كل شيء.
*هذه التفاصيل الصغيرة هي التي أبقت السودان واقفاً.*
وقد لا تظهر في الأخبار؛ لأن الأخبار تبحث عادة عن الحدث الكبير.
لكن التاريخ الحقيقي للمجتمعات تصنعه أحياناً هذه الأشياء الصغيرة:
*الناس الذين رفضوا أن تتوقف الحياة.*
فالسوداني لم يختر الحرب… لكنه في كثير من الأحيان اختار أن يعيش رغمها.
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً؛
لأن استمرار الحياة وسط الخراب ليس أمراً بسيطاً… إنه مقاومة من نوع آخر.
*ليست مقاومة بالبندقية، بل مقاومة بأن تستيقظ صباحاً وتقرر أن تستمر.*
*الموت البطيء ليس قدراً… ومن يعيد إشعال ما انطفأ؟*
ولهذا فإن الحديث عن السودان بعد الحرب لا يجب أن يبدأ فقط من إعادة بناء ما تهدم؛
*يجب أن يبدأ من إعادة بناء ما تعطلت وظيفته في حياة الإنسان.*
قد تبدأ إعادة الحياة من ماء يصل إلى حي، ومن مدرسة تفتح بابها، ومن مستوصف يعود للعمل، ومن مخبز يستعيد نشاطه، ومن مزرعة تعود إلى الموسم، ومن ورشة تدور آلتها، ومن مصنع يعود إليه العمال، ومن موظف يستعيد وظيفته، ومن طفل يعود إلى مقعده، ومن سوق يستطيع الناس فيه شراء حاجاتهم دون أن يشعروا أن كل زيارة إليه معركة جديدة.
*هذه ليست تفاصيل صغيرة؛ هذه هي إعادة الحياة نفسها.*
*فإذا كان تدمير الحياة يحدث بالتدريج… فإن إعادة الحياة أيضاً يمكن أن تبدأ بالتدريج.*
ولا نحتاج دائماً إلى مشروع عملاق حتى نبدأ؛
قد تبدأ الحياة من شارع آمن، ثم مدرسة، ثم ماء، ثم كهرباء، ثم سوق، ثم عمل، ثم ثقة… ثم يبدأ الإنسان في النظر إلى الأمام من جديد.
*والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: متى تتوقف الحرب؟*
بل: حين تتوقف، هل سيجد من بقي حياً وطناً قادراً على أن يُشغّل الضوء من جديد، ويفتح صنبور الماء، ويستقبل المريض، ويعيد الطفل إلى مقعده؟
لأن أخطر ما في الموت البطيء أنه لا يتوقف تلقائياً بتوقف الحرب.
الكهرباء لا تعود بمجرد صمت المدافع، والمستشفى لا يُعاد بناؤه بتوقيع اتفاق، والمدرسة لا تُفتح أبوابها لمجرد أن القصف انتهى.
*الانطفاء التدريجي يحتاج إشعالاً تدريجياً بالقدر نفسه من الإصرار الذي انطفأ به.*
*ربما تكون أعظم خسائر هذه الحرب تلك التي لا نستطيع عدّها.*
فالبيت الذي تهدم يمكن أن يُبنى، والطريق الذي انقطع يمكن أن يُصلح، والمصنع الذي توقف يمكن أن يدور من جديد، والمدرسة التي أغلقت يمكن أن تفتح أبوابها، وحتّى السوق الذي مات يمكن أن يعود إليه الناس.
*لكن هناك شيئاً أخطر من كل ذلك:*
أن يعتاد الإنسان على غياب الحياة؛
أن يصبح انقطاع الكهرباء طبيعياً، وانقطاع الماء أمراً معتاداً، وإغلاق المدرسة خبراً عابراً، وغياب الطبيب شيئاً متوقعاً، وارتفاع الأسعار قدراً، والخوف أسلوب حياة.
*هذا هو الموت البطيء، والذي هو أخطر من الرصاصة.*
لأن الرصاصة تنهي حياة إنسان…
أما الاعتياد على الخراب فقد يطفئ معنى الحياة في مجتمع كامل.
