*من جذور النظارة إلى أبواب العدالة*
🔹
*مدخل*
> *”لأنَّ الحرفَ معَكم عيدٌ لا يكتفي باثنينِ العُمر، ونزولاً عندَ رغبةِ القلوبِ التي ما فتئت تطلبُ المزيد.. قررْتُ أن أضاعفَ الوصال، فلا يَقتصرُ لقاؤنا على إشراقةِ كلِّ اثنين، بل يمتدُّ لنَسيمِ الخميسِ أيضاً، تَبَعاً لسُنّةِ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في صيامِ الاثنينِ والخميسِ؛ حيث تُرْفَعُ الأعمالُ إلى ربِّ العباد، أحببتُ أن يُرفعَ عملي في صحيفةِ الكلمةِ الطيبةِ وأنا صائِم، وأن يجمعني بكم لقاءُ الودِّ والمحبةِ على خيرٍ دائم.”*
🔹
في الاثنين الماضي، وقفنا عند ثلاث دقائق غيّرت كل شيء.
وعند الإفادات التي تحدثت عن المسيّرة.
وعند دموعٍ لا تُغني وحدها عن موقف.
وبقي في التقرير ما لا يجوز أن يمرّ عليه القارئ مروراً عابراً.
بقيت الحكاية التي سبقت الحكاية:
لماذا كانت النظارة في قلب هذا المشهد؟
وما الذي صنعه هؤلاء الرجال حتى صارغيابهم زلزالاً في حياة مجتمعهم؟
وبقيت الأسئلة التي ينتظر أهلها أن يُجاب عنها داخل قاعات المحاكم.
فهلمّوا نمضِ في الطريق إلى آخره.
🔹*أولاً: النظارة جذعٌ يحمل السقف*
يعرّف التقرير الإدارة الأهلية في السودان تعريفاً أجمل ما فيه أنه لا يتحدث عن سلطةٍ مجردة.
بل عن عهد.
فهي عهدٌ أخلاقي بين القيادة ومجتمعها.
لم تكتبه محكمة ولم يختمه حاكم.
لكنه يستمد قوته من ثقة الناس.
ومن تاريخٍ طويلٍ من الصلح والوفاء وتحمل المسؤولية.
🔹
وهي تتمدد حين تضعف الدولة.
لتملأ الفراغ خوفاً من الفوضى لا طمعاً في السلطة.
ففي الأزمات الكبرى تصير «جذعاً يحمل السقف حين تتصدع الجدران».
🔹
وهذا ما حدث في المزروب.
فمع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، انهارت مؤسسات الدولة وتصدّعت الجدران.
فنهضت القبيلة وحملت السقف.
أقامت غرفة طوارئ جلس فيها الشيوخ إلى جوار الشباب.
لا ينازع كبيرٌ صغيراً ولا يتعالى صغيرٌ على كبير.
وسيّرت قوافل الشاحنات بإشرافٍ أهلي.
وأقامت مجالس صلحٍ سريعة التسوية تطفئ النار قبل أن تشتعل.
وكوّنت مجالس استشارية للشباب ولجان إنذارٍ مبكر.
وحفظت حيادها.
فنجت القبيلة من الانزلاق إلى الاستقطاب الذي أكل غيرها.
🔹
وانظروا إلى المفارقة المؤلمة:
نموذجٌ أنقذ الناس حين تخلّت عنهم الدولة.
ورتّب الصلح حين عجزت المؤسسات.
وسعى إلى حقن الدماء حين كانت الدماء رخيصة.
ثم انتهى برجاله إلى الموت بالصواريخ في اجتماعٍ قصدوه!
فمن يحمل السقف كي لا يقع على رؤوس الناس…
لا ينبغي أن تُطوى حكايته.
ولا أن يُترك السؤال عن ملابسات غيابه بلا جواب.
🔹
إننا لا نتحدث عن رجالٍ غابوا فحسب.
بل عن مجتمعٍ فقد قياداتٍ كانت تحمل جانباً من أعبائه.
وعن تجربةٍ أهلية تستحق أن تُروى.
وأن تُفهم.
وأن تُفحص ظروف استهدافها حتى تبلغ الحقيقة منتهاها.
🔹*ثانياً: حين تختلط الأنساب بالانتماءات*
ولكي نفهم ما جرى…
لا بدّ أن نقرأ القبيلة في سياقها التاريخي.
يذكّرنا التقرير بأن المجانين كانوا مركز ثقلٍ لحزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي.
وأن أحد أبنائها كان له دورٌ في إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في التاسع عشر من ديسمبر 1955.
فهي قبيلةٌ شاركت في صنع الدولة السودانية الحديثة.
ولم تكن يوماً على هامشها.
🔹
ثم دخلت تيارات الإسلام السياسي بمسمياتها المتعاقبة.
وتوزّع أبناء القبيلة على فروعهم الأحد عشر.
وتعددت الولاءات وتشابكت.
كما حدث في مجتمعات سودانية كثيرة.
🔹
ويشدّد التقرير هنا على أن الغالبية الساحقة من أبناء القبيلة لم تنتمِ إلى ذلك التنظيم.
وهذه حقيقة ينبغي أن تُقال بصوتٍ عالٍ.
وقد أورد، لأغراض التوثيق وحدها، أربعة جداول:
نحو سبعين اسماً من أبناء القبيلة المنتمين إلى التنظيم مع صفاتهم المعروفة.
وثلاثة أسماء من كوادره من غير أبناء القبيلة في المزروب.
وثمانية أسماء هي الأكثر حضوراً في المشهد السياسي والتنظيمي.
وقائمة أولية بسبعة أسماء ممن يُشارإليهم، بحسب ما ورد في متن التقرير، بنقل المعلومات والتحريض والوشاية داخل مجتمعهم.
🔹
*وقد نبّه التقرير صراحةً إلى أن ورود أي اسمٍ في هذه الجداول لا يعدّ حكماً قانونياً ولا إدانةً قضائية.*
🔹
وهذا ما نؤكده هنا بلا مواربة:
فنحن لا نحاكم الانتماء.
ولا نُحاسب أحداً على فكرٍ أو حزبٍ أو تنظيم.
فالسودان كله تنوّع.
والقبيلة الواحدة تتّسع للأحزاب كلها.
لكن للقضاء أن يسأل كل من ورد اسمه في المتن عمّا نُسب إليه من أفعال.
وأن يفحص ما يتصل بذلك من أدلة وقرائن.
فإن ثبتت براءته فله منّا كل التحية وردّ الاعتبار.
وإن ثبتت مسؤوليته عن فعلٍ مجرَّم…
فللعدالة كلمتها.
🔹
فليس بيننا وبين أحدٍ خصومةٌ بسبب اسمه أو نسبه أو انتمائه.
وإنما مطلبنا أن تُكشف الحقيقة.
وأن يُسأل كل شخصٍ عن فعله.
وأن تبقى المسؤولية فرديةً يحددها الدليل والقضاء.
لا الشائعات ولا الأحكام الجماعية.
🔹*ثالثاً: حين يُراد للنظارة أن تُسحب من أهلها*
ثم هناك حلقةٌ لا يجوز أن نغفلها.
فبعد غياب الناظر وقيادات الإدارة الأهلية، ظهرت في الأفق محاولاتٌ لتشكيل كياناتٍ بديلة أو موازية للنظارة.
وقد رصد التقرير اجتماع محلية كرري في الخامس من فبراير 2026.
وما ارتبط به من مساعٍ لتكوين كيانٍ موازٍ للنظارة، بمسمى «تجمع ديار المجانين».
وقد رفع التقرير صورة للاجتماع، وهي صورٌ نشرها أصحاب الشأن انفسهم في الوسائط.
