تحالف السلاح: كيف تحولت حرب البرهان إلى سوق مفتوحة للنفوذ الإقليمي؟
لم تعد الحرب السودانية مواجهة داخلية بين قوتين تتنازعان السلطة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لتقاطع مشاريع إقليمية ودولية متنافسة. وفي مركز هذه الشبكة يقف عبد الفتاح البرهان، باحثاً عن السلاح والمال والغطاء السياسي من أي جهة، وبأي شروط، حتى لو كانت الفاتورة المؤجلة هي سيادة السودان وثرواته ومستقبل أجياله.
السؤال الذي يجب أن يطرحه السودانيون ليس فقط: من يدعم البرهان؟ بل: بأي ثمن يحصل على هذا الدعم، وما الذي التزم بتقديمه في المقابل؟
فالدول لا تموّل الحروب الطويلة مجاناً، ولا ترسل المسيّرات والذخائر والخبراء بدافع المحبة. كل طائرة تصل، وكل شحنة سلاح تعبر، وكل غطاء سياسي يُمنح، يقابله حساب سياسي أو اقتصادي أو أمني؛ يُدفع عاجلاً أو يُرحّل إلى ما بعد الحرب.
ولا توجد حتى الآن وثائق علنية قاطعة تثبت أن البرهان وقّع عقوداً سرية تمنح الموانئ أو الأراضي أو الثروات لدول بعينها. لكن غياب الوثائق لا يلغي مشروعية السؤال، بل يزيد الحاجة إلى كشف الاتفاقات. فالسلطة التي تدير البلاد من دون تفويض انتخابي أو رقابة برلمانية، وتبرم صفقاتها العسكرية في الظلام، لا يجوز منحها شيكاً على بياض.
البرهان وحرب الإسلاميين
هذه الحرب لم تعد، في جوهرها، حرباً من أجل حماية الدولة، بل أصبحت معركة بقاء يخوضها البرهان متحالفاً مع الحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق. وكلما طال أمدها، ازداد احتياجه إلى الخارج وتراجعت قدرته على رفض شروط داعميه.
لقد ربط البرهان مصيره العسكري بشبكة تضم مصر وتركيا وإيران والسعودية وإريتريا، مع دعم سياسي بدرجات مختلفة من قطر والجزائر. وهذه الدول لا يجمعها مشروع واحد، لكنها تلتقي في نظرتها إلى السودان باعتباره موقعاً استراتيجياً وثروة ضخمة وممراً بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل ووادي النيل.
بعضها يريد الموانئ، وبعضها يبحث عن الأراضي الزراعية والذهب، وبعضها يريد النفوذ العسكري، وبعضها يسعى إلى محاصرة خصومه الإقليميين. وبين هذه المشاريع المتنافسة يجري التعامل مع السودان لا بوصفه دولة ذات سيادة، بل بوصفه غنيمة محتملة.
مصر: من الدعم السياسي إلى شرق العوينات
لم يعد الدور المصري مقتصراً على الدعم السياسي والدبلوماسي للمؤسسة العسكرية السودانية. فقد نشرت رويترز في فبراير 2026 تقريراً عن نشر طائرات تركية متقدمة من طراز Bayraktar Akıncı في مطار شرق العوينات، بالقرب من الحدود المصرية–السودانية.
وبحسب التقرير، أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود هذه المسيّرات في القاعدة منذ سبتمبر 2025 على الأقل، فيما تحدث دبلوماسيون ومحللون ومصادر عسكرية عن احتمال انطلاق عمليات منها لضرب خطوط إمداد ومواقع تابعة لقوات الدعم السريع داخل السودان. ولم تعلن القاهرة رسمياً مسؤوليتها عن تلك العمليات. تحقيق رويترز حول شرق العوينات
كما تحدثت تقارير غربية عن استخدام مسيّرات تركية متقدمة من شرق العوينات في تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل دارفور وكردفان. وإذا ثبت أن عمليات عسكرية داخل السودان تُدار من الأراضي المصرية، فإن الأمر يتجاوز الدعم السياسي واللوجستي إلى تدخل عسكري مباشر أو شبه مباشر.
هنا تبرز الأسئلة التي لا يستطيع البرهان الهروب منها: من منح مصر سلطة إدارة جزء من الحرب السودانية؟ وما المقابل الذي قدمه لها؟ وهل تعهد بمواقف تتعلق بمياه النيل أو الحدود أو سد النهضة أو التكامل الأمني والعسكري؟
مصر تنظر إلى السودان من زاوية أمنها القومي ومياه النيل والحدود ومنافسة إثيوبيا. لكن ما تعتبره القاهرة أمناً قومياً مصرياً قد يتحول، في ظل قيادة سودانية ضعيفة ومرتهنة، إلى وصاية على القرار السوداني.
العلاقة المتوازنة مع مصر ضرورة تاريخية وجغرافية؛ أما تحويل المطارات المصرية إلى منصات لإدارة الحرب داخل السودان، إن ثبت بصورة نهائية، فيعني أن قرار الحرب نفسه لم يعد سودانياً خالصاً.
تركيا: المسيّرات مقابل الموانئ والأرض؟
برز الحضور التركي من خلال الأسلحة والمسيّرات المستخدمة بواسطة الجيش السوداني. ووثقت منظمة العفو الدولية وجود أسلحة مصنعة في تركيا ودول أخرى داخل النزاع، محذرة من أن التدفق المستمر للسلاح يؤجج الحرب ويضاعف معاناة المدنيين. منظمة العفو الدولية
لكن تركيا لا تنظر إلى السودان بوصفه سوقاً للسلاح فقط. فلأنقرة مصالح قديمة في البحر الأحمر وسواكن، وطموحات في الزراعة والتعدين والتجارة والموانئ والوجود الأمني في القرن الأفريقي.
لذلك ليس السؤال: هل قدمت تركيا السلاح؟ بل: ما المقابل؟
هل أعيد فتح ملف سواكن؟ هل توجد تفاهمات غير معلنة بشأن الموانئ أو التسهيلات البحرية؟ هل تلقت شركات تركية وعوداً بالأراضي الزراعية أو مشاريع التعدين وإعادة الإعمار؟ وكيف ستدفع سلطة بورتسودان ثمن المسيّرات والذخائر بينما الخزينة العامة منهارة؟
إن كل سلاح يُشترى بالدين اليوم قد يتحول غداً إلى امتياز يمتد لعقود، ويُسدّد من أرض لا يملك البرهان حق بيعها.
إيران: العودة من بوابة الحرب
بعد سنوات من القطيعة، أعاد البرهان العلاقات مع إيران في لحظة احتياج عسكري حاد. ونقلت رويترز عن مصادر عسكرية وإيرانية وإقليمية ودبلوماسية أن الجيش السوداني حصل على مسيّرات إيرانية أسهمت في تعديل بعض موازين القتال. كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى تقارير عن وصول طائرات إيرانية مسيّرة عبر بورتسودان. رويترز، منظمة العفو الدولية
إيران لا تتحرك في البحر الأحمر من دون مشروع. مصالحها تشمل الممرات البحرية والنفوذ الأمني وكسر العزلة وتوسيع حضورها في مواجهة خصومها.
هل اقتصر التعاون على بيع المسيّرات، أم شمل تفاهمات أمنية واستخباراتية؟ هل تلقت طهران وعوداً بتسهيلات بحرية أو اقتصادية؟ وهل يُدفع السودان إلى صراعات لا مصلحة له فيها مقابل استمرار تدفق السلاح؟
الأخطر أن البرهان يحاول الاستعانة بإيران، وفي الوقت نفسه استرضاء السعودية ومصر وتركيا وقطر. وهذا لا يمثل توازناً دبلوماسياً ناجحاً بقدر ما يشبه مزاداً مفتوحاً للسيادة السودانية، يتنافس فيه كل طرف على اقتطاع نصيبه.
قطر: التمويل الهادئ وشبكات الإسلاميين
ظل الدور القطري أقل ظهوراً من الدورين المصري والتركي، لكنه ليس غائباً. فقد تحدثت منصة Africa Intelligence في أكتوبر 2025 عن دعم قطري سياسي ومالي وعسكري غير معلن للجيش السوداني، وربطته بالتنافس بين الدوحة وأبوظبي. وهي معلومات صحفية مهمة، لكنها لا تزال بحاجة إلى إثبات مستقل أوسع. Africa Intelligence
كما أعلنت الخرطوم والدوحة، قبل اندلاع الحرب، رغبتهما في تعزيز التعاون العسكري، وأصبحت قطر إحدى محطات البرهان الخارجية المبكرة بعد خروجه من الخرطوم.
ولا يمكن قراءة هذا التقارب بمعزل عن العلاقات التاريخية بين قطر والحركة الإسلامية السودانية وقيادات النظام السابق، أو عن رغبة الدوحة في استعادة نفوذها داخل السودان وملف دارفور.
فهل تدعم قطر مؤسسة الجيش، أم تستخدمها بوابة لدعم حلفائها الإسلاميين واستعادة حضورهم السياسي؟ وما الذي ستحصل عليه مقابل التمويل والدعم السياسي والعسكري المنسوب إليها؟
السعودية: من الوساطة إلى الميل السياسي
قدمت السعودية نفسها في بداية الحرب بوصفها وسيطاً، واستضافت مع الولايات المتحدة منبر جدة. لكن تطورات الحرب والتنافس السعودي–الإماراتي ومصالح الرياض في أمن البحر الأحمر دفعت باتجاه تقارب سياسي أوضح مع الجيش.
وتحدثت تقارير وتحليلات عن أن السعودية أصبحت أقرب إلى البرهان لأسباب جيوسياسية، من بينها موازنة النفوذ الإماراتي، وتأمين الساحل المقابل لها، ومنع تمدد إيران غرباً في البحر الاحمر بصورة تهدد مصالحها لذلك فان دعمها للجيش السوداني كان خوفا من ان يعلن الاسلاميين تحالفهم المباشر مع ايران او ذراعه الحوثي وبذلك فانها اثرت تحييد الاسلاميين في السودان ومنعهم من الارتماء الكامل في حضن ايران ولجوء الاسلاميين للخيار الصفري مع السعودية التي مازالت تعاني من تبعات الحوثي وهجماته من الجنوب ولا ترغب في فتح جبهة تهديد غربية في البحر الاحمر اهم منفذ لها في الوقت الحالي.
أما صفقة السلاح الباكستانية، فيجب عرضها بدقة. فقد كشفت رويترز في يناير 2026 عن مفاوضات متقدمة لإبرام صفقة تقدر بنحو 1.5 مليار دولار لتزويد الجيش السوداني بطائرات وأسلحة ومسيّرات ومنظومات دفاع جوي باكستانية. رويترز – يناير 2026
وأفادت تقارير لاحقة بأن السعودية توسطت في الصفقة ودرست أو تعهدت بتمويلها، وهو ما مثل مؤشراً واضحاً على ابتعادها عن الحياد الصارم. لكن رويترز ذكرت في أبريل 2026 أن الرياض سحبت دعمها المالي وطلبت وقف الصفقة، فوضعتها باكستان قيد التعليق. ولذلك لا يصح وصفها، وفق أحدث المعلومات المنشورة، بأنها صفقة مكتملة تم بموجبها تسليم العتاد للجيش. رويترز – أبريل 2026
غير أن مجرد دخول الرياض وسيطاً وممولاً محتملاً لصفقة بهذا الحجم يكشف مستوى التقارب مع بورتسودان. أما تراجعها فقد يعكس ضغوطاً دولية أو خلافاً حول الشروط أو إعادة حسابات، لكنه لا يلغي التحول السياسي ولكن بعد اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية مؤخراً قد تجعل من الممكن العودة مرة اخرى لهذه الصفقة سيما وان هناك معلومت تؤكد وصول معدات عسكرية باكستانية بالفعل لبورتسودان خلال الفترة الماضية.
والسؤال: ما الذي عرضه البرهان مقابل تمويل محتمل بمليار ونصف المليار دولار؟ هل يتعلق الأمر بالموانئ، أم الأمن البحري، أم الأراضي الزراعية، أم بترتيبات إقليمية لا يعرف عنها السودانيون شيئاً؟
إريتريا: تحويل الشرق إلى مجال أمني
تمثل إريتريا العمق الخلفي الأقرب لسلطة بورتسودان. وقد تطورت علاقتها بالجيش من التنسيق السياسي إلى شراكة أمنية وعسكرية أوسع وفق تقارير متعددة.
وأشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الجيش أقام شراكة قوية مع إريتريا، وأن أسمرا دربت تشكيلات مسلحة متحالفة معه، مدفوعة برغبتها في تأمين حدودها الغربية ومنع وصول نفوذ خصومها إليها. مجموعة الأزمات الدولية
وتحدثت تقارير أخرى عن معسكرات تدريب وتحركات لوجستية عبر الأراضي الإريترية. أما المزاعم المتعلقة بمرور أنواع محددة من الأسلحة أو المشاركة المباشرة، فما تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل.
لكن التدريب والدعم اللوجستي يطرحان سؤالاً مهماً: ماذا تريد أسمرا من شرق السودان؟ وهل تتحول ولايات الشرق إلى مجال أمني مشترك يُدار بين البرهان وأفورقي بعيداً عن المؤسسات والمجتمعات المحلية؟
إن بناء تشكيلات مسلحة على أسس جهوية أو إثنية وبرعاية خارجية قد يزرع بذور حرب جديدة حتى بعد انتهاء الحرب الحالية.
الجزائر: غطاء دبلوماسي لا دعم عسكري مثبت
يجب التمييز في حالة الجزائر بين التأييد الدبلوماسي والدعم العسكري. فلا تتوافر حتى الآن أدلة علنية موثوقة تثبت أن الجزائر تزود الجيش السوداني بالسلاح أو تمول عملياته.
لكن الجزائر ظلت أقرب إلى خطاب «الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة السودان»، وهو موقف تستفيد منه سلطة بورتسودان في مواجهة محاولات نزع الشرعية عنها. كما أن موقف الجزائر التقليدي الرافض للانقسامات والانفصال يجعلها تميل إلى التعامل مع المؤسسة العسكرية القائمة باعتبارها ممثلة للدولة.
هذا الغطاء الدبلوماسي مهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى دعم غير مشروط لسلطة عسكرية أطالت الحرب ورفضت مسارات وقفها. كما لا يصح مساواته بالدعم العسكري الإيراني والتركي أو بالدور المصري المرتبط بشرق العوينات ما لم تظهر أدلة إضافية.
السودان بين سبع عواصم
بهذه الصورة، لم يعد البرهان يدير قراراً وطنياً مستقلاً، بل يحاول موازنة مصالح سبع عواصم:
مصر تريد تأمين النيل والحدود وتحجيم إثيوبيا.
تركيا تبحث عن نفوذ اقتصادي وعسكري في البحر الأحمر.
إيران تريد موطئ قدم في ممر استراتيجي بالغ الحساسية.
قطر تستعيد نفوذها وصلاتها القديمة بشبكات الإسلاميين.
السعودية توازن النفوذ الإماراتي وتحمي أمنها البحري.
إريتريا تحول الشرق إلى امتداد لأمنها الحدودي.
الجزائر تمنح غطاءً دبلوماسياً تحت شعار حماية مؤسسات الدولة.
فما الذي سيبقى للسودانيين بعد توزيع كل هذه المصالح؟
يتبع في الجزء الثاني: كيف تحولت الجزيرة والتلفزيون العربي والعربية والحدث إلى جبهة موازية في حرب الروايات؟ وما الفواتير التي قد يدفعها السودان بعد توقف المدافع؟