ولهذا فإن معركتنا بعد الحرب لن تكون فقط أن نعيد ما تهدم؛
*ستكون أن نعيد للسوداني إحساسه بأن الحياة يمكن أن تكون طبيعية من جديد.*
أن يستيقظ صباحاً فلا يكون أول سؤال في رأسه:
هل توجد كهرباء؟ هل يوجد ماء؟ هل الطريق آمن؟ هل المستشفى يعمل؟ هل السوق مفتوح؟ هل راتبي يكفيني؟
بل يعود ليسأل الأسئلة القديمة الجميلة التي سرقتها منه الحرب:
ماذا سأزرع؟ ماذا سأبني؟ أين سيدرس ابني؟ متى أفتح مشروعي؟ ومتى أعود لأجلس مع جاري أمام باب البيت حتى يطول بنا الحديث؟
فالسودان لا يحتاج فقط إلى أن تنتهي الحرب… بل يحتاج إلى أن تعود الحياة.
حياة لا تبدأ من صوت الرصاصة ولا تنتهي عند صوتها.
حياة تستعيد المدرسة، والمستشفى، والسوق، والمزرعة، والمصنع، والبيت، والشارع، والابتسامة…
نعم، السودان يموت ببطء حين تنطفئ الكهرباء، حين يغيب الماء، حين تُغلق المدرسة، وحين يعجز المستشفى.
لكن السودان لا يزال حيّاً في تفاصيل صغيرة تصنعها أيادي أبنائه كل يومٍ.
فالمزارع الذي يصرّ على أن يزرع رغم العطش.
والمعلم الذي يجمع الأطفال ليقرأ معهم في ظل شجرةٍ.
والطبيب الذي يعمل بلا دواء.
والأم التي تدبر يومها بالقليل.
والشباب الذين يديرون مطابخ التكافل.
*كلهم يثبتون أن الحياة أقوى من الموت البطيء.*
إن السودان الذي يموت ببطء هو نفسه السودان الذي يولد من جديدٍ في كل مبادرةٍ، في كل ابتسامةٍ، في كل يدٍ تُمدّ بالعون.
فلنحوّل هذا الموت الصامت إلى بداية حياة جديدةٍ.
ولنكتب معاً تاريخاً يليق بشعبٍ لم ينكسر رغم كل الجراح.
*السودان لا يموت، بل يتعلم كيف ينهض من بين الرماد ليضيء فجراً جديداً لأبنائه.*
*كل ذلك من أجل أن يستعيد الإنسان إيمانه بأن الغد يستحق أن يُخطط له.*
*فالسودان الذي يموت ببطء…*
*يمكن أيضاً أن يعود إلى الحياة ببطء.*
*ولكن علينا أن نبدأ…*
*قبل أن نعتاد موته.*
*وارفعوا ايديكم معانا نتضرع الي الله عز وجل، ونبتهل قائلين:*
*اللهم يا من تحيي الأرض الميتة إذا اهتزت وربت.*
*ويا من ترد الأرواح إلى صدورها إذا بلغت التراقي…*
*اللهم أعد لهذا الوطن صباحه المغصوب.*
*وامسح عن جبين أرضنا غبار المأساة؛*
*أعد لنهرنا العظيم عذوبة الشدو.*
*ولمشافينا الحنونة لمسة الشفاء.*
*ولمدارسنا العطشى صدى ضحكات الصغار، وصوت طابورهم المنتظر…*
*اللهم يا رؤوف يا رحيم.*
*لا تجعل هذا الانطفاء البطيء قدراً محتوماً.*
*ولا نهاية لحكاية أمة شريفة.*
*بل اجعله عتمة المخاض قبل الميلاد.*
*واستراحة صارمة قبل فجر عظيم نعيد فيه صنع الحياة.*
*ونشعل بأيدينا كل قنديل خبت أنواره في ظلام المحنة…*
*إنك ولي ذلك والقادر عليه.*
*يا سميعاً لمن بكى.*
*ويا مجيباً لمن دعا.*
.