ويوردها التقرير للتوثيق وشرح سياق الوقائع، لا باعتبارها وحدها دليلاً على ارتكاب جريمة.
🔹
ثم جاء اجتماع لجنة الخدمات في الثامن عشر من يونيو 2026، بما تناوله من تمثيلٍ للفروع وتشكيل لجنةٍ مالية.
وقد قرأ التقرير تقاطع بعض الأسماء الواردة في هذه الاجتماعات مع جداول التوثيق قراءةً تحليلية، لا حكماً قضائياً.
🔹
وهناك تحركٌ ثالث لا يقل أهميةً في سياق هذه القضية:
وفدٌ من أبناء القبيلة قابل قيادات جهاز الأمن وطلب صراحةً إزاحة الناظر الحالي محمد سليمان جابر، ابن الناظر الشهيد،عن منصب النظارة، بحسب ما أورده التقرير.
🔹
ويضع التقرير هذا التحرك في سياق الخلاف حول من يمثل القبيلة، ومن يملك قرارها في هذه المرحلة الحساسة.
ويرى أولياء الدم وأهل النظارة في اجتماع كرري، واجتماع لجنة الخدمات، والتحرك الذي استهدف إزاحة الناظر، حلقاتٍ تستحق القراءة معاً.. في إطار ما يعتبرونه سعياً إلى تقويض بيت النظارة وتكوين أجسامٍ موازية له.
🔹
وهذه قراءةٌ لأولياء الدم وللتقرير، ينبغي عرضها بوضوح، مع التمييز بين الوقائع الموثقة وتفسيرها، وبين الخلاف حول التمثيل وإثبات أي مسؤولية جنائية.
فهذه مسائل مختلفة، ولكلٍّ منها طريقُه في التحقق.
🔹
ونسأل… ونحن نعرف أن الجواب عن دوافع هذه التحركات عند أصحابها:
لماذا تتكاثر محاولات إعادة تشكيل المشهد الأهلي بعد الفاجعة؟
ولماذا يُفتح باب النزاع حول النظارة في وقتٍ ما زالت فيه أسر الشهداء تنتظر الحقيقة والإنصاف؟
وما الذي يجعل البعض يسعى إلى تغييرالقيادة القائمة في هذه اللحظة بالذات؟
🔹
يؤكد التقرير بأن النظارة ليست غنيمةً تُنتزع، ولا منصباً يُحسم بمجرد اجتماعٍ أو بيان.
إنها مؤسسةٌ لها تاريخها وأعرافها ومرجعيتها الاجتماعية.
وأي نزاعٍ حول شرعيتها أو تمثيلها ينبغي أن يُفحص في ضوء الأعراف والوثائق والقانون ذي الصلة.
وتؤكد القراءة القانونية الواردة في التقرير أن الجسم الذي يمثل القبيلة هو الإدارة الأهلية.. وما سواها لجانٌ
واجتماعات لها أن تخدم، وليس لها أن تحلّ محل صاحب الدار.
🔹
وقد التفتّ القبيلة وأسر الشهداء والعمد والأعيان حول ناظرها القائم، وفق ما يورده التقرير.
وهذا موقفٌ له دلالته في المشهد الأهلي، ويجب أن تُقرأ التحركات الأخرى في ضوئه.. دون أن يتحول الاختلاف حول إدارة القبيلة إلى خصومةٍ تمزق أبناءها أو تصرف الأنظار عن قضية الشهداء.
🔹*رابعاً: من داخل غرفة العمليات*
يتحدث التقرير عن مقطعٍ قصير من داخل غرفة العمليات والسيطرة والتحكم.
ولنكن دقيقين فيما نقول: فهذا المقطع ما زال قيد التحقق الفني.
ولم يجزم التقرير بصحته النهائية، ولا نجزم نحن بها.
غير أن ما ورد في وصفه يثير أسئلةً خطيرة؛ إذ يتضمن، بحسب ذلك الوصف، سؤالاً عن هوية أشخاصٍ ظاهرين على الشاشة.. ثم أمراً بالضرب!
🔹
فإن صحّ المقطع وثبتت سلامة سياقه…
فإنه يضع أمام المحققين أسئلةً لا يجوز تجاهلها:
هل جرى التحقق من هوية الظاهرين على الشاشة قبل صدور الأمر؟
ومن سأل عن الهوية، ومن أجاب؟
وما الأوامر التي صدرت، ومن كان حاضراً في غرفة القيادة والسيطرة؟
وهل يمكن إثبات صحة المقطع وسلامة سياقه، وتحديد زمنه ومصدره والجهة التي أصدرته؟
🔹
ولذلك حدّد التقرير ثماني وظائف في غرفة القيادة والسيطرة، وطلب استدعاء شاغليها للتحقيق وبيان دور كلٍّ منهم، دون الجزم بمسؤولية أحد.
وهذا هو الأسلوب الصحيح: أن يُفتح باب التحقيق أمام كل من قد تساعد شهادته أو وظيفته أو المعلومات التي كانت متاحةً له في كشف ما حدث.
🔹
فالتحقيق هو الذي يميّز بين من أمر، ومن نفّذ، ومن شارك في اتخاذ القرار، ومن لم يعلم بما جرى.
وليس هذا عملاً يُحسم ببيانٍ صحفي أو مقالٍ في صحيفة.. بل بإجراءاتٍ فنية وقانونية تكشف الوقائع وتحدد المسؤوليات على أساس الأدلة.
🔹
ونحن حين نطرح هذه الأسئلة لا نصدر حكماً على شخصٍ بعينه.. بل نطالب بالتحقيق في سلسلة القيادة والسيطرة.
لأن الوصول إلى الحقيقة لا يكتمل بالنظر إلى لحظة الضربة وحدها؛ وإنما يتطلب معرفة ما سبقها، وما رافقها، وما تلاها، وما كان متاحاً من معلوماتٍ لمن اتخذ القرار أو نفّذه.
🔹*خامساً: الضربة الاستباقية*
ومن أعجب ما في الملف أن يُرفع بلاغٌ في مدينة الأبيض ضد ثمانيةٍ من أقارب الناظر وأبناء الأسرة.
يرى أولياء الدم هذا البلاغ كيدياً، ويقرؤه التقرير، بعد تحليل صياغته وتوقيته، على أنه محاولةٌ لقلب الطاولة وتخويف الشهود.
وقد أورد جدولاً بأسماء المشكو في حقهم الثمانية وأسماء الشاكين والشهود.
🔹
ونحن لا نقول أكثر مما قال التقرير:
إن هذه قراءةٌ لأولياء الدم، وليست حكماً قضائياً على أحد.
وإنما نسأل:
كيف يُفسَّر أن يجد أهل الضحية أنفسهم مشكوّاً في حقهم، بينما لا تزال الأنظار متجهةً إلى الجريمة التي وقعت على أسرهم وقيادات مجتمعهم؟
وما الذي يفسر هذا التوقيت؟
وهل يكشف التحقيق عن وقائع تبرر هذا البلاغ، أم أن له أسباباً أخرى تظهر أمام القضاء؟
🔹
وماذا لو كان ذلك مصادفةً؟
إن كان كذلك، فالقضاء كفيلٌ بأن يُظهر الحقيقة.
وإن ثبت أن البلاغ استُخدم على نحوٍغير مشروع للتأثير في الشهود أو الضغط على أصحاب الحق، فالقانون هو الذي يحدد المسؤولية.
وفي الحالتين، لا ينبغي أن يُحسم الأمر بالانطباعات أو الاتهامات المتبادلة.
🔹
ولهذا يؤكد أولياء الدم أنهم يرحبون بالقضاء العادل.
ويوجّهون رسالتهم إلى القضاء السوداني النزيه ليقول كلمته بلا خوفٍ ولا ميل.
وأن يضمن لكل طرفٍ حقه في عرض ما لديه من أدلة، وأن يحمي الشهود من أي ضغطٍ أو تهديد.
🔹
*وللتاريخ والإنصاف…*
يوجّه التقرير رسالةً خاصة إلى فرع «أولاد ماضي» الكرماء، بألّا يُزجّ باسمهم في أتون هذا الجرم، وأن تُستبدل أسماء أفرادٍ باسم فرع القبيلة أو ممثلاً لها.
فهنا المسؤولية فردية، وتخص كل فرد بذاته، وليس لفرع قبيلته أي مسؤولية فيما يقول أو يفعل.
فالدم الذي سال لا يقبل أن يصير ذريعةً لفتنةٍ بين أبناء العمومة.
والقبيلة التي سعت إلى حقن الدماء لا يجوز أن تُدفع إلى سفك دماءٍ جديدة.
🔹
إن المطالبة بالعدالة لا تعني تحميل جماعةٍ كاملة مسؤولية أفعال أفرادٍ منها، ولا تسمح بأن تتحول القضية إلى ثأرٍ مفتوح.
حق الشهداء لا يُصان بظلم الأبرياء..
وإنما بكشف الحقيقة ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
🔹*سادساً: ملفٌ ليس في يدٍ واحدة*
ولعل أهم ما ينبغي أن يطمئن إليه الناس أن هذا الملف لم يُكتب لمرحلةٍ ثم يُطوى.
فالتقرير الذي بين أيديكم خلاصةٌ لتقريرٍ يتألف من مئةٍ وخمس صفحات.
ويستند إلى اثنتين وعشرون إفادةً وشهادة.
وتسعة تسجيلاتٍ صوتية.
وستة مقاطع فيديو.
وسبعة جداول توثيقية.
وسبعٍ وعشرين صورة.
واثني عشر ملفاً لشخصياتٍ يطرح التقرير حول أدوارها أسئلةً للتحقيق، لا أحكاماً بالإدانة.
🔹
وهو منشورٌ بالعربية، وقد تُرجم ترجمةً كاملة إلى الإنجليزية والفرنسية، وهما اللغتان المعتمدتان في المحكمة الجنائية الدولية وفي كثير من الهيئات الأممية والحقوقية.. حتى لا يبقى الحق حبيس لغةٍ واحدة، ولا تقف قضية الشهداء عند حدود الجغرافيا واللسان.
وتبقى النسخة العربية هي الأصل لمرجعي عند مراجعة الصياغة، بما يضمن مطابقة الترجمات للمحتوى وعدم ضياع أي تفصيلٍ مؤثر.
🔹
والأصل بأدلته وتسجيلاته وشهاداته ووثائقه محفوظٌ ضمن الملف القانوني الذي استكملته الهيئات القانونية، بعد إعدادالتقرير في صورته المبدئية وإجراء الاحترازات القانونية اللازمة.
وقد باشرت الهيئات القانونية العمل على تقديمه أمام المحاكم الجنائية الوطنية والدولية، والملف كاملاً الآن في بطرف مكتب المستشار القانوني الذي سيباشر فيه الاجراءات.
🔹
فما وُضع أمام الرأي العام هوالخلاصة التي تفتح باب الأسئلة وتعرّف الناس بالقضية.
وما يُقدَّم أمام القضاء هو الأصل بما يتضمنه من وثائق وأدلة ومواد قابلةٍ للفحص والتحقق.
ولكل مرحلةٍ من مراحل المسار القانوني إجراءاتها ودلالتها.
لكن الهدف واحد: ألا تضيع الحقيقة، وألا تُهدر حقوق الشهداء وأسرهم.
🔹
وهذا الملف ليس في يدٍ واحدة ولا في مكانٍ واحد.
فلا يحسبنّ أحدٌ أن إسكات صوتٍ يُسكت الملف.
