علوم وتكنولوجيا

بناة العالم الرقمي

الضحايا الأوائل وضحاياهم!

من المفارقات المدهشة أن بناة العالم الرقمي يقفون في الصف الأول من ضحايا الإفراط؛ لأن دوافع الإفراط لديهم مزدوجة: الولع والضرورة، وينطبق ذلك على المبرمجين والعاملين في صيانة وتشغيل الأنظمة الرقمية. معظمهم يتجهون إلى دراسة هذا المجال من باب الولع، ويحققون تميزهم فيه باستمرار ذلك الولع، وعادة ما يجدون أنفسهم أمام أسئلة الضرورة التي تجبرهم على الاستمرار ساعات طويلة من أجل اكتشاف خطأ في تصميم برنامج قيد التنفيذ، أو في إنقاذ منظومة رقمية تعطلّت فجأة.

يملك هؤلاء أعلى سلطة في الشق الخيالي (الافتراضي) من وجودنا اليوم، لكن حياتهم الاجتماعية تتقلّص وتتأطر بحدود شاشة الكمبيوتر الذي يستخدمونه. وهم يبنون هذه الحياة الافتراضية من أجل الجميع، وبسبب فوائدها التي لم يعد من الممكن الاستغناء عنها، يتعزّز حضور التكنولوجيا الرقمية في مختلف المجالات. ولم يعد الأمر مقتصرًا على المستخدمين الأوائل من موظفي البورصة والبنوك والمراقبين الجويين، بل امتد الاستخدام إلى مختلف المهن والأنشطة الاقتصادية والعلمية، وهو ما يعني تزايد أعداد المُجبرين على الجمود أمام شاشات الكمبيوتر ساعات طويلة في العمل.

صارت المؤسسات في جميع الأنشطة والصناعات، أكثر اعتمادًا على هذه التكنولوجيا. فهذه التقنيات الجديدة تحقّق زيادة في الكفاءة والسرعة والمرونة والربحية، وتشير شركة ستاتيستا (Statista) إلى أنه من المتوقع أن يتضاعف الاستثمار العالمي في التحول الرقمي تقريبًا من 1.85 تريليون دولار أمريكي في عام 2022م، إلى 2.89 تريليون دولار أمريكي عام 2025م.

وبعيدًا عن المخاوف التقليدية من فقْد الكثير من العمال لوظائفهم في ظلّ التحول؛ لأن التقليص في الوظائف القائمة يقابله توسّع في توظيف العاملين الرقميين، لا توجد البنية القانونية الملائمة لقوانين عمل تتعلق بهذه الوظائف الجديدة، التي غالبًا ما يضطر أصحابها إلى العمل ساعات طويلة.

السؤال الأول المتعلق بإفراط المُجبرين يدور حول مدى ملاءمة قوانين العمل، التي وضعت في السابق لتأطير العلاقة ووضع الحدود بين المنشأة وصاحب العمل من جهة، والعامل من الجهة الأخرى. وكذلك مدى ملاءمة لوائح السلامة المهنية، وقوانين السلامة العامة. في الحقبة الصناعية، كان هناك تقيد بأماكن محددة للعمل، وساعات محددة يكون فيها العامل تحت تصرف المنشأة التي يتبعها، ويمكن حساب وقت العمل ووضع الحدود بين الطرفين. وكان لجنس العامل دور في هذه التشريعات.

في كثير من الأعمال الرقمية، لم يعد مكان العمل محددًا، وأصبح العامل متاحًا على مدار الساعة، ولم يعد جنس العامل بالتأثير السابق. وينطوي هذا التغيير في طبيعة العمل على مزايا، من بينها: عدم الاضطرار إلى الانتقال لمكان محدد للقيام بالوظيفة، وتحقيق مرونة في تقسيم الوقت، وإفساح مساحة أكبر للمرأة في الأعمال؛ لكنه يقلل فرص خلق بيئة العمل الجيدة والتعاون بين الزملاء، الذي يخلقه الوجود في مكان واحد. وفي الوقت نفسه، يحمل مخاطر العمل لساعات إضافية، وعدم وضوح الحدود بين وقت العمل والوقت الخاص. وهذا مثار جدل حول حق العامل الرقمي. في مقال على موقع “غاريغيس” الإسباني للدراسات (centro de estudios garrigues) كتب أستاذ قانون العمل والضمان الاجتماعي بجامعة قرطبة، فيدريكو دوران، مقالًا حول قضية ساعات العمل من جهة كيفية تحديدها وقياسها، مستعرضًا الجدل القائم حول حق قطع الاتصال الرقمي، وصعوبة إيجاد حلول تنظيمية لهذا الأمر، حيث لا تزال الأمور غامضة ومجردة.

وهناك الكثير من الأضرار الجسمانية، التي يمكن أن تحدث نتيجة الجلوس أمام الكمبيوتر ساعات طويلة، ومن بينها: آلام العمود الفقري وتيبس المفاصل والصداع والتهابات العيون والسمنة وأمراض القلب. إلى جانب الأضرار النفسية والاجتماعية، ومنها: تشتت الانتباه وقلة التركيز والاكتئاب والميل إلى العزلة بسبب الإرهاق والافتقاد التدريجي لمهارات التعامل في المجتمع.

في الخطوط العامة لقواعد السلامة المهنية، تتقاسم جهة العمل والعامل المسؤوليات؛ لأن الطرفين يتقاسمان المخاطر كذلك. من جانب آخر، قدّمت بعض شركات التكنولوجيا تفسيرها لمبدأ توفير بيئة العمل الصحية الآمنة بخلق مساحات للترفيه والألعاب الرياضية. ويجب على العاملين أنفسهم مراعاة شروط السلامة من جانبهم، كضرورة مغادرة طاولة العمل بين فترة وأخرى، والاهتمام بالتواصل الاجتماعي الواقعي مع الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: شارك الخبر، لا تنسخ