السودان بلد يتميز بتعدد أعراقه وتنوع قبائله، استغل الاستعمار هذا التعدد والتنوع بشكل سلبي لأجل توطين سلطانه، واستثمره عبر سياسات “فرق تسد”، مما خلق عدداً من الصراعات القبلية. هذه الصراعات دفعت في اتجاه التنافر القبلي وانعزال بعض القبائل، وخلفت كثيراً من الأحقاد والأضغان.
كما أن الاستعمار استغل بعض التصورات المتوارثة عن الحكايا الشعبية تجاه بعض القبائل؛ مثل أن هناك قبائل “تأكل لحوم البشر”، وبعضهم يعبث بعد الموت في صورة (بعاتي) أو قرين. كما عمد الاستعمار إلى إعطاء امتياز التعليم، والتقرب من الحاكم، والعمل في أنشطة الحاكم المستعمر التجارية لبعض القبائل وحرمان آخرين عبر قوانين حاسمة مثل “قانون المناطق المقفولة”.
والأخطر من ذلك كله أنه أعاد تقسيم الأرض على أساس قبلي عبر التصرف في أراضي أو حواكير قبائل أخرى، وقاد هذا التقسيم في النهاية إلى معارك قبلية دامية حول استعادة السيطرة على الأرض المسلوبة أو التوسع في أراضي قبائل أخرى.
تعتبر الأرض المورد الأساسي الذي تقوم عليه بقية الموارد كلها من زراعة ورعي، كما أنها تحفظ الحق السياسي؛ فسلطان المجموعة السياسي مرتبط بمساحة الحاكورة وأهميتها بالنسبة للمستعمر.
إذن، بنية دولة ما بعد الاستعمار تكونت من:
اولا قبائل متعددة ومتنوعة لكنها متنافرة ومنعزلة عن بعضها البعض لأسباب ثقافية أو اقتصادية وغيرها، ومتقاتلة ضد بعضها البعض بدلاً من أن تخوض حواراً متبادلاً حول مصيرها بعد ذهاب المستعمر.
ثانيا تفاوت اقتصادي لصالح المجموعات التي تعاونت مع المستعمر والتي كانت متمركزة في جغرافيا الوسط والشمال.
ثالثا تركيز التنمية والخدمات في جغرافيا الشمال والوسط نتيجة للتفاعل الاقتصادي مع مصر، والتي كانت تمثل الثقل الاقتصادي الأكبر في إفريقيا في فترة الاستعمار.
رابعا استمرار تمركز التنمية والخدمات في نفس الجغرافيا في فترة الدولة الوطنية؛ فبرغم الاحتجاجات التي قامت بها بعض المجموعات السودانية، إلا أن المجموعات المسيطرة لم تستجب لهذه الأصوات، لأن هذه المجموعة المسيطرة (“الجلابة”) لم يتجاوز وعيها الوعي الذي تغذت عليه في فترة الاستعمار، ورفضت نخبتها معالجة هذا الاختلال التنموي بل سعوا لتكريسه عبر الثقافة والتعليم ومؤسسة “جيش البازنقر”. وهنا تكمن أهمية “جدلية المركز والهامش قراءة جديدة لدفاتر الصراع في السودان ” لفهم وتفكيك كيف حصل التمركز ومن أين يستمد قدرته على الاستمرار، وما لم تتناوله الجدلية تناوله الأستاذ عطا البطحاني في أطروحته “أزمة هيمنة… أم هيمنة أزمة؟”.
خامسا غياب العقد الاجتماعي الذي يفضي إلى قواعد أخلاقية ومبادئ قانونية تضمن حقوق الجميع بالتساوي.
سادسا مؤسسات ناقصة ومشوهة لم تسهم في نهضة وبناء الدولة، بل وظفت لأجل استمرار هذه الوضعية الموروثة من الاستعمار.
هذه الاختلالات تمثل بنية دولة ما بعد الاستعمار التي يجب علينا تجاوزها لأجل إعادة تأسيس الدولة السودانية الجديدة. وأكبر تحدٍ يواجه مشروع التغيير الحالي هو كيفية تجاوز “القبيلة” كمنصة سياسية لصالح التأسيس الجديد.
في الوقت الذي ارتد فيه الجميع إلى المنصة القبلية لأجل ممارسة السياسة ولأجل نيل الحقوق السياسية، ما زال “تحالف تأسيس” عاجزاً تماماً عن نقل الممارسة السياسية فوق البنية القبلية، وأظنه يتعامل معها باستحياء.
نحن نقترح على التحالف تقليل الاعتماد على الوعي القبلي، وترسيخ وعي السودان الجديد على المستوى الاجتماعي عبر إعادة تأهيل الإدارة الأهلية وتقليل نفوذها السياسي لصالح الأجسام الموقعة على ميثاق التأسيس.
التحدي الأكبر: كيف نتجاوز القبيلة كمنصة سياسية؟
هنا تكمن واحدة من أعقد مسائل مشروع الدولة الجديدة.
فالقبيلة ليست المشكلة في حد ذاتها. فهي بالنسبة إلى ملايين السودانيين إطار اجتماعي وثقافي مهم، وتؤدي أدواراً في فض النزاعات والتكافل والحماية الاجتماعية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القبيلة من إطار اجتماعي إلى منصة سياسية للحصول على الحقوق والسلطة والموارد.
فعندما يصبح الطريق إلى الوظيفة هو القبيلة، والطريق إلى السلطة هو القبيلة، والطريق إلى الأمن هو القبيلة، والطريق إلى التنمية هو القبيلة، فإن الدولة نفسها تصبح مجرد مساحة للتنافس بين جماعات اجتماعية.
وفي هذه الحالة يصبح المواطن مواطناً بقبيلته قبل أن يكون مواطناً بدولته.
وهذا بالضبط ما يجب أن يتجاوزه مشروع تأسيس السودان الجديد.
لا يمكن إلغاء القبيلة… ولكن يمكن إخراجها من السياسة
الخطأ الذي يجب تجنبه هو محاولة القضاء على القبيلة أو التعامل معها باعتبارها عدواً.
هذا غير واقعي، بل قد يؤدي إلى رد فعل عكسي.
المطلوب هو إعادة تعريف وظيفة القبيلة داخل الدولة.
نحن بحاجة إلى انتقال واضح:
من القبيلة كسلطة سياسية إلى القبيلة كجسم اجتماعي.
ومن القبيلة التي تفاوض الدولة على السلطة إلى المجتمع المدني الذي يشارك في صناعة الدولة.
ومن زعيم القبيلة الذي يتحدث باسم المواطنين إلى المواطن الذي يتحدث باسمه عبر المؤسسات السياسية المنتخبة.
ومن توزيع الموارد على أساس النفوذ الاجتماعي إلى توزيعها وفق معايير موضوعية مرتبطة بالحاجة والسكان ومستوى التنمية.
كيف نحقق ذلك عملياً؟
1. إعادة تأهيل الإدارة الأهلية
لا ينبغي إلغاء الإدارة الأهلية، وإنما إصلاحها وإعادة تعريف دورها.
فتكون مهمتها الأساسية:
المصالحات الاجتماعية.
فض النزاعات المحلية.
حماية السلم الأهلي.
الحفاظ على الأعراف الإيجابية التي لا تتعارض مع القانون.
المشاركة في إدارة المجتمع المحلي.
لكن يجب في المقابل تقليص دورها السياسي المباشر ومنع استخدامها كأداة للحصول على السلطة أو توزيع الوظائف والموارد.
بمعنى آخر:
الإدارة الأهلية للمجتمع، والمؤسسات السياسية للدولة.
2. نقل التمثيل السياسي من القبيلة إلى المؤسسات
يجب أن يصبح للمواطن طريق واضح للوصول إلى السلطة من خلال:
الأحزاب السياسية، النقابات، الاتحادات، المجالس المحلية، منظمات المجتمع المدني، والانتخابات.
لا أن يحتاج إلى شيخ قبيلته حتى يصبح له صوت في الدولة.
3. بناء أحزاب عابرة للقبائل
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأحزاب السياسية نفسها إلى قبائل سياسية.
لذلك يجب أن يكون معيار العضوية السياسية هو البرنامج والمشروع والموقف السياسي، وليس الانتماء الإثني أو القبلي.
والحزب الذي لا يستطيع أن يضم قيادات وقواعد من مناطق ومكونات اجتماعية متعددة لن يستطيع بناء الدولة .
4. بناء هوية سياسية جديدة
لا يمكن تجاوز الوعي القبلي بالقانون وحده.
نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي وتعليمي طويل المدى يعيد تعريف السوداني لنفسه.
أن يصبح السؤال:
ماذا أريد من السودان؟
بدلاً من:
ماذا حصلت عليه قبيلتي من السودان؟
وهذا يتطلب إصلاح المناهج التعليمية، والإعلام، والخطاب السياسي، وإنتاج سردية وطنية جديدة لا تقوم على إلغاء التنوع وإنما على تحويله إلى مصدر ثراء.
