
كل القوى السياسية في الحكم أو خارجه تنادى خلال السنوات الأخيرة بإصلاح الخدمة العامة/اصلاح الدولة. وتمسكنا بإعادة البناء واتفق معنا كثيرون. فلماذا نعلي شعار إعادة البناء؟ وكيف يتم ذلك في الخدمة المدنية الذراع التنفيذي للسلطة السياسية؟
إن شعارات (قومية أجهزة الدولة) أو (إحلال دولة الوطن محل دولة الحزب) أو (قومية الخدمة المدنية) متفق عليها ولكنها تظل عامة، ونختلف حول الكيفية والآليات والمواقيت بحسب اختلاف المفاهيم حول المعاني وهذا طبيعي، خاصة وأن نظام الحكم الشمولي تحول من الحزب الواحد (الحاكم) الى الحزب الواحد (المهيمن) طليعة فئات اجتماعية في حقبة نظام الأفروقراطي.
وأكدت تجارب الفترات الانتقالية في 1985 وعقب وقف الحرب في 2005:
أن التحول الديموقراطي لا يتحقق لمجرد زوال النظام الشمولي أو تغيير صورته العامة، ولا بالاتفاقيات بين النخب (أنظر: اتفاقية المصالحة الوطنية بين الحكومة والتجمع الديموقراطي 2006-اتفاقية القاهرة) وطريقه واحد وصعب وشائك. طريق النضال اليومي الصبور والدؤوب.
ولذلك فإن مخرجات الحوار الوطني أو اتفاقيات (نداء السودان) في باريس أو برلين أو الخرطوم لن تحقق التحول الديموقراطي. ويكفي أن وثيقة الحقوق في دستور السودان المؤقت (لن يأتي حزب المؤتمر الشعبي بأفضل منها) ظلت معطلة بسبب (التمكين) وغيره.
وإعادة بناء الخدمة المدنية كنشاط يومي وإزالة حالة التمكين يتطلب طرح الأفكار بوضوح فالبديل الديموقراطي لا يكون (سرياً) أو يتم حفظه الى ما بعد الوصول للسلطة السياسية.
البديل الديموقراطي تمسك به الجماهير وتناضل لتحقيق أجزاء منه في ظل النظام القائم لتحقيق هدفين في وقت واحد: نشره على أوسع نطاق وتطويره من خلال النشاط.
وقانون الخدمة المدنية 2007 عبر عن اتفاق الحكومة (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) وكتلة (التجمع الوطني الديموقراطي) المتحول من المعارضة الرسمية الى الشراكة بالاتفاقية ولذلك تضمن نصوصاً كما أي قانون ديموقراطي ولكن لا أثر له في الممارسة بسبب (التمكين) وغيره.
وإن (اجماع) المجلس الوطني لم يحقق مصالح محسوسة سواءاً للعاملين أو الكفاءات التي طردت من الخدمة مكتفياً بنقطتين لا تؤثران على (هيمنة) الحزب الواحد على الخدمة:
1- إلغاء مادة الفصل السياسي بعد موجاته التي تواصلت لستة عشر عاماً.
2- اجازة تقرير لجنة العمل والإدارة بالمجلس الوطني (اتفاق ما قبل الجلسة) حول المفصولين السياسيين (1989-2007) بمعنى قفل ملف المفصولين في ذات وقت حظر القانون للفصل السياسي. (وترفع المعارضة الرسمية اليوم شعار إعادة المفصولين دون الاشارة للاتفاق والتقرير ولجنة مجلس الوزراء 2007).
إذن فإن اتفاق النخب حول الخدمة المدنية تفادى مناقشة حالة التمكين وآثارها واختفت من بعده شعارات (القومية) و(دولة الوطن) حتى نهاية الفترة الانتقالية ومقاطعة الانتخابات العامة. ثم اعادة انتاج الشعارات.. وتستمر الأوضاع كما هي حتى 2017
وفي فبراير 2012 أعلن الرئيس البشير نهاية حقبة التمكين دون أية اجراءات أو برامج لمعالجة آثاره. ولم تطالب أية جهة بذلك. ومعلوم أن مجرد الإقرار بالخطأ دون تصحيحه لا يعني التراجع عنه نهائياً أو عدم تكراره (في العام 2016 تقدمت قيادات من بنك السودان باستقالتها بسبب أن “المحافظ” المعين أقل درجة منهم).
والمباديء الأساسية –المتعارف عليها- للخدمة المدنية:
• القومية بمعنى النأي عن تأثير الانتماءات الحزبية.
• الخدمات التي تقدم للمواطن حق لا منحه.
• تكافؤ الفرص في الاستخدام بالمنافسة الحرة واختيار الأكثر كفاءة.
• العلنية والشفافية باستثناء ما تتطلب المصلحة العامة حجبه.
• المساءلة والمحاسبة بسبب التعسف في استخدام السلطات أو استغلال الوظيفة.
ونعرض كيف انهارت هذه المباديء بالكامل اليوم بسبب حالة التمكين. ومعروف أن التمكين من الخدمة أمر لازم كل النظم الشمولية في كل دول العالم. فأي نظام شمولي بعد الاستيلاء/الوصول الى السلطة السياسية يتجه مباشرة نحو تأمين النظام/السلطة الجديدة والاستحواذ على السلطة الفعلية (الاقتصاد والمال) واداته الرئيسية التمكين من الخدمة العامة فيندمج الحزب في الدولة (ولا يستطيع أحد ان يفرق بين أموال الحزب وقياداته وأموال الدولة. لذلك فإن التمكين من أسباب الأزمات الاقتصادية.
والتأمين والاستحواذ متداخلان ومن أبرز صور التداخل الفصل الجماعي من الخدمة للصالح العام، تحت ظل فرض حالة الطواريء التي تضع كل البلاد في حالة استثنائية تعلق فيها قوانين ومواد في اخرى بما في ذلك قوانين الخدمة العامة.
والفصل الجماعي وكشوفاته المتلاحقة مقصود منه:
1- افراغ الوظائف لتشغلها الكوادر الحزبية تحت شعار (الولاء قبل الكفاءة) وهي التي تنفذ سياسات النظام الجديد التي يخطط لها عن طريق قيادات الحزب العليا ومكاتبه المتخصصة.
والتمكين لا يقبل في الوظائف القيادية بغير كوادر الحزب. ولا مكان للغرباء (!)
(راجع: الموظفون الذين اعيدوا للخدمة من الوظائف القيادية بلجنة مجلس الوزراء 2007، لم يتولوا أي مهام. ولم يطلب منهم حتى الحضور والانصراف في مواعيد العمل المقررة. يحضرون أول كل شهر لصرف المرتبات والأجور والحوافز وهم في منازلهم أو أماكن عملهم الأخرى !!)
2- زرع الرعب في قلوب الذين لم يطالهم الفصل واجبارهم على تنفيذ ما تقرره القيادات الجديدة حتى اذا خالف القوانين. وتتم مضايقتهم بتجميد تدرجهم الوظيفي وأحياناً لسنوات طويلة أو النقل أو الفصل التعسفي مع حرمانه من استحقاقاته وقسره للجوء للمحاكم (انظر حالة: الصيدلي خالد ود النور-مصرف المزارع وفصله تعسفياً بعد ستة عشر عاماً).
إذن، غادرت الكفاءات المدربة وذات الخبرة مواقعها، وحلت محلها الكوادر الحزبية التي لا تملك اي رصيد من الكفاءة الأكاديمية أو الخبرة العملية. بما يعني انه قد تم القضاء على مبدأ حيادية الخدمة المدنية.
ومن جهة أخرى، فإن الكوادر الحزبية المعينة (من فوق) مسؤولة أمام الحزب لا أمام أية قيادات في الخدمة حتى اذا كانت من ذات الحزب. وهنا يتلاشى مبدأ المحاسبة الوظيفية فهم لا يخافون عقاباً ولن يفصلهم احد.
وأصبح الموظفون الحزبيون في المواقع القيادية المختطفة يفرضون قراراتهم التعسفية في العمل الاداري، ويستغلون سلطاتهم، ويبطلون العمل باللوائح المنظمة أو يقومون بصناعة لوائح لصالح انفاذ قراراتهم دون مراعاة للشروط القانونية لاصدار اللوائح.. ومن النتائج المعلومة لذلك: ظلم الناس، غياب الشفافية واضعاف المؤسسة الادارية من داخلها.
