رأي

آرثر قبريال ياك

 

أتيم سايمون

عندما اندلعت الثورة في جنوب السودان في مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، قال الرئيس الراحل نميري مستهزئـاً، انها مجـرد لصوص وقطاع طرق سيقضي عليهـم في غضون شهـورٍ. بالطـبع، والكل يعرف، لم يستـطع نميري القضـاء على الجيش الشعبي لتحرير السـودان. وعندما أصبـح الأمر معقـداً واخـذت الثورة تـأكل الأخضر واليابس، ولِحَثْ القبـائل الجنـوبية الأخرى غير الديـنكا، أتى نميري بفريـة قائلاً أن تلك الحركـة تنتمـي وتسيـطر عليهـا قبيلـة واحـدة هي الدينكـا، رغم ان الحركـة كانت تنـادي بوحدة السـودان على أسس جديـدة.

وعندما اخـذت القبائل الجنـوبية تنضم الى الجيش الشعبي، جماعات وزرافات، ورأى نميري، الذي لم يشـترِ احـد دعاياته الرخيصة تلك، تفتقـت عبقريتـه عن دعايـة أخرى بعد أن تحصل على منفسـتو الحركـة الشعبيـة التي كانت تميل الى الإشتـراكيـة، دعاية علها تستقـطب الدول الغربيـة في حربه ضـد الحركـة. وفي ذلك، نجـح نميري الى حـدٍ ما. بيـد أنه لم ينجح في القضـاء على الجيش الشعبـي كما وعد الشعـب السوداني.

لم ييأس نميري فقام – وتبعـته الحكـومات اللاحقـة في ذات الدرب— بخلق وترويج شـائعة سياسيـة مفادها أن الحركـة الشعبية ما هي الا حركـة إقليمـية ظاهرها وحـدة السودان وباطنها إنفصـال الجنوب عن الدولة الأم. وقد ظلت تلك الشائعة تلاحق الحركة الشعبية الى ان انفصل الجنوب.

سردي لهذه النقـاط أو التهم التي حاولت الحكومات في الخرطـوم إلصاقهـا بالحركـة الشعبيـة، أضف إلى ذلك الممارسات الخاطئة التي اسرعت بإنفصال الجنوب، ليس إلا محاولـة متواضعـة لـتذكيرنا نحن شعب جنوب السـودان، بأن النظر الى الأمـور بسطحيـة واستهزاء ومحاولة تقليصهـا بخـلق أكاذيب وافتراءات والقاء تُهـم دون إجراء قراءة متـأنية ومعرفـة جوهـر ما آلت اليه حال بلادنـا من حرب تقتل ابناءها، ربما قد تؤدي بنا إلى ذات المربع وذات التاريخ الذي حاولت الحكومات في الخرطـوم وضعنا فيه إلى أن وقع الفأس في الرأس وانفصل الجنوب دون رجعـة!

قبل اسابيع، أعلن الفريق توماس شريلو، وهو من قيـادات الجيش الشعبـي المشـهود له بالنضالات التي لا تشـوبها شائبـةً، عن حركة “جبهـة خلاص الجنـوب” أو “جبـهة إنقاذ الجنوب”، يـدعو إلى الإنضمام اليـها كل الجنوبيون، فانبرى له نفر يهاجمـونه ويتهمـونه بالقبليـة دون أن يعطوا أنفسـهم سانحـة ومعرفة لماذا تمرد الرجل، ودون أن يعطوا الرجل، أيضاً، الذي اعلن عن قومية حركـته، إثبات العكس! فإن كان الرجل قوميـاً لبقيت، وان كان قبليـاً فسوف يهلك وحركـته معه.

“فانك لا تجني من الشوك العنب، والحسـك لا ينتج إلا الحسـك!”

إتهام الرجل بالقبليـة لمجرد أن هناك أبناء من الإستـوائية انضموا إلى حركته، شبيه باتهام نميري للحركـة الشعبيـة بأنها حركـة قبيلة الدينـكا لمجرد إنضمام اعدادا كبيرا من شباب القبيلـة في بدايات اندلاع الثورة لحركةٍ قـائدها دينكاوي، ولو كانت الحركة كذلك، لما صمـدت طيلة العقدين ونيف في مواجهة حكومة تلو الأخرى في الخرطـوم. الصمـود هنا، كان نتيجـة البرنامج والتغيير الذي دعت له الحركـة الشعبية، وليس القبيلـة!

إتهام الرجل بالقبليـة، دون إثبات ذلك في سياساته وممارسـاته، يؤكـد عن شيء واحـد: هو أن الذين يلقـون تلك التهم ليسوا سواء قبليين أنفسـهم، وإلا لما نظروا إلى إنتماء الرجل الإثنـي دون ان يمنـحوا انفسـهم فرصـةً تجعلـهم يطلعون على برنامجـه السياسي والعسكـري.

أخيراً، دعونـا أن نلقـي بالتهـم الجُزافية غير المدروسة جانبـاً، وننظر بعينٍ فاحصـة، عن الأسبـاب التي جعلـت الناس تتمرد وتحمل السلاح ضد الحكـومة، ونبحـث عن جـذور الأزمـة\ات التي تواجهنـا، والتي إن لم نتداركهـا، سريعا، من الآن، فحلـها ستكـون عسيرة للغايـة.. وتاريخنا القريب، مع دولة السـودان، كفيل بأن تجعلـنا نعتـبر من الأخطـاء التي وقعت فيها الحكومات السودانية، والا، فان ذات التاريخ سيـكرر نفسـه. “وعندما يكرر التاريخ نفسـه، فلا بد من وجـود غباء في مكانٍ ما.” (يوم انتحار عزرائيل).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى