الخرطوم – الجماهير
لم تعد مظاهر السلاح في الخرطوم مجرد بقايا عابرة لحرب أنهكت العاصمة. ففي بعض الأحياء والأسواق، بدأ ظهور مسلحين بالزي العسكري وهم يحملون بنادق الكلاشينكوف يطرح سؤالاً أكبر من مجرد الانفلات الأمني: من يملك سلطة فرض القانون في الخرطوم؟
العاصمة التي يفترض أن تنتقل من مرحلة الحرب إلى مرحلة استعادة مؤسسات الدولة، تبدو في بعض مناطقها وكأنها تنتقل من فوضى المعارك إلى فوضى السلاح.
في جنوب الخرطوم، يتحدث سكان عن مسلحين يتحركون ليلاً على متن دراجات نارية، ويعترضون المواطنين، فيما تتكرر روايات عن حوادث نهب وتهديد بالسلاح. لكن بعض الوقائع لا تحدث في الظلام، بل في وضح النهار، وبوجود شهود.
أحد أصحاب المتاجر روى لـ«الجماهير» أن رجلاً يرتدي زياً عسكرياً دخل متجره قبل يوم من حادثة نهب، وطلب سيجارة على أن يدفع ثمنها لاحقاً. وعندما رفض صاحب المتجر وأصر على دفع قيمتها، غادر الرجل المكان.
في اليوم التالي، عاد برفقة شخصين آخرين يرتديان الزي العسكري نفسه ويحملون بنادق كلاشينكوف. هذه المرة لم يطلبوا شيئاً بالدين؛ بل أخذوا جميع السجائر الموجودة في المتجر، وقالوا لصاحبه إن بيع هذا النوع مخالف للقانون.
لم يكن أمام الرجل، وفق روايته، سوى الاستسلام. فوجود ثلاثة مسلحين كان كافياً لتحويل ما يفترض أن يكون خلافاً تجارياً إلى واقعة نهب تحت تهديد السلاح.
الأكثر إثارة للقلق جاء بعد ذلك. فقد أبلغ الرجل الأجهزة الأمنية، لكنه تلقى، بحسب روايته، رداً مفاده أن عليه الاتصال مجدداً إذا عاد المسلحون.
بالنسبة إليه، كانت الرسالة واضحة: البلاغ لا يكفي عندما يكون الطرف الآخر مسلحاً ومرتبطاً بنفوذ أقوى من قدرة الضحية على حماية حقه.
حين تصبح البندقية أقوى من البلاغ
هذه الواقعة لا يمكن اعتبارها دليلاً منفرداً على نمط عام، لكنها تتقاطع مع روايات أخرى من الشقيلاب ومناطق جنوب الخرطوم، حيث يتحدث سكان عن انتشار عناصر مسلحة تتحرك بالدراجات النارية، وعن اعتراض مواطنين، خصوصاً خلال ساعات الليل.
ويقول سكان في مناطق قريبة من معسكر تابع لإحدى الحركات المسلحة إن النهب تحت تهديد السلاح أصبح مصدر قلق يومي، لكن الأخطر من الجريمة نفسها هو شعور المواطنين بأن المسلح يستطيع الإفلات من المحاسبة.
مصدر أمني، تحدث لـ«الجماهير» شريطة عدم كشف هويته، أشار إلى تعقيدات تواجه الشرطة في التعامل مع بعض العناصر المنتمية إلى تشكيلات مسلحة، موضحاً أن بعض الموقوفين قد يجدون طريقاً إلى الإفراج عنهم عبر تدخل قياداتهم.
وبحسب المصدر، فإن المشكلة لا تتعلق دائماً بغياب الرغبة في تطبيق القانون، وإنما بوجود حساسية في التعامل مع أفراد ينتمون إلى قوات أو حركات مسلحة يفترض أن تكون جزءاً من الترتيبات الأمنية.
وهنا تبرز المشكلة الحقيقية: إذا كان الزي العسكري يمنح صاحبه حصانة غير معلنة، فإن القانون يصبح انتقائياً، وتتحول البندقية من وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة للضغط عليها.
رصاصة واحدة تكشف حجم الخطر
تزداد المخاوف مع روايات عن إطلاق النار في مناطق مأهولة بالسكان.
فقد تحدثت تقارير إعلامية عن تعرض شاب لإطلاق نار من مسلحين يرجح انتمائهم إلى إحدى الحركات المسلحة في منطقة جنوب الحزام جنوب شرقي الخرطوم، وسط معلومات عن نقله إلى العناية المكثفة وحالته الحرجة.
وفي سوق «6» بالحاج يوسف، تحدثت روايات أخرى عن إطلاق نار أدى إلى إصابة صبية كانت برفقة والدتها للتسوق، قبل أن تودي بها الإصابة.
وبغض النظر عن ملابسات كل واقعة، فإن وجود السلاح وسط الأسواق يمثل تهديداً مباشراً للمدنيين. فالسوق مكان يفترض أن ينشغل فيه المواطن بتأمين احتياجات أسرته، لا بالبحث عن ساتر يحميه من رصاصة طائشة أو نزاع مسلح.
من يحمي سوق المخدرات؟
الأكثر خطورة يرتبط بما يتردد عن نشاط تجارة المخدرات في بعض الأسواق، وعلى رأسها سوق «6» بالحاج يوسف.
شهود تحدثوا لـ«الجماهير» عن ظهور مروجين بصورة علنية، وعن وجود مسلحين لا يخفون نشاطهم. كما تتحدث روايات محلية عن حملات أمنية تصل أحياناً بعد تسرب معلومات إلى المتورطين، فيختفي المروجون والمواد المخدرة قبل وصول القوة.
وتتحدث روايات أخرى عن استخدام صبية في إخفاء المواد المخدرة قبل الحملات الأمنية، ثم استعادتها بعد انتهاء التفتيش.
هذه المعلومات تحتاج إلى تحقيق مستقل، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة من دون أدلة. لكنها، في الوقت نفسه، تطرح أسئلة أمنية لا يجوز تجاهلها:
كيف يعرف المتورطون بموعد الحملات؟ وهل هناك تسريب للمعلومات؟ ومن المستفيد من استمرار هذه الأنشطة؟
فالمشكلة لا تتوقف عند ضبط المخدرات، وإنما تمتد إلى قدرة الأجهزة الأمنية على حماية معلوماتها وتنفيذ عملياتها دون اختراق ، ان لم تكن هي وراء الاحداث ، او تعلم الجهات المنفذة لها .