5. معالجة جذور المنافسة على الموارد
لن تنجح الدعوة إلى تجاوز القبيلة بينما تظل الموارد شحيحة والدولة توزعها بصورة غير عادلة.
فإذا كان الحصول على الأرض أو الوظيفة أو التنمية أو الأمن يتطلب قوة اجتماعية، فسوف يعود المواطن تلقائياً إلى القبيلة.
لذلك فإن بناء الدولة المدنية يتطلب في الوقت نفسه:
عدالة في الأرض، وعدالة في التنمية، وعدالة في الوظائف، وعدالة في توزيع الموارد، وعدالة في الوصول إلى الخدمات.
6. إنشاء عقد اجتماعي جديد
الحل النهائي ليس في المصالحة بين القبائل فقط، وإنما في بناء قاعدة تجعل القبيلة أقل ضرورة في حماية حقوق الإنسان.
المواطن الذي يعرف أن القانون يحميه لا يحتاج إلى قبيلة لحمايته.
والمواطن الذي يعرف أن القضاء مستقل لا يحتاج إلى شيخ قبيلته لاسترداد حقه.
والمواطن الذي يعرف أن الوظيفة تعتمد على الكفاءة لا يحتاج إلى وسيط اجتماعي.
وهنا تصبح الدولة نفسها بديلاً عن شبكة الحماية القبلية في المجال السياسي والقانوني.
مهمة تحالف تأسيس
في اللحظة الراهنة، يصبح التحدي أمام تحالف تأسيس أكبر من مجرد الوصول إلى السلطة.
فالمطلوب ليس نقل السلطة من مجموعة إلى مجموعة أخرى، وإنما تغيير الطريقة التي تُمارس بها السياسة نفسها.
ولذلك فإن استمرار التعامل مع البنية القبلية باعتبارها أمراً محرجاً لا يجوز الحديث عنه لن يحل المشكلة.
يجب أن تكون هناك شجاعة سياسية في الاعتراف بأن جزءاً كبيراً من الممارسة السياسية السودانية ما زال يتحرك فوق أرضية قبلية.
وأن الانتقال إلى الدولة الجديدة لن يحدث بمجرد توقيع الميثاق أو تشكيل الحكومة.
بل يحتاج إلى سياسة واضحة لـ تفكيك الاعتماد السياسي على القبيلة تدريجياً.
ويجب أن يبدأ ذلك من داخل قوى التغيير نفسها.
فلا يمكن أن نطالب المجتمع بتجاوز القبيلة بينما نعتمد عليها نحن في اختيار ممثلينا وقياداتنا.
ولا يمكن أن نبني دولة مواطنة إذا كانت مؤسسات التغيير نفسها تعيد إنتاج المحاصصة القبلية.
الدولة الجديدة لا تعادي القبيلة
المشروع الذي نحتاجه ليس مشروعاً ضد القبائل.
إنه مشروع ضد تحويل القبيلة إلى دولة داخل الدولة.
نريد أن تبقى القبيلة فضاءً اجتماعياً وثقافياً، لكن لا تكون بديلاً عن الحزب السياسي، ولا عن النقابة، ولا عن البرلمان، ولا عن القضاء، ولا عن الدولة.
نريد أن يحتفظ السوداني بقبيلته وثقافته ولغته وذاكرته، لكنه عندما يقف أمام الدولة لا يكون شمالياً أو غربياً أو شرقياً أو جنوبياً أو قبلياً أولاً؛ بل يكون مواطناً سودانياً متساوي الحقوق والواجبات.
وهنا فقط يمكن أن نبدأ في بناء السودان الجديد.
فالمعركة الحقيقية ليست بين قبيلة وقبيلة، ولا بين مركز وهامش بمعناهما الجغرافي فقط.
المعركة الحقيقية هي بين بنية دولة قديمة تعيد إنتاج الامتياز والتهميش والانقسام، ومشروع دولة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والمساواة.
والسودان لن يخرج من أزمته عندما تنتصر قبيلة على قبيلة، أو إقليم على إقليم، أو جماعة على جماعة.
سيخرج السودان من أزمته عندما ينتصر المواطن على البنية التي جعلت القبيلة وسيلته الوحيدة للحصول على حقوقه.
وهذا هو جوهر مشروع التأسيس:
أن ننتقل من سودان تتنافس فيه الجماعات على الدولة، إلى دولة تحمي جميع الجماعات وتحكمها بالقانون




