ثقافة

! غَابْ نَجْم النَّطِح

كمال الجزولي

تساءلت، ضمن روزنامة 17 يوليو 2007م، عمَّا إن كان من شأن تزايد نفوذ (العلم التَّطبيقي) أن يضعضع مكانة (الشِّعر). وبدت لي الاجابة غير ممكنة ما لم نحدِّد، أوَّلاً، ما نعنيه بهذا المصطلح الغامض المعرَّف بالألف واللام: (الشِّعر)! وتذكرت أننا، صديقي بشرى الفاضل وشخصي، كنَّا شطحنا، ذات عصف ذهني في سبعينات القرن المنصرم، فخلصنا إلى أن كلَّ فنٍّ هو، في النِّهاية، (شعرٌ)! ثمَّ لعلنا خفَّفنا الوطء شيئاً، فحصرنا الأمر في فنون (الاعلاء اللغوي)! وربَّما كان ذلك تحت تأثير الاستخدامات التَّاريخيَّة للمصطلح بهذه الدلالة، حيث وضع أرسطوطاليس سفره (فنُّ الشِّعر) وهو يشتغل على قوانين المسرح، وفي ذات المنحى ألَّف بوالو ديبريو كتابه (فنُّ الشِّعر) خلال القرن السابع عشر. لكنَّنا ذهبنا، على أيَّة حال، إلى أن كلَّ (شعر) هو استجابة مباشرة أو غير مباشرة، بصورة أو أخرى، لضرورة اجتماعيَّة موضوعيَّة، من خلال الوعي أو اللاوعي، وكنَّا نعني، بطبيعة الحال، المستوى الاصطلاحي والمفهومي للظاهرة، لا القيمة الكيفيَّة من زاوية النَّقد أو التَّذوُّق. وأعتقد أن الأمر ظلَّ دائماً هكذا، منذ رسومات الكهوف، والاحتفاليَّات الطقسيَّة الباكرة في طفولة البشريَّة. فقط مع تزايد وتعقُّد أشكال التَّعبير الفنِّي خصَّ الَّتقسيم المدرسي (القصيدة) وحدها بوصف (الشِّعر).

وعلى الرُّغم من الاختلاف النَّوعي بين مداخل (الشِّعر) و(الفلسفة) و(العلم)، إلا أن الامساك بقرون الظَّاهرة (الشِّعريَّة) لا يكون بغير المقاربة (الفلسفيَّة) لحقيقة الحياة التي لا تتوفَّر بغير (العلم)، والوقوف على (فلسفته). ولا أعنى المقاربة بدلالة التَّفسير، إنَّما التَّغيير. مع ذلك فتغيير أيِّ شيء مستحيل دون معرفته، بحيث تبوخ أيَّة محاولة لاصطناع صِدام متعمَّل بين (الشِّعر = الفن)، ومناطه (الوجدان)، و(الفلسفة) الكامنة وراء كلِّ (معرفة/علم)، ومناطها (العقل). وقد نلاحظ، استطراداً، احتفاء الفلاسفة بـ (الشِّعر = الفن)، بل وتجريب أكثرهم الاشتغال به!

إن الذين يطرحون المقابلة بين (الشِّعر) و(العلم) و(الفلسفة) ينطلقون، غالباً، من الشَّكِّ في قدرة (الشِّعر)، بخيالاته وتهويماته وأساطيره، على الصُّمود أمام التَّطوُّرات الجَّارية في عصر (العلم)، ويتساءلون، من ثمَّ، عمَّا إذا كانت الحاجة لـ (الشِّعر) ستظل قائمة في مرحلة متقدِّمة من الحياة المعاصرة! لكن السُّؤال، بهذه الطريقة، مقلوب على رأسه! فـ (الشِّعر) ذاته ضرب من الحفر المعرفي الذي يتغيَّا هدم واقع قديم، وبناء آخر جديد. علماً بأن الحديث، هنا، يدور حول (الشِّعر) الحقيقي، لا الأوهام، كما في قول مشهور لإلسا تريولييه عن لويس أراغون! ولأن هذا الواقع غالباً ما يبدو أكثر (واقعيَّة) من أن يتيسَّر استيعاب بؤسه ، فإن الكثير من (الشُّعراء) يلوذون بـ (الأسطورة) هرباً من جنونه، وتحريضاً على استدباره! ولعلنا، من ثمَّ، نفهم قيمة النُّزوع (الشِّعري) الحثيث لاستلهام (الأسطورة)، لا كمنحى يعمل على (أسطرة) الواقع من باب (شهادة الزُّور) ، وإنما كمحض حيلة فنيَّة تجرِّد هذا الواقع من أقنعته، وتجعله أكثر افتضاحاً!

إعادة إنتاج (الأسطورة) في (الشِّعر) نشاط إبداعي يهدف، في حقيقته، لا لنفي الواقع عدميَّاً، بل لتأكيد الاقتدار الانساني على فعل (التَّغيير = الثَّورة)! وبالتَّالي، يستهدف كلا (الشِّعر) و(العلم)، وإن بطريقين مختلفين، تمكين المستضعف بحفز الوعي لديه بضرورة وإمكانيَّة هذا الفعل، وذاك منتهى التَّحريض! لذا فـ (الأسطرة) تستأهل الذمَّ، فقط، حين تستهدف إنتاج وعي زائف بالعالم من شأنه التَّخذيل من فعل (التَّغيير = الثَّورة). لكن (الأسطرة)، بهذا المعنى، ليست خصيصة ملازمة لكلِّ استلهام (أسطوري) ، فثمَّة في (الأسطورة) والخرافة والسِّحر، أحياناً، ما من شأنه تعميق الوعي (الحقيقي) بـ (الحقيقة) في مجال الخلق (الشِّعري = الفنِّي)!

صحيح أن عصرنا حفيٌّ، ربَّما إلى حدِّ الجَّفاء، بـ (حقائق) الكشوفات (العلميَّة = العقليَّة). والناس في كلِّ مكان يتحدَّثون بنبرة التَّبجيل والإجلال عن (العلم)، والتَّفكير (العلمي)، والمناهج (العلميَّة) .. الخ. لكن مكابر من لا يرى، أيضاً، أنهم لا يستطيعون لجم شغفهم (الوجداني) القديم، قدم الانسانيَّة ذاتها، بالموسيقى والرَّقص والتَّشكيل والدراما وغيرها، وإلى ذلك سائر ضروب الإعلاء اللغوي، قصيداً كان أم سرداً .. الخ. وإذن ، فـ (الشِّعر = الفن) و(العلم) لا يشتغلان بالتَّبادلexchange – ably. هذا مدخل خاطئ لفهم كلا الظاهرتين!

وإذا حصرنا كلامنا في (القصيدة)، فإنها، من جهة أولى، من أقدم أشكال التَّعبير الجَّمالي، وأكثرها حميميَّة مع الفطرة. ولذلك فهي، على خلاف (الرِّواية)، مثلاً، شائعة في البيئات الحضريَّة كما البدويَّة، حتف أنف الفارق بين وصف علي بن الجَّهم، أوان خشونته البدويَّة، للمتوكِّل بالكلب في وفائه بالعهد، وبين تغزُّله الفاره، بعد تنعُّمه المديني، في العيون التي تجلب الهوى من حيث يدرى المُحبُّ ولا يدرى! مع ذلك ليس نادراً ما يقع التَّوافق المدهش، وربَّما المحيِّر، في صياغة الصُّورة بين شاعرين من كلتا البيئتين، كالذي بين قول ود شوراني (شاعر العشق البُطاني)، وكنت ظننته، خطأ، الحردلو، كما سيرد لاحقاً: “نظرة المِنُّو للقانون بقيت اتحدَّى/ فتحت عندي منطقة الغُنا الانسدَّ”، وقول محجوب شريف (شاعر العشق الأم درماني): “وتفتح نظرة من عينيكي لي مجرى الغُنا المسدود”! علماً، لدهشتك وحيرتك، بأن محجوب أنجز قصيدته عام 1976م، قبل أن يُشهر سيِّد حامد حريز مسدار ود شوراني ذاك عام 1977م، لأوَّل مرَّة، ضمن الطبعة الأولى من كتابه (فن المسدار)! فانظر كيف تتجلى وحدة الخبرة الشُّعوريَّة، مهما تباينت مصادرها، وكيف تلتقي طاقات التَّعبير (الشِّعري) عن ذات التَّوق للوجود المغاير، أياً كانت الأشكال الفنيَّة التي تتَّخذها، وبصرف النَّظر عن بيئة الشَّاعر! فهو، في المقام الأوَّل، “إنسان يحادث النَّاس” ، كما في كلمة لمؤسِّس الرُّومانسيَّة الإنجليزيَّة وليم وردزورث. ويعظم أثر هذا الحديث وخطره كلما عظمت طاقة (الشَّاعر)، ليس فقط على تثوير مضمون الفضائل الإنسانيَّة التي يبشِّر بها، بل وعلى تثوير اللغة ذاتها، كجزء من (البنية الفنيَّة) التي يتوسَّل بها، ضمن حمولته (الشِّعريَّة)، لخلق اللذة والادهاش والامتاع وخلب الألباب، قبل جلب المنفعة، أو الدفع باتجاهها، على رأي برتولد بريخت في (الأورغانون الصَّغير). وفي هذا شيء من وصف (الشِّعر) كثورة باللغة، وفي اللغة أيضاً، مِمَّا يتيح مسارب لـ (العلم) و(فلسفته) إلى شرايين (الشِّعر) و(أوردته) الدَّقيقة!

من جهة أخرى، لا يقوم (العلم) نفسه إلا على الخيال الذي يعتبر عنصراً رئيساً في العمليَّة (الشِّعريَّة = الفنيَّة). فالخيال من أبرز القواسم بين الظاهرتين. ومشهورة الموافقات بين (الشِّعر = الفن) وبين (العلم)، فالكثير من الحقائق (العلميَّة) تجذَّرت ، ابتداءً ، في المخيال (الشِّعري = الفنِّي) قبل أن تتجسَّد (علماً)!

من جهة ثالثة، نشير، على صعيد علاقة (الفلسفة) بـ (الشِّعر/القصيدة)، دون أن نغفل الفروق بينهما، إلى البنائيَّة الفلسفيَّة المذهلة التي أنجزها شاعر كالمتنبي، مثلاً، في مستوى ديالكتيك اللغة، وديالكتيك الصورة الشِّعريَّة، قبل أن يُصار إلى إعادة إنتاج هذه البنائيَّة، في المستوى (الفلسفي) المجرَّد، بقرون طوال، لدى هيغل ثم ماركس. واستطراداً ، ننوِّه، أيضاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر، بالتَّأسيسات الباهرة لعبد القاهر الجرجانى في (دلائل الإعجاز)، وأبي عثمان الجاحظ في (البيان والتَّبيين)، وشذور أبي حيَّان التَّوحيدي في بعض ليالي (الإمتاع والمؤانسة)، على صعيد الأدب وفلسفة اللغة، بشأن ديالكتيك (المضامين والأشكال)، أو المعاني والمباني، دَعْ الانفجار المذهل للمنجز (الشِّعري) والنَّقدي العربي، على هذا الصَّعيد، في العصر الحديث.

الشَّاهد أن ثالوث (الشِّعر ـ الفلسفة ـ العلم) لا يعرف التَّطابق التَّام بين عناصره، مثلما لا يعرف القطيعة النِّهائيَّة. وطالما بقي في الإنسانيَّة شغف باللذة المتأتِّية من التَّطلع للوجود المغاير، فسوف تبقى لـ (الشِّعر = الفن) قيمته المتأتِّية، بالأساس، مِن خاصِّيَّته التِّلقائيَّة، مع الأخذ في الحسبان بضرورة مواصلة (القصيدة) التغذي على الأجناس الأخرى، كالسَّرد والمسرح والتَّشكيل، خصوصاً الفوتوغرافيا والسِّينماتوغرافيا، فضلاً عن ضرورة رفد هذه القيمة الإبداعيَّة الأصليَّة بقيمة مضافة لا تتأتَّى إلا من مخزون (الشَّاعر = الفنَّان) المعرفي (الفلسفي)، دون أن يعني ذلك أن هذا المخزون هو المصدر، أو المكوِّن الأساسي، للقيمة الإبداعيَّة الأصليَّة.

(2)

ما أن فرغت من كتابة ونشر الجزء أعلاه من هذه الرُّوزنامة حتَّى حمل إليَّ بريدي الاليكتروني رسالة رقيقة من الصَّديق الشَّاعر الجَّميل عاطف خيري، المقيم بملبورن بأستراليا، مؤرَّخة في 29 يوليو 2007م، حيث يقول بلغته الآسرة:

“عزيزي كمال، تحيَّاتي كثيرة، مودتي أيضاً واحترامي. لعلها سنوات منذ المرَّة الأخيرة التي التقيتك فيها. كيفك يا رجل؟! أتابع بمتعة كبيرة ، مثلي مثل كثير من القرَّاء، مقالاتك هنا وهناك عبر الانترنت. يطربني، أكثر ما يطربني، ذلك التَّدقيق في الكتابة، ضبط العبارة، الإشارات، إيراد المصادر، المراجع والحواشي. ولطالما ذهبت أنت مذهباً بعيداً في ذلك، وما كان ليعوزك ذلك ولا هذه. هذا ما وددت أن أكتب إليك بشأنه، رغبة في التحيَّة، ثمَّ تساؤلاً حول ذلك المقطع الشِّعري العزيز على الأدب السُّوداني كما تعلم: “نظِرةَ المِّنُّو للقانون بقيتْ اتحدَّى”، إن كان، فعلاً، يُنسـب للحـردلو، وقد ظللت أنسـبه لعبد الله ود شوراني كاتب (مسدار النجوم)، قارئاً إيَّاه هكذا: (غابْ نَجْمَ النَّطِحْ والحَرْ علينا اشتدَّ/ ضَيَّقنا وقِصِرْ ليلو ونِهارو امتدَّ/ نظِرة المِّنُّو للقانون بقيتْ اتحدَّى/ فتحَتْ عِندي منطقة الغنا الانسدَّ). فبالله عليك ، وأنت لا بُدَّ واجد ذلك، كاتبني حول صحَّة المصدر. وقل أنت بخير لأخيك عاطف خيري”.

هرعت، من فوري، إلى نسخة من (فن المسدار ـ دراسة في الشِّعر الشَّعبي السُّوداني) لسيِّد حامد حريز كان زوَّدني بها صديقي الشُّكري النابه، عاشق المسادير، كرَّار صديق كرَّار المحامي. وابتداءً فقد وجدت البيانات المثبتة في هذا المرجع المهم تشير إلى أنه طبعة أولى صادرة عن معهد الدِّراسات الأفريقيَّة والآسيويَّة بجامعة الخرطوم عام 1992م. وعجبت، إذ أنني كنت متأكداً تماماً من أن الطبعة الأولى التي ضاعت نسختي منها قد صدرت عام 1977م، حيث كنت تلقَّيتها، أصلاً، هديَّة من شقيقتي أميرة، ضمن مجموعة من الإصدارات الجَّديدة في ذلك التاريخ، وكنت، وقتئذٍ، معتقلاً، وطريح الفراش بالمستشفى العسكري بأم درمان، وقد نقلت إليه من سجن كوبر، مع صديقي المعتقل، أيضاً، المرحوم خالد الكد، إثر إصابتنا بتسمُّم حاد.

الشَّاهد أنني، بمراجعتي لنسخة كرَّار، وجدتني مخطئاً في نسبة الرُّباعيَّة إلى الحردلو، ووجدت عاطفاً مصيباً في نسبتها إلى ود شوراني، فبعثت إليه أطمئنه، أوَّلاً، على انتباهته السَّديدة، وأعتذر له، ثانياً، عن خلطي الذي لا يبرِّره، أوَّلاً، سوى اعتمادي على الذَّاكرة الخربة، وذاك أوَّل الوهن، وثانياً عمق الصَّداقة الإنسانيَّة و(الفنيَّة) التي ربطت بين عبد الله ود شوراني المرغوبابي وأحمد بك عوض الكريم أبو سن (الحردلو) الشُّكري، ولطالما ورد ذكر واحدهما في شعر الآخر، وكلاهما، مِن قبل ومِن بَعد، سليل البطانة عشقاً، ولهجة، وثقافة، ومزاجاً شعريَّاً.

واستطراداً، بالعودة إلى أواصر “الشِّعر” و”العلم”، فقد أورد حريز، ص 14، 21، 22، 23، مستنداً، بدوره، إلى النَّيَّل أبو قرون، ص 51، 77، مصدراً لنصِّ (مسدار النُّجوم) ، أن رباعيَّة (غابْ نَجْمَ النَّطِحْ)، والتي استهلَّ بها ود شوراني (مسداره) البديع هذا، هي واحدة من ثمان وعشرين رباعيَّة شعريَّة، بحساب رباعيَّة واحدة لكلِّ (عِينة) ، حيث لكلِّ فصل سبع (عِيَن). أمَّا (النَّطِحْ) فهي أول (عِيَن الصَّيف)، والأخريات هنَّ: (البطين، التِّريَّا، الدَّبَران، الهكعة، الهنعة، الضُّراع). وأما (عِيَن الخريف) فهنَّ (النَّترة ، الطرفة، الجَّبهة، الخيرصان، الصِّرفة، العوَّا، السِّماك). وأما (عِيَن الشِّتاء) فهنَّ (عريج، الغفر، الزنبان، الاكليل، الشَّولة، البُلد، النَّعايم). وأما (عِيَن الرَّبيع) فهنَّ (سعد ذابح، سعد السُّعود، سعد الأخبية، سعد بُلع، الفرق المقدَّم، الفرق المؤخَّر، الحوت). و(المسادير) منها المكاني ومنها الزَّماني. ولئن كان (المسدار المكاني) يصف الرِّحلة مسحاً جغرافيَّاً لطبيعة الإقليم، فـ (المسدار الزَّماني) يتتبَّع فصول السَّنة، ويعدِّد (عِيَن) كلِّ فصل، مبيِّناً ما يصاحبها من خصائص وتغيُّرات في البيئة، وبالنتيجة يعطي مسحاً مناخيَّاً وفلكيَّاً للعام الذي تتعاقب أيَّامه على الشَّاعر المُحِب. ويلعب (المسدار) دوراً شبيهاً بدور الفلكي، أو (السُّوسِي) كما يطلق عليه في البادية، ويُغلب حريز اشتقاقها من الفعل (ساس)، أي قام بالأمر من حيث هو ضابط للزَّمن ومُوَقِّع للمنازل. وهذا كله (علم) ينطوي عليه (شعر المسادير)، ففي (المسدار) تركيز للمعلومات التي يستمد منها (السُّوسِي) معرفته ودوره القيادي في مجتمع البادية. وفي الرباعيَّة التالية يتغزَّل الكردوسي شاعر (البوادرة) قائلاً: “أخبار ذِكْرَك الفِي خسُوسِي/ وصلن عندي محفوظات بقن في الدُّوسِي/ ألقن سيف برنجو مْحدِّدِنُّو لبوسي/ خلن قلبي يلعب زي نتيجة السُّوسِي”! وينسب حريز كلمة (الدُّوسِي) إلى اللغة الفرنسيَّة في معني (السِّجل) أو (الدَّفتر)، كما ينسب كلمة (برنجو) إلى الكلمة التركيَّة (برنجي) في معنى (ممتاز) أو (أوَّل)، ويصف (المسدار)، إجمالاً، بأنه أداة تثقيفيَّة لا غنى عنها للرجل البدوي، ولكلِّ مَن ينشد المعرفة، وهو، فوق هذا وذاك، وثيقة حضاريَّة لا بُدَّ منها لدارسي التُّراث، وللمشتغلين بالدِّراسات الجُّغرافيَّة واللغويَّة والفلكيَّة بوجه خاص. ولكم تمنَّيت لو تضافرت جهود اتِّحاد الكُتَّاب السُّودانيين، وجمعيَّة حماية البيئة، وغيرهما من منظمات المجتمع المدني المعنيَّة، في تنظيم رحلة لمجموعة شعراء وعلماء وسينمائيِّين وتشكيليين وباحثين مختصين يتتبَّعون هذه (المسادير) المكانيَّة والزَّمانيَّة لمعرفة التغيُّرات البيئيَّة والإيكولوجيَّة والمناخيَّة التي وقعت على مسالك أولئك الشُّعراء العشَّاق الأماجد، ما بين الحقبة التي عاشوا فيها، ووصفوها في روائع (مساديرهم) ، وبين الحقبة الراهنة.

   

المصدر- البعيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: شارك الخبر، لا تنسخ