تقارير وتحقيقات

طلاب الشهادة السودانية بدارفور بين سندان «قانون الوجوه الغريبة» وارتفاع تكاليف الترحيل

تقرير: تريكو البشر

“تتحد أمنيتي مع أمنية والدتي في أن أجلس لامتحانات الشهادة السودانية في العام 2023م، ومن ثم التحق بإحدى كليات الطب”، هكذا يتحدث الطالب “مدثر محمود”، طالب المرحلة الثانوية في مدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور عن رغباته التي حدّت الحرب من إمكانية تحققها.

نحو (52) ألف طالب وطالبة في إقليم دارفور تواجههم صعوبة في الوصول إلى مراكز الامتحانات في “المناطق الآمنة” وهو تعبير تستخدمه سلطات بورتسودان للإشارة إلى مناطق سيطرة الجيش.

وقامت إدارة امتحانات الشهادة السودانية بتوزيع طلاب دارفور على عدة مراكز في الولايات التي يسيطر عليها الجيش، حيث تم تخصيص مراكز في مدينة النهود لطلاب ولاية شمال دارفور، وأخرى في ولاية النيل الأبيض لطلاب جنوب دارفور، كما وزعت طلاب ولايتي وسط وغرب دارفور على مراكز في معسكرات اللاجئين بشرق دولة تشاد. بينما تجاهلت إدارة التعليم طلاب ولاية شرق دارفور دون تخصيص أي مركز لهم، ما يؤكد السياسات التمييزية التي تمارسها حكومة بورتسودان.

الطلاب بين سندان “قانون الوجوه الغريبة” وارتفاع تكاليف الترحيل

يقول الطالب “مدثر محمود” لـ«صحيفة الجماهير»: “نحن طلاب شرق دارفور لم نوزع على مراكز مثل غيرنا من زملائنا في دارفور، وحتى في حال توزيعنا؛ سنتعرض في مناطق سيطرة الجيش للاعتقالات والمحاكمات بحجة قانون الوجوه الغريبة الذي يعاقبك بسبب لهجتك أو سحنتك، لهذا تلاشت أمنيتي في دراسة الطب وهي رغبة والدتي المعلمة”.

من جانبه، يقول “سعد محمد سعد”، وهو ولي أمر طالب شهادة سودانية من ولاية جنوب دارفور، لـ«صحيفة الجماهير»، إن تكاليف السفر إلى ولاية النيل الأبيض، مكان جلوس ابنه للامتحان، مرتفعة. وكشف أن قيمة التذاكر من مدينة نيالا إلى كوستي تبلغ حوالي (250) ألف جنيه، وأن السكن والمعيشة طوال فترة الامتحانات يكلفان ما لا يقل عن (500) ألف جنيه. وقال: “هذه المبالغ لا استطيع توفيرها لكي يتمكن ابني من السفر”.

وحذر “سعد” آباء الطلاب الذين يستطيعون توفير هذا المبلغ، من مغامرة سفر أبنائهم إلى مناطق سيطرة الجيش، وذلك خوفًا عليهم من التفلتات الأمنية في الطرقات، والاعتقالات التي تمارسها الاستخبارات العسكرية ضد الشباب، خصوصًا القادمين من دارفور وكردفان، على أسس عرقية، بجانب المحاكمات الانتقائية تحت “قانون الوجوه الغريبة”.

إجراء الامتحانات في ظل الانقسام المجتمعي

قالت لجنة المعلمين السودانيين، في بيان، أمس الجمعة، إن اقتراب الموعد المضروب لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية للدفعة المؤجلة 2023م، والذي يصادف 28 ديسمبر الجاري، يأتي “في ظل انقسام واضح بين السودانيين حول جدوى قيامها في هذا الظرف، وهذا التاريخ، بذات الشكل المعلن”.

وجددت اللجنة مطالبها بـ”إعلان وقف إطلاق النار أثناء فترة الامتحانات”. و”فتح المسارات الآمنة لوصول الطلاب والطالبات والمعلمين لمراكز الامتحانات”. بجانب “ضمان جلوس كل الطلاب الذين يرغبون في الجلوس لهذه الامتحانات في مناطق يتم الاتفاق حولها”.

وكشفت اللجنة، أنه وفي حال تم عقد الامتحانات في موعدها المعلن، سيتم حرمان أكثر من (60%) من جملة الطلاب البالغ عددهم (570) ألف طالب وطالبة.

وأوضحت أن الولايات التي لا تشملها هذه الامتحانات، هي: كافة ولايات دارفور وكردفان، و”الخرطوم عدا كرري والجزيرة عدا القرشي والمناقل، جزء من ولاية نهر النيل وسنار والنيل الأبيض والنيل الأزرق”.

وطالبت قادة القوات المسلحة بـ”وضع مصلحة الطلاب السودانيين نصب أعينهم، والبعد عن خطابات التحشيد التي يتبناها عناصر النظام المباد الذين يسيطرون على حكومة الأمر الواقع، خاصة في قطاع التعليم، فهؤلاء يعملون وفقا لمصالح تنظيمهم، ومصالحهم الخاصة”.

وقبل الأسبوع الماضي، أصدرت لجنة المعلمين السودانيين، بيانًا طالبت فيه بإعلان وقف إطلاق نار طيلة فترة الامتحانات، والالتزام بمبدأ الشمول والعدالة، وإعلان مراكز الامتحانات كمناطق آمنة، بجانب ضمان وصول الأدوات اللازمة إلى مراكز تجميع الطلاب.

في السياق، يقول الخبير التربوي علي سليمان، لـ«صحيفة الجماهير»: “من ناحية تربوية سيخلق اختلاط الطلاب من مناطق مختلفة مشاكل لا يمكن تداركها عبر استخدام تدابير عقابية مدرسية”. وأوضح، في ظل هذه الحرب التي قادت إلى شبه انقسام مجتمعي بسبب الهالة الإعلامية القائمة على تصنيف المجتمعات والمكونات القبلية، سيكون من السهل وقوع احتكاك بين الطلاب في داخل مركز الامتحان.

وراى “سليمان” أن سبب المشاكل المحتملة بين الطلاب، يعود إلى الانقسام المجتمعي الذي رسخته الحرب بين قبائل داعمة للجيش وأخرى “حاضنة” لقوات الدعم السريع، ولتجنب ذلك، شدد على ضرورة إجراء الامتحان في المناطق ذات التقارب القبلي، مشترطًا أن يسبق ذلك خطاب توعوي كثيف ينبذ خطابات الكراهية.

امتحانات موزاية لأول مرة في تاريخ البلاد

في الوقت الذي حصرت فيه حكومة بورتسودان، مواقيت ومراكز امتحان الشهادة السودانية داخل مناطق سيطرة الجيش، قالت قوات الدعم السريع إن حقوق الطلاب في مناطق سيطرتها “محفوظة بموجب القوانين الدولية والمحلية”.

وأفادت في بيان رسمي، أمس الجمعة، بأنها شرعت “في اتخاذ التدابير والإجراءات التي تكفل حقوقهم وعودتهم إلى صروح التعليم وجلوسهم للامتحانات المؤجلة بشكل يحفظ التوازن والعدالة مع رصفائهم من الطلاب”.

وجاء في البيان: “امعاناً في نهج التمييز السلبي وتشجيع حالة الانقسام المجتمعي وسط شعبنا، تمضي عصابة الانقلابيين في بورتسودان، إلى استخدام التعليم أداة لتنفيذ أجندتها السياسية الانقسامية والحربية، ويكشف موقفها المعلن بانطلاق امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق بعينها دون سائر ولايات السودان لأول مرة في تاريخ السودان”.

وأعلنت قوات الدعم السريع رفضها القاطع لكافة “السياسيات المدروسة التي تهدف إلى تقسيم السودان”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى