تقارير وتحقيقات

«هيومن رايتس ووتش»: الجيش ومليشياته يرتكبان جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قرية «طيبة» بالجزيرة

قال تقرير لـ«هيومن رايتس ووتش»، الثلاثاء 25 فبراير، إن قوات درع السودان التي تمثّل جماعة مسلحة تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية، هاجمت بشكل متعمد المدنيين وممتلكاتهم يوم 10 يناير الماضي، مما أسفر عن مقتل (26) شخصًا على الأقل، بينهم طفل، وإصابة المزيد.

وأكد التقرير أن الجماعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية قد ارتكبت انتهاكات مروعة ضد المدنيين في هجومها الأخير في ولاية الجزيرة، كما ونهبت المجموعة بشكل منهجي ممتلكات المدنيين، بما في ذلك الإمدادات الغذائية، وأضرمت النار في المنازل.

وطالبت المنظمة حكومة بورتسودان بالتحقيق بشكل فوري في جميع الانتهاكات المبلغ عنها ومحاسبة المسؤولين عنها، بمن فيهم قادة قوات درع السودان.

وقال التقرير إن هذه الأفعال تشكل جرائم حرب، وبعضها مثل القتل المتعمد للمدنيين، قد يرقى أيضًا إلى جرائم محتملة ضد الإنسانية، مؤكدًا أن قتل المدنيين وتشويههم والنهب والاستهداف المتعمد للممتلكات المدنية وتدميرها هي جرائم حرب، وأنه وبموجب مبدأ مسؤولية القيادة، قد يكون القادة العسكريون مسؤولين عن جرائم الحرب التي ارتكبها أعضاء تابعون للقوات المسلحة أو مقاتلون آخرون خاضعون لسيطرتهم.

ووفقًا لجان بابتيست جالوبين، الباحث الأول في الأزمات والصراع والأسلحة في هيومن رايتس ووتش: فإن “الجماعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية قد ارتكبت انتهاكات وحشية ضد المدنيين في هجومها الأخير في ولاية الجزيرة” والذي طالب بدوره أيضا قائلًا، “يجب على السلطات السودانية التحقيق بشكل عاجل في جميع الانتهاكات المبلغ عنها ومحاسبة المسؤولين عنها، بمن فيهم قادة قوات درع السودان”.

وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن هجوم 10 يناير، على قرية طيبة كان جزءًا من موجة مميتة من الهجمات التي شنتها الجماعات والميليشيات المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، حيث استهدف المهاجمون المسلحون، بما في ذلك قوات درع السودان وكتائب البراء بن مالك الإسلامية والميليشيات المحلية، المجتمعات التي اعتبروها مؤيدة لقوات الدعم السريع.

وأجرى باحثو هيومن رايتس ووتش مقابلات مع ثمانية ناجين من الهجوم على قرية طيبة والذين شهدوا أيضًا أحداثًا رئيسية محيطة بهذا الهجوم. كما وقام الباحثون بتحليل صور الأقمار الصناعية والصور ومقاطع الفيديو التي شاركها الناجون والتي أظهرت جثث بعض القتلى، والأضرار الناجمة عن الحرائق التي تسبب فيها المهاجمون، وأيضا مقابر الضحايا، وقائمة تضم (13) من القتلى.

وأكدت لجنة من سكان طيبة تم تشكيلها لإحصاء القتلى مقتل (26) شخصًا في الهجوم الذي نفذه مقاتلو قوات درع السودان في 10 يناير في قرية طيبة التي تقع على بعد 30 كيلومترًا شرق ود مدني في منطقة أم القرى، وهي موطن لأشخاص من مجموعات عرقية التاما والبرغو والمراريت في المقام الأول، والذين تعود أصولهم إلى غرب السودان واستقروا في المنطقة منذ عقود من الزمان باسم “الكنابي”.

وأكد التقرير أنه في صباح يوم 10 يناير دخل العشرات من مقاتلي درع السودان، الذين وصفهم السكان بأنهم عرب، إلى قرية طيبة وهم يستقلون سيارات تويوتا لاند كروزر مزودة بمدافع رشاشة ثقيلة، وأن شهود عيان قالوا إنهم أطلقوا النار عشوائيًا على الرجال والفتيان وأضرموا النار في المباني، وإنهم هاجموا القرية مرة أخرى في فترة ما بعد الظهر بينما كان السكان يدفنون الضحايا، ويتنقلون من منزل إلى آخر بحثاً عن الرجال والفتيان، ويقتلون وينهبون ويحرقون في كل مرة يأتون فيها.

وبحسب شهادة رجل يبلغ من العمر (60) عامًا فإن مسلحين يرتدون زيًا مموهًا باللون الأخضر ويستقلون سيارات تويوتا لاند كروزر هاجموه من مسافة قريبة. وقال: “قالوا” توقف! “ثم أطلقوا النار علي بالقرب من كليتي ببندقية كلاشينكوف”. وقال رجل آخر شهد المشهد إنه سمع المهاجمين يصرخون بألفاظ عنصرية مثل “يا عبد!” أثناء إطلاق النار.

وقالت إحدى النساء “لقد جاءوا إلى المنزل الذي كنا فيه وسألوا أين أزواجنا. وبدأوا في تهديد الجميع بأنهم سيؤذوننا وأزواجنا. “ألا تعرف من هي قوات كيكل؟ ألا تعرف من نحن؟”، في إشارة إلى أبو عاقلة كيكل، قائد قوات درع السودان.

وشكل كيكل قوات درع السودان في عام 2022م، وهي قوات تجند بشكل أساسي من المجتمعات العربية في ولاية الجزيرة، وكانت قد قاتلت إلى جانب القوات المسلحة السودانية من أبريل 2023م إلى أغسطس 2023م، لكنها انشقت بعد ذلك وانضمت إلى قوات الدعم السريع، وفي أكتوبر 2024م، عاد كيكل ودرع السودان للقتال لصالح القوات المسلحة السودانية.

وقال شهود إن المركبات العسكرية كانت تحمل عبارة “درع السودان” ووصفت شعارًا يتوافق مع شعار قوات درع السودان، كما ووصفوا نهبًا واسع النطاق للأموال والأغذية والماشية، بما في ذلك (2000) رأس من الماشية، حيث أكد جميع الشهود أن سكان القرية لم يكن لديهم أسلحة ولم يتمكنوا من مقاومة الهجوم الذي وقع في 10 يناير.

وتؤكد مقاطع الفيديو التي تلقتها هيومن رايتس ووتش وتحققت منها صحة الهجوم على طيبة وتحتوي على أدلة على وقوع جرائم في مواقع أخرى بولاية الجزيرة في نفس الوقت تقريبًا.

وتُظهر مقاطع الفيديو التي تم تحديد موقعها الجغرافي في ود مدني والتي ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي، مقاتلين متحالفين مع القوات المسلحة السودانية وهم يرتكبون أعمال تعذيب وقتل خارج نطاق القضاء ضد أشخاص عزل.

وكانت التقارير التي تتحدث عن مقتل مواطنين من جنوب السودان على يد قوات متحالفة مع القوات المسلحة السودانية في ود مدني قد أشعلت أعمال عنف انتقامية ضد المدنيين السودانيين في جنوب السودان، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية بين السودان وجنوب السودان.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على القوات المسلحة السودانية التحقيق في الهجوم على طيبة وغيرها من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة والميليشيات التابعة لها، ونشر نتائج تحقيقاتها، واتخاذ خطوات لمحاسبة جميع المسؤولين، بمن فيهم القادة. وينبغي للقوات المسلحة السودانية تعليق عمل كيكل وغيره من قادة درع السودان الرئيسيين في انتظار نتائج التحقيق.

وأكد جالوبين أيضا أن “هناك أدلة واضحة على أن القوات المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية مسؤولة عن عمليات قتل مروعة وفظائع ضد المدنيين”، مضيفا “يجب على الجهات الفاعلة الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، أن تدعم بنشاط المبادرات القوية لحماية المدنيين في السودان وتفرض عقوبات مستهدفة بسرعة على المسؤولين، بما في ذلك أبو عاقلة كيكل”.

وكانت طيبة قد تعرضت للهجمات لأول مرة في 9 يناير، حيث دخلت قوات درع السودان قرية المغاربة القريبة.

وأكد أحد الشهود أنه في ذلك اليوم كان هناك قتال بالقرب من طيبة، وأن القرية تعرضت للهجوم بعد الظهر باستخدام أسلحة متفجرة، مما تسبب في فرار بعض الناس وقضاء الليل في الحقول مؤكدا عدم وقوع إصابات.

وقال شاهدا عيان أخرين إنهما رأيا طائرات بدون طيار (مسيرات) تحلق فوق طيبة في وقت متأخر من بعد الظهر من ذلك اليوم.

وأكدا أن السكان قد عادوا في صباح اليوم التالي، وفي حوالي الساعة 9 أو 10 صباحًا، دخلت الدراجات النارية وسيارات تويوتا لاند كروزر المجهزة بمدافع رشاشة ثقيلة من طراز DShK عيار 12.7 ملم إلى القرية.

وقالت شابة نجت من الهجوم: “كان الناس يأتون ويذهبون من السوق. كان الأطفال يلعبون في الخارج… وفجأة… هاجمت [مقاتلون على متن] مركبات القرية وبدأ الناس في الصراخ والركض.. كان الأطفال خائفين للغاية”.

ووفقًا لشهود عيان آخرين فإن الرجال في المركبات قد أطلقوا النار عشوائيًا على الناس وأضرموا النار في المنازل بينما فر رجال القرية إلى الحقول، وأن المهاجمين بقوا في القرية لمدة ساعة تقريبًا ثم تراجعوا. ولم يحمل أحد في القرية سلاحًا أو يقاوم.

وأضافوا، خرج الناس من مخابئهم وكانوا يستعدون لدفن جثث الضحايا عندما هاجمت قوات ترتدي زيًا عسكريًا وتركب سيارات لاند كروزر ودراجات نارية القرية مرة أخرى حوالي الساعة 2 ظهرًا.

وبحسب أحد الشهود فإنه أحصى 11 مركبة عسكرية دخلت القرية من الشرق وأن المزيد من المركبات دخلت من اتجاهات أخرى، مؤكدا أن المجموع كان 25 مركبة عسكرية، مدعومة بحفنة من السيارات والشاحنات المدنية، وأنه رأى القوات تطلق النار وتقتل رجلاً في الشارع بالقرب من متجر عام.

وقال شاهد آخر إنه رأى رجالاً يرتدون الزي العسكري يطلقون النار على أشخاص على بعد حوالي 200 متر منهم، وأضاف، “كانت كل هذه المركبات العسكرية تتحرك … في القرية، وتطلق النار … على الرجال بشكل عشوائي”.

وقالت شابة إنها رأت جثة راعي في الثلاثينيات أو الأربعينيات من عمره يدعى آدم، الملقب بـ “جيلينكي”، وإن ” [المهاجمون] لم يقتلوا النساء بل أوقفوهن وفتشوهن وطلبوا منهن تسليم كل ما لديهن. ولكنهم إذا التقوا برجل أو شاب … كانوا يقتلونه على الفور”.

ووفقا للتقرير، قالت إحدى السيدات إن ابنها البالغ حبس نفسه داخل منزله، لكن القوات أطلقت النار على الباب باستخدام مدفع رشاش من طراز دوشكا، مما أدى إلى إصابته في مؤخرته.

وقال شاهد عيان إنهما شاهدا القوات تشعل النار في المنازل والممتلكات باستخدام الولاعات.

وقالت شابة أخرى: “رأيت ثلاثة رجال يدخلون إلى منزل وفي أيديهم ولاعات. يدخلون ويخرجون. وإذا لم يجدوا شيئاً يسرقونه، يخرجون وقبل أن يغادروا يستخدمون ولاعة لإشعال النار في المنازل المبنية من القش، من السهل جداً أن تنتشر النيران”.

وقال أحد الرجال إن ابن عمه، وهو صبي يبلغ من العمر نحو 15 عاماً يدعى موسى س، قُتل، كما أن شقيق موسى الأصغر، الذي يبلغ من العمر 8 أو 9 سنوات، أصيب بجروح بالغة عندما أشعلت القوات النار في المنزل الذي لجأ إليه الصبية.

وتُظهِر صور الأقمار الصناعية عالية الدقة التي التقطتها هيومن رايتس ووتش في 22 يناير/ عشرات المباني المحترقة في الجزء الغربي من القرية، كما وتؤكد صور الأقمار الصناعية منخفضة الدقة أنهما أحرقتا في 10 أو 11 يناير.

وبحسب التقرير نهبت كل من قوات درع السودان ومسلحون يرتدون ملابس مدنية القرية بشكل منهجي، حيث قالت إحدى السيدات إنها رأت أشخاصًا بملابس مدنية، وصفتهم بالعرب، يسرقون الماشية باستخدام شاحنة كبيرة من حيها في الجزء الجنوبي من القرية.

وقال رجل كان قد اختبأ في منزل في ذلك الصباح إنه قد رأى مسلحين يرتدون أردية تقليدية، ويعتقد أنهم عرب من مستوطنة مجاورة، ينهبون الماشية أثناء استمرار الهجوم.

وفي ذات السياق أكد شاهدان أخران إنهما رأيا مسلحين ينقلون الماشية خارج القرية وأن المسلحين أطلقوا النار عليهم.

وقال شاهد عيان أخر إن قوات درع السودان قد اتهمته بالعمل مع قوات الدعم السريع وأن منسوبيها احتجزوه وقيدوا يديه وعصبوا عينيه.

وأضاف أن راعيًا محليًا كان قريبًا قال لمنسوبي قوات درع السودان، “لماذا تهتمون باعتقاله، لماذا لا تقتلونه فقط؟”، ومن ثم أخذه المهاجمون إلى معسكر لقوات درع السودان، حيث كانت هناك مركبات تحمل شعار المجموعة، لكنهم أطلقوا سراحه في صباح اليوم التالي.

وبحسب التقرير دفن السكان الضحايا مساء يوم 10 يناير ويوم 11 يناير في ثلاثة قبور على الأقل، وقال شاهد آخر إنه شارك في دفن ثلاثة أشخاص على أطراف القرية.

وكان سكان طيبة قد واجهوا مضايقات متزايدة من المجتمعات العربية المجاورة في الأشهر التي سبقت هجوم يناير. وقال السكان إن “المعبئين”، وهي مجموعات مقاومة دربتها وسلحتها القوات المسلحة السودانية، ضايقت القرويين ومنعتهم من الوصول إلى بلدة الفاو وعطلت سبل عيشهم وسرقت الماشية.

وقال اثنان من السكان إنه قبل أسبوعين من هجوم العاشر من يناير، تعرضا للتهديد من قبل رجل وصفاه بأنه “زعيم” محلي لدرع السودان في القرية 39، ونقل عنه أحد الشهود قوله: “عليكم العودة والبقاء في طيبة!”.

وأضاف أجز هذين الشاهدين: “لقد هددني بحرق طيبة ومهاجمة طيبة”. وأضاف: “لقد انضممت إلى درع السودان على وجه التحديد بغرض التخلص من طيبة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى