تقرير – الجماهير
بين شبهات انتهاك سيادة الدول والحق في الحياة، والاتهامات المحتملة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تثير واقعة قصف معدّنين سودانيين في منطقة «عقيدات» تساؤلات قانونية بشأن المسؤولية عن الهجوم، وحقوق الضحايا في التعويض، والآليات المتاحة للمساءلة الدولية. ويرى خبراء قانونيون استهداف المدنيين بالطيران الحربي لا تبرره ، مزاعم تجاوز الحدود، اعتبروا ان ملابسات الهجوم تستدعي النظر في احتمال انطباق وصف الجرائم ضد الإنسانية، داعيين المنظمات الحقوقية إلى التحرك للتحقق من الوقائع وتحديد المسؤولين ومتابعة القضية عبر المسارات القانونية المتاحة.
وقالت الخبيرة القانونية نفيسة حجر لـ«الجماهير» إن الهجوم المصري الذي استهدف معدّنين سودانيين في منطقة عقيدات يشكّل، انتهاكاً جسيماً لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول وسلامة أراضيها، كما قد يمثل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وفقاً للوقائع التي يثبتها التحقيق.
وأوضحت حجر أن استهداف مدنيين عُزّل باستخدام أسلحة حربية، من بينها الطيران الحربي، لا يصبح مشروعاً لمجرد تجاوز المعدّنين الشريط الحدودي، مشددة على أن وجودهم خارج الحدود لا يمنح، في حد ذاته، الحق في استهدافهم بالقتل باستخدام الطيران الحربي. واعتبرت أن مثل هذا الفعل، إذا ثبتت ملابساته على النحو المذكور، يثير مسألة المسؤولية عن انتهاك الحق الأساسي في الحياة الذي تكفله المواثيق الدولية والإقليمية.
الجرائم ضد الإنسانية..
وفي ما يتعلق بإمكانية تصنيف الانتهاكات ضمن الجرائم ضد الإنسانية، أكدت حجر أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يشترط أن يكون الفعل المرتكب جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد مجموعة من السكان المدنيين، إلى جانب توافر بقية الأركان والشروط القانونية اللازمة.
وأضافت أن تكرار الهجمات على المدنيين السودانيين في المناطق الحدودية قد يشير إلى نمط يستدعي التحقيق في طبيعة الاستهداف وسياقه، وقد يفتح المجال للنظر في مدى انطباق وصف الجرائم ضد الإنسانية، إذا أثبتت الأدلة توافر الشروط القانونية المطلوبة.
وبحسب المعلومات الواردة في إفادات شهود العيان التي يستند إليها التقرير، نُفّذ هجوم جوي في منطقة عقيدات بولاية البحر الأحمر، وأسفر، وفقاً للتقديرات المذكورة، عن مقتل نحو مائة مدني يعملون في تنقيب الذهب. وأفاد شهود بأن الهجوم وقع في منتصف الليل باستخدام طائرات عسكرية.
ويرى قانونيون أن توقيت الهجوم وطبيعة الوسائل المستخدمة يستدعيان التحقيق في ظروف العملية ومدى التخطيط المسبق لها، وما إذا كانت الوقائع تدعم أو تنفي فرضية توغل المعدّنين داخل الأراضي المصرية، خصوصاً في ضوء ما أورده شهود بشأن توقيت الهجوم، الذي قالوا إنه لا يتوافق مع أوقات نشاط المنقبين الأهليين المعتادة.
من جهته، قال الخبير القانوني إبراهيم محمد نور الدائم لـ«الجماهير» إن توقيت الهجوم والوسائل المستخدمة فيه يدعوان، بحسب تقديره، إلى بحث فرضية التخطيط المسبق للعملية. وذهب إلى أن الهجوم استهدف إزهاق أرواح عشرات المدنيين وإثارة الارهاب لإفراغ المنطقة.
وأضاف نور الدائم أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وفقاً للقواعد القانونية المنطبقة عليها، مشيراً إلى إمكانية لجوء الجهات الحقوقية أو ذوي الضحايا إلى المسارات القضائية الدولية المتاحة والمطالبة بالتعويض، مع مراعاة شروط اختصاص كل جهة قضائية.
التعويضات وجبر الضرر
وأكدت حجر أن الضحايا وذويهم يمكنهم المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم، موضحة أن هذه المطالبات تستند إلى قواعد المسؤولية الدولية وجبر الضرر، متى ثبت ارتكاب فعل غير مشروع دولياً ونسبته إلى الدولة المعنية، وتوافرت بقية عناصر المسؤولية القانونية.
وأشارت إلى أن المطالبات قد تشمل الأضرار الناجمة عن فقدان الأرواح والإصابات والخسائر التي لحقت بالممتلكات وسبل العيش، وفقاً للقواعد القانونية واجبة التطبيق والجهة المختصة بنظر المطالبات.
وفي السياق ذاته، أشار نور الدائم إلى أن التعويض يمثل أحد المسارات التي يمكن لذوي الضحايا والجهات الحقوقية السعي إليها، إلى جانب المطالبة بالتحقيق وتحديد المسؤوليات ومتابعة القضية عبر القنوات القانونية المتاحة.
شكاوى دولية ومطالبات بتحقيق مستقل
وفي ما يتعلق بالمسارات القانونية المتاحة أمام ذوي الضحايا، أوضحت حجر أن بإمكانهم تقديم بلاغات وشكاوى موثقة إلى الآليات التعاهدية وغير التعاهدية المعنية بحقوق الإنسان، ومخاطبة المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة، وفقاً لاختصاص كل آلية وشروط قبول الشكاوى لديها.
وأضافت أن من بين الخيارات المطروحة المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تتولى تقصي الحقائق وجمع الأدلة وتحديد ملابسات الهجوم والجهات المسؤولة عنه، على أن تُرفع نتائج التحقيق إلى الهيئات المختصة، بما قد يسهم في دعم الإجراءات القانونية اللاحقة.
ودعا نور الدائم المنظمات الحقوقية المحلية والدولية إلى التحرك للتحقق من ملابسات الهجوم وتحديد المتورطين فيه، مشيراً إلى وجود وقائع سابقة يرى أنها تستدعي فحص فرضية مسؤولية السلطات المصرية عن الهجوم، بما في ذلك ما يتعلق باستهداف مدنيين بصرف النظر عن حجم المخاطر التي يُقال إنهم كانوا يشكلونها.
وأضاف أن السلطات المصرية، بررت واقعة سابقة في يونيو الماضي بدواعٍ تتعلق بمكافحة الجريمة والاتجار بالمخدرات وحماية الاقتصاد المصري. ويرى نور الدائم أن هذه المبررات تستدعي فحصاً قانونياً في ضوء الوقائع والأدلة المتاحة، ولا تحسم وحدها مشروعية استخدام القوة المميتة ضد المدنيين أو المسؤولية عن الهجوم الأخير.
الجنائية الدولية.. تعقيدات الاختصاص وإمكانية الإحالة
ولفتت حجر إلى وجود تعقيدات تتعلق بولاية واختصاص بعض المحاكم الدولية، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية، نظراً إلى أن مصر ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.
لكنها أوضحت أن عدم انضمام مصر إلى النظام الأساسي لا يعني بالضرورة استحالة انعقاد اختصاص المحكمة في جميع الظروف، إذ يمكن أن تنشأ ولاية المحكمة في حالات معينة من خلال إحالة مجلس الأمن الدولي، وفقاً للشروط والإجراءات المنصوص عليها في النظام الأساسي، مستشهدة بإحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ويظل تحديد الجهة المختصة بملاحقة المسؤولين عن الهجوم مرتبطاً بالوقائع التي يثبتها التحقيق، والأساس القانوني الذي يمكن الاستناد إليه، وشروط الاختصاص القضائي. كما أن توصيف الهجوم بأنه جريمة ضد الإنسانية أو غيرها من الجرائم الدولية يتطلب التحقق من الأدلة واستيفاء الأركان القانونية ذات الصلة.
موقف السلطات السودانية
وانتقد الخبير القانوني إبراهيم محمد نور الدائم رد فعل السلطات السودانية إزاء قصف المعدّنين، معرباً عن أسفه لما وصفه بالتعامل مع الواقعة باعتبارها حادثاً عابراً.
وقال نور الدائم إن «سلطة الأمر الواقع تعاملت مع الجريمة كأنها حادث عابر»، مضيفاً أنه كان ينبغي، بحسب رأيه، اتخاذ موقف أكثر وضوحاً دفاعاً عن سيادة الأراضي السودانية، بما في ذلك تأجيل استقبال السفير المصري الجديد، الذي جرى في صبيحة يوم الهجوم.