ولان كوادر الحزب الشمولي (الحزب المهيمن) لاتكفي من حيث الأعداد لشغل جميع الوظائف فإنه يسد الثغرة باداتين:
1. شغل الموظف لأكثر من وظيفة (وهذا لاعلاقة له بعضوية مجالس الإدارات) ولايهم ان ينص القانون على غير ذلك.
(انظر: م/30 من قانون 2007 نصت انه لا يجوز لاي من العاملين الجمع بين اجر اكثر من شروط خدمة واحدة كما لايجوز الجمع بين وظيفتين في الدولة).
2 . توظيف الدورات التدريببة بالداخل والخارج والبعثات الخارجية للتدريب لصالح عضوية الحزب من العاملين ويتم منحهم الأولوية في الوظائف القيادية والمتوسطة.
اما من تبقى من قيادات في الخدمة (من غير عضوية الحزب فإنها تنقل احياناً الى الأطراف القصية (لم يعد النقل وسيلة لاكتساب التجارب بل عقاباً..!!).
انظر: في 2016 اطلقت الهيئة النقابية بمستشفى العيون التعليمي بحسب ندى رمضان في 2 نوفمبرعلى نقل 38 من العاملين بالمستشفى بالنقل التعسفي بسبب مواقف المنقولين من سياسات الإدارة.
وتوجد وسائل كثيرة للتضييق بخلاف النقل التعسفي من ذلك:
– الترقيات الإستثنائية للكوادر الحزبية.
– الحرمان من عضوية (اللجان) اداة الحوافز والمكافأت الخاصة.
وهؤلاء ليس امامهم إلا الهجرة او الإستقالة او مواجهة الضغوط النفسية بعد ان يصبح القيادي مرؤساً لكادر الحزب الأقل درجة وظيفية واقل كفاءة وخبرة.
لا يكتفي الحزب الشمولي المهيمن بذلك، فيستدعي كوادره القديمة التي كانت تشغل وظائف قيادية او وسيطة من دول المهجر (في التجرية السودانية نظم حزب الحركة الإسلامية هجرة عضويته منذ سبعينات القرن الماضي مقابل نسبة من الدخول وضعت في صندوق لتمويل الحركة والحزب والأنشطة الإستثمارية).
والإستدعاء لاعادة توظيفهم في وظائف قيادية في القطاع الحكومي او العام او البنوك او المنشأت شبه الحكومية او المستقلة.. الخ او تتم مكأفتهم بخلق وظائف جديدة (مستشارين وخبراء وطنيين) صرف النظر عن الحوجة إلى تلك الوظائف. كما شملت الوظائف الجديدة المتقاعدين من الكوادر الحزبية التي شغلت المواقع بعد افراغها.
والهدف الاشمل هو فتح الطريق امام تلك الكوادر للإرتقاء والإنتقال إلى فئة رجال الأعمال بإقامة الإستثمارات والشركات الخاصة التي يتم ارساء عطاءات الخدمة المدينة عليهم (الثراء عن طريق جهاز الدولة).
إذن: تحولت الخدمة المدنية في مرحلة التمكين من مؤسسة عامة لخدمة المواطن إلى مؤسسة الحزب الشمولي/ المهيمن يستوعب فيها كوادره.
إذن: فإن قيادات الخدمة المدنية والخبراء والمستشارين وكافة المستفيدين من سياسات التمكين ستظل تدافع عن نظام الحكم الشمولي/ الافروقراطي الذي يحقق مصالحها.
وإن حالة الخدمة المدنية في مرحلة التمكين كتاب مفتوح من آلآف الصفحات مضمنة في تقارير المراجعة القومية والولائية والتقارير الرسمية ومنها تقارير اداء الوزارات السنوية ولجان المجلس الوطني وأخرى في صدور الناس لذلك نكتفي في عرضنا القادم بنماذج نوعية. فإزالة آثار التمكين هي الخطوة الأولى في طريق ديمقراطية الخدمة العامة، والإزالة مرتبطة وثيقاً بالمعلومات و(كشف الحاله) وساعتمد في معظم الأحوال على معلومات صحيفة (الجريدة) السودانية التي اجتهد محرروها في الحصول عليها ويسروا لنا الأمر فلهم التقدير.
وللحديث صلة.
khogali@yahoo.com