فالقضية أكبر من مقالٍ يُنشر، وأكبرمن صوتٍ يُحاصر، وأكبر من أن تُطوى بمجرد مرور الزمن.
إنها حق أسرٍ تنتظر الإنصاف، وذاكرة مجتمعٍ لن يقبل أن يُمحى ما حدث من تاريخه.
🔹*سابعاً: لوحة الوفاء*
وبعد كل هذه التفاصيل التي أرهقت الأعصاب… أعيدوا قراءة الأسماء على مهل.
فهؤلاء ليسوا أرقاماً في ملف.
رجالٌ كان لكل واحدٍ منهم بيتٌ ينتظره، ومجلسٌ يفتقده، وأبناءٌ ينادونه.
هم شهداء المسيّرة في مكان الاجتماع، يوم السابع عشر من أكتوبر 2025:
🔹*الناظر سليمان جابر جمعة سهل*
🔹*العمدة عبد الحفيظ حسن محمد (أبو ركوك)*
🔹*العمدة محمد الأمين محمد أحمد عجبنا (عبود)*
🔹*الحاج إبراهيم الحاج أبو جيمراية*
🔹*محمد العبيد محمد جمعة سهل*
🔹*البخاري مشاور جابر جمعة سهل*
🔹*محمد إبراهيم جابر جمعة سهل*
🔹*النيل إبراهيم جابر جمعة سهل*
🔹*النذير ميدوب جمعة سهل*
🔹*محمد حامد محمد محمود (حاج عبيد)*
🔹*جمعة مردس مادبو (عتريس)*
🔹*جمعة محمد آدم نعيم (تريكاوي)*
🔹*السيد عطية النور*
🔹*محمد أحمد عبد الله أبو جريد*
🔹*محمد سيد سليمان الزين*
🔹*خليفة مفرح جابر*
🔹*يونس محمد علي الطيب*
🔹*عبد الباقي محمد فرج*
🔹*مولانا يوسف حامد جبر الله*
🔹
*تسعة عشر اسماً.*
تسعةَ عشر رجلاً خرجوا، بحسب ما يرويه التقرير، في مهمةٍ أهليةٍ قصدت الاجتماع والسعي إلى معالجة الأزمة.. فعادوا على الأكتاف.
تسعة عشر بيتاً غاب عنها رجالها.
وتسعة عشر اسماً صار وراء كل واحدٍ منها جرحٌ لا تراه العين.. لكنه لا يغيب عن ذاكرة من أحبّهم وعاش معهم.
لذا فإن تسعة عشر اسماً من أسماء الشهداء، سنحولها إلى أسئلة للحقيقة والعدالة.
🔹
فمن الذي يملك أن يقول لأسر هؤلاء
الرجال إن دماءهم ستذهب هدراً؟
لا أحد.
لكن الوفاء الحقيقي لا يكون برفع الأسماء وحدها.. بل بصونها من النسيان، وحفظ حقوق أسرها، ومتابعة القضية حتى تتضح الحقيقة وتُعرف المسؤوليات.
🔹*ثامناً: عهدٌ وميثاق*
لقد قرأنا معاً الملف من أوله إلى خره:
من جذور النظارة إلى أبواب العدالة.
ومن لوحة الوفاء إلى كلمة الغرف المظلمة.
وبقي أن نقول ما ينبغي أن يُقال في الختام:
إن العدالة لا تُنال بالغضب وحده، ولا بالانتظار وحده.. بل بالصبر الذي يعرف طريقه، وبالعمل الذي يحوّل الذاكرة إلى دليل، والحزن إلى مسؤولية، والمطالبة إلى مسارٍ قانوني واضح.
🔹
وإن الصبر الذي دام عاماً كاملاً لم يكن ضعفاً.. بل كان بناءً هادئاً لملفٍ قائم، ومتابعةً لقضيةٍ لا ينبغي أن تُطوى بالنسيان.
فمن ظنّ أن الهدوء عجزٌ فقد أخطأ الحساب.. ومن ظنّ أن الغضب وحده يكفي للوصول إلى الحقيقة فقد أخطأ الطريق.
🔹
وعهدنا أمام الله وأمام الشهداء أن نمضي على الدرب نفسه:
نطلب الحق بالقانون.
ونصون النظارة بالوحدة.
ونحمي الشهود بالوعي.
ونجعل من الجرح عهداً ومن الفقد رسالة.
سنكتب في كل اثنين ما نستطيع.
وسنقول ما نعرفه.
ونوثق ما نملك.
ونميّز بين الوقائع والاستنتاجات..
حتى لا تُستغل كلمةٌ غير دقيقة لصرف الأنظار عن جوهر القضية.
🔹
لن نطلب ثأراً، بل عدالة.
ولن نجعل من الفقد ذريعةً لفتنةٍ بين أبناء القبيلة، بل دافعاً إلى حماية وحدتها وصيانة مؤسساتها.
ولن نسمح بأن تتحول كثرة الأسئلة إلى مبررٍ لإغلاق الملف؛ فكل سؤالٍ جاد ينبغي أن يجد طريقه إلى التحقيق، وكل دليلٍ ينبغي أن يُفحص، وكل شاهدٍ ينبغي أن يكون آمناً في أداء ما لديه.
🔹
إن الذين غابوا لم يتركوا لنا غيرالأمانة:
أمانة أسمائهم.
وأمانة أسرهم.
وأمانة الحقيقة التي لا يملك أحدٌ أيحتكرها أو يدفنها.
ومن الدم الذي سال نريد أن تنبت العدالة.
ومن الحزن الذي طال نريد أن يولد الأمل.
ومن ذكرى الرجال الذين غابوا نريد أن يبقى عهدٌ يحفظ للأحياء حقهم وللأموات كرامتهم.
🔹
*الدعاء الختامي؛*
اللهم يا من ترى مكاناً سُكبت فيه
الدماءُ بغير حق..
ويا من تسمعُ أنيناً خفياً يخنقُ
صدورَ الأراملِ واليتامى تحت ظلّ الأشجار..
نسألك بدماء شهدائنا التسعة عشر..
رجالنا الذين خرجوا يرجون صلحاً
ويحملون دعاءً، فردّتهم الصواريخُ في أغطيتهم محمولين!
اللهم إنهم وفدوا إليك في مقعدِ صدق،
وخلفوا وراءهم جراحاً لا تُضمَد، وأسماءً كلما نُوديت التفّت القلوب حزناً وكرامة.
🔹
اللهم يا عادلُ يا جبار..
يا من لا تخفى عليه غرفُ التآمرِ المظلمة، ولا همساتُ الوشايةِ في المجالس!
أنزل على قبيلتنا وأسر الشهداء صبراً
يتجاوز الجبال..
وطهّر قلوبنا من الرياء والمداهنة، واجعل حزننا عهداً، ودمعنا ثباتاً، وصبرنا طريقاً إلى عدلك.
🔹
اللهم يا من أهلكت الظالمين بظلمهم، وأظهرت الحق بلطفك..
أنصف دماء أهلي وعشيرتي الـ 19 الأبرار.
افتح للحق أبواب المحاكم والدور..
واكشف أستار من أمر، ومن نفّذ، ومن حرّض، ومن كتم الشهادة!
ولا تجعل للمجرمين في أرضك سبيلاً يطمسون به الحقيقة.
🔹
اللهم احفظ بيت النظارة بالوحدة والوفاء..
واجعل دماء الذين رحلوا سياجاً يمنع الفتنة بين أبناء العمومة، ونوراً يضيء أفق سوداننا.
إنك سميعُ الدعاء، ومجيبُ الضعفاء، والناصرُ لمن لا ناصر له.
📖 ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
.




