رأي

علي أحمد يكتب: انتصارات غير مرئية

بإعلان جمهورية جنوب السودان استقبالها عناصر من الجيش السوداني كانت هربت من معركة الميرم، الأسبوع الماضي، وعبرت الحدود، بعد سقوط القاعدة العسكرية في المنطقة التي تضم أكبر حقول للنفط في السودان بيد الدعم السريع، يكون الجدل قد حُسم بشكلٍ كبير حول مقدرة الجيش السوداني على الاستمرار في الحرب.

وقال القائد بقوات الدفاع في جنوب السودان، اللواء أنقون أنقوم، في تصريحات صحفية أمس، إنه أبلغ ما سمها بالقوات المنسحبة (أي الهاربة) بأنه سيتم معاملة أفرادها كلاجئين إلى حين وصول توجيهات جديدة من القيادة العامة للجيش الجنوبي.

 هذه ليست المرة الأولى التي يهرب فيها الجيش من المعارك إلى خارج البلاد، فقد سبقها في العام الماضي هروب قوة كبيرة بكامل عدتها وعديدها من معارك دارفور وسلمت للجيش التشادي.

أجد نفسي – والله – في حزن عظيم، أن تتلاعب فئة سياسية متطرفة ومحدودة لمدة 30 عاماً بأحد أعرق وأقوى الجيوش في أفريقيا وتحطمه بهذا الشكل المريع المهين المُذل، فقد أهان (الكيزان) الجيش والشعب معاً، إهانة غير مسبوقة، فعندما يهرب الجيش فماذا تبقى من كرامة السودانيين وقيمهم ومُثلهم، وعندما يتشردوا ويتبعثروا في كل وادي فما معنى الوطن؟!.

لقد خسر الجيش جميع معاركه مع قوات الدعم السريع التي تكاد تسيطر الآن على جميع أنحاء السودان عدا ولايات قليلة تعد بأصابع اليد، ومعظمها تحت الحصار، مطوقة تماماً من قبل الدعم السريع، وبإشارة فقط يمكن أن تتداعى وتسقط في لحظة وبرهة.

لقد أهان البرهان الجيش السوداني ومرّغ كبرياؤه وكرامته على الأرض، حين قبل ببيعه رخيصاً مرة أخرى إلى جماعة الإخوان المسلمين (الكيزان) ليحارب نيابة عنهم من أجل إعادتهم إلى السلطة. وهو يعلم جيّداً أن أغلب ميزانية الدولة يستحوذ عليها الجيش، وتذهب إلى جيوب قادته الكبار وبعض سماسرة السلاح والإمداد من الكيزان وغيرهم، لا يشترون بها سلاحاً ولا إمداداً وإنما قصوراً في تركيا وماليزيا وفيلات فخمة في أرقى أحياء القاهرة بمصر، فضلاً عن السيارات الفخمة واليخوت، والأرصدة البنكية بملايين ومليارات الدولارات، فيما الجُندي السوداني يعاني الجوع وسوء التغذية وراتبه لا يكفي لثلاثة أيام من الشهر، ويضع على جسده النحيل أسمالاً تجعل كل من يراه يذرف الدمع ويلطم الخد شفقة وغبناً.

كيف لا يهرب هؤلاء الجنود الفقراء الذين لا يجدون غذاءً ولا كساءً ولا ذخيرة، وهم يرون قادتهم في الحرب يصعدون ويهبطون على متن طائرات الهيلكوبتر، ويسافرون من دولة إلى دولة ويهربون من مقر القيادة العامة بالخرطوم إلى بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، لكي يسهل عليهم الهروب من البلاد في ختام المطاف الذي يبدو انه قد اقترب كثيراً!

كيف لا يهربون وهم يرون زملائهم يموتون (سمبلة) في معارك عدمية وصفرية، لا يعرفون لماذا يقاتلون ومن أجل من؟. وكيف لا يهربون وهم يرون كتائب (البراء) وقوات العمل الخاص والدفاع الشعبي وجميع المليشيات الكيزانية تستأثر بالمال والسلاح والصورة.

نعم تستأثر بالصورة، فبينما يقاتل جنود الجيش، يأتي أفراد هذه الكتائب ويخطبون في الناس ويلتقطون الصور ومقاطع الفيديو ويدّعون أنهم من يخوض المعارك ويقاتلون، ويصفون الجنود بأبشع الأوصاف، فيا للأسف ويا للحزن.

لم نر حتى الآن أي انتصارٍ للجيش، وقد صدق البرهان عندما قال لقناة الجزيرة القطرية ولوفد الفلول الإعلامي، إن الجيش يحقق انتصارات (غير مرئية)، بالفعل لا يرى أحداً هذه الانتصارات ولا يسمع بها إلا في صفحات الفلول والبلابسة والكيزان بمواقع التواصل الاجتماعي.

ونسأل أخيراً كما سألنا كثيراً، هل يساوي يا برهان إعادة الكيزان إلى حكم البلاد كل هذا الثمن الباهظ، هل يساوي إرجاعهم إلى الحكم تركيع جنودك وإهانتهم التي بلغت حد تسليمهم أسلحتهم لحرس الحدود في الدول المجاورة.

هل يساوي ذلك تشريد الشعب السوداني في جميع الاتجاهات داخلياً وخارجياً، و (مرمطة) كرامته وتمريغ أنفه على الأرض؟، يا له من ثمن باهظ أيها البرهان، يا له من ثمن قد يبلغ حد انشطار السودان إلى دويلات صغيرة متناحرة متحاربة لا حول لها ولا قوة.

لن يجد كيزانك دولة ولا شعباً ليحكموا يا برهان، فأذهب وفاوض وأعلن إنهاء الحرب حتى تحافظ على هذا البلد كما وجدته، وإلا لن يرحمك التاريح ولن يرحمك الحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: شارك الخبر، لا تنسخ