تقرير – الجماهير
لم تأتِ قمة العلمين الرباعية بين السودان ومصر وإريتريا والصومال في توقيت عادي بالنسبة إلى القرن الأفريقي ، فبينما كانت الدول الأربع تعلن التمسك بسيادة الدول والحلول السلمية، كانت الخريطة العسكرية في إثيوبيا تشهد تحولاً جديداً مع دخول القوات الإثيوبية وحلفائها إلى ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، وانسحاب قوات جبهة تحرير شعب تيغراي.
ويرى محللون تحدثوا لـ«الجماهير» أن أهمية القمة لا تكمن فقط في ما ورد في بيانها، وإنما في توقيتها والملفات التي تحيط بها: تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، الخلاف المصري–الإثيوبي حول سد النهضة، ملف الوصول إلى البحر الأحمر، والتداخل المتزايد بين الحرب السودانية والأمن الإقليمي.
وتكتسب هذه التطورات حساسية أكبر بعد إعلان إريتريا في الأول من أكتوبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، بالتزامن مع اتهامات إثيوبية لمصر والسودان وإريتريا بدعم التحالف المعارض بقيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي اتهامات تنفيها الدول الثلاث.
ورغم تأكيد إعلان العلمين احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم التسويات السلمية، فإن اجتماع الدول الأربع يطرح سؤالاً يتجاوز اللغة الدبلوماسية: هل يمثل بداية تنسيق إقليمي لاحتواء تداعيات الحرب الإثيوبية، أم خطوة نحو إعادة تشكيل موازين النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟
فؤاد عثمان: إعادة ترتيب التوازنات
يرى المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا، فؤاد عثمان، أن القمة جاءت في لحظة «شديدة السيولة والتعقيد»، ولا يمكن اختزالها في فكرة تشكيل تحالف ضد إثيوبيا أو إعلان حرب بالوكالة في تيغراي.
ويقول لـ«الجماهير» إن الإقليم يشهد تداخلات تتجاوز الصراع الإثيوبي الداخلي، مشيراً إلى أن القمة تبدو جزءاً من مسار أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الاستراتيجية، وربما تأسيس إطار إقليمي للردع في مواجهة التحركات الأحادية في ملفات البحر الأحمر وأرض الصومال وسد النهضة.
ويضيف أن الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا وصلت إلى مستويات مقلقة، في ظل تشابك الملفات الحدودية والنزاعات المسلحة، ما يجعل أي تصعيد إضافي قابلاً للتمدد خارج حدود البلدين.
ويعتقد عثمان أن التحرك الإقليمي يستهدف، في أحد أبعاده، منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة وإدارة التوتر المتصاعد، ودفع الأطراف، وفي مقدمتها أديس أبابا، إلى تجنب سياسات فرض الأمر الواقع.
القمة أمام اختبار إثيوبيا
وترى المحللة السياسية والباحثة بمركز الدراسات الأفريقية سابقاً د. رجاء شوكت، أن قمة العلمين لا يمكن فصلها عن التحولات العسكرية داخل إثيوبيا والتدهور المتسارع في العلاقات بين أديس أبابا وأسمرا.
وتقول شوكت لـ”الجماهير” التوقيت هنا يفرض نفسه بقوة فـ”القمة جاءت في لحظة تتصاعد فيها الاتهامات المتبادلة بشأن دعم المعارضة الإثيوبية”، ولذلك فإن اجتماع أربع دول ذات مصالح متقاطعة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل لن يُقرأ فقط من زاوية أهدافه المعلنة”.
وترى رجاء أن دخول القوات الإثيوبية إلى ميكيلي لا يعني إغلاق ملف تيغراي، بل ربما يفتح مرحلة جديدة من الصراع، خصوصاً مع استمرار الانقسام الداخلي وتدهور العلاقة بين اثيوبيا وإريتريا.
وحذرت شوكت من أن السودان يحتل موقعاً شديد الحساسية في هذه المعادلة بحكم حدوده مع إثيوبيا وتشابك ملفاته معها، مؤكدة أن «مشكلة السودان لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، لكنها في الوقت نفسه لا تحتمل أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية”.
ماذا بعد ميكيلي؟
من جانبه، يرى الكاتب الصحفي أحمد حمدان أن القمة تكون قد طرحت اكثر من اجندة تمس أمن دول الجوار الاثيوبي ” السودان _ اريتريا” بعد سيطرة القوات الحكومية على ميكيلي
ويعتقد حمدان ان سقوط ميكيلي في يد القوات الاثيوبية لا تعني نهاية الحرب الإثيوبية، وأن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بما سيحدث بعد هذا التطور العسكري.
ويعتقد احمد ان اكثر الاسئلة حضورا على طاولة القمة في تقديره انه بعد انسحاب قوات جبهة تغراي المناوئة للحكومة ، الى اين ستنسحب هذه القوات
ويمضي حمدان في حديثه لـ”الجماهير” توقيت قمة العلمين لا يمكن قراءته بمعزل عما يجري في إثيوبيا، فالمشهد لم يعد إثيوبياً داخلياً، بل أصبح ملفاً إقليمياً تتقاطع فيه مصالح السودان ومصر وإريتريا وأمن القرن الأفريقي بأكمله.
ويحذر حمدان من أن استمرار العمليات العسكرية قد يدفع الصراع إلى اتجاهات جديدة، متسائلاً ” إلى أين ستتجه القوات المنسحبة، وهل تتحول الحدود السودانية أو الإريترية إلى ساحات جديدة لتداعيات الصراع؟”
ويشير احمد إلى أن السودان، الذي يشهد حرباً داخلية، سيكون الأكثر عرضة لأي ارتدادات، سواء عبر موجات نزوح جديدة أو تحركات مسلحة أو اضطراب أمني على الحدود.
لا تحالف عسكرياً
في المقابل، يحذر الخبير في شؤون القرن الأفريقي عمار العركي من تفسير قمة العلمين باعتبارها تحالفاً عسكرياً يستهدف إثيوبيا أو يسعى لدعم جبهة تيغراي.
ويقول إن توقيت القمة مرتبط بالتأكيد بالتصعيد الإثيوبي–الإريتري والاتهامات الموجهة إلى مصر والسودان وإريتريا،
و يضيف “وفقاً للمعطيات المتاحة، لا أعتقد أن هناك ما يسمح بالقول إن القمة انعقدت بهدف تشكيل تحالف عسكري لدعم تيغراي”.
ويرى أن السؤال الأهم يتمثل في إمكانية تحول التنسيق بين الدول الأربع إلى آلية لاحتواء تداعيات الحرب، ومنع انتقالها إلى دول الجوار أو البحر الأحمر.
ويقول عركي في حديثه لـ”الجماهير” الأهم أن القمة انعقدت في لحظة كانت فيها خريطة الميدان في اثيوبيا نفسها تشهد تغيراً لافتاً، مع دخول الجيش الفيدرالي إلى ميكيلي وانسحاب قوات تيغراي منها.
النيل والبحر الأحمر.. ما وراء تيغراي
ولا تقف الخلافات بين إثيوبيا ودول القمة عند حدود تيغراي. فالقاهرة وأديس أبابا تواجهان خلافات مزمنة حول سد النهضة ومياه النيل، بينما تتصل الأزمة الإثيوبية–الإريترية بقضايا الحدود والسيادة والوصول إلى البحر الأحمر.
وتنظر إثيوبيا إلى الوصول إلى منفذ بحري باعتباره مصلحة استراتيجية واقتصادية، في وقت ترى فيه إريتريا ودول أخرى أن أي ترتيبات جديدة في البحر الأحمر يمكن أن تعيد تشكيل توازناته الحساسة.
أما السودان، فتتداخل علاقته مع إثيوبيا في ملفات الحدود والحرب الداخلية، ما يجعل حدوده الشرقية ومنطقة البحر الأحمر عرضة للتأثر بأي تصعيد جديد.
وفي المحصلة، قد تمثل السيطرة على ميكيلي تحولاً عسكرياً مهماً، لكنها لا تكفي لإغلاق ملف تيغراي. ومع القطيعة المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، واستمرار أزمات النيل والبحر الأحمر، بات الداخل الإثيوبي مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن محيطه.
ويبقى التحدي الأكبر أمام قمة العلمين هو منع تحول صراعات متداخلة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، في منطقة تكفي فيها شرارة واحدة لإشعال أكثر من جبهة في وقت واحد.





