أنسنة (الكيبلات)
مؤخراً، كتب القاص والدكتور صلاح الزين مجموعة سردية سماها «المهملات»، وقد تابعت هذه النصوص قبل أن تصدر في كتاب. وفي «المهملات»، أعاد صلاح الزين استنطاق الأشياء التي داخل البيت السوداني وخارجه بشكل جمالي فريد، وكأنه يقوم بعملية إزاحة لها من موقعها كجمادات ساكنة إلى أشياء تسكنها الحياة، وترافق الوجود والذاكرة. وصلاح الزين هنا كأنه يقوم بفهرسة الذاكرة جمالياً، بحيث يكون الزير وكفتيرة الشاي والكانون ليس مجرد أشياء يحدد وجودها الاستعمال اليومي، بل حكاية وقصة تتأنسن، وتعيد موضعة نفسها من جهة المهمل إلى قلب سيرورة الحياة وتفاصيلها.
وبشرى الفاضل سبق صلاح الزين في ذلك، حينما جعل الحيوانات تتحدث في قصصه، وأشهرها «زيل هاهينا مخزن أحزان»، فقد كانت قصة عن كلبة وحياتها وسط قطيع الكلاب المشردة. بل جعل نهر النيل نفسه يتحدث ويتكلم.
لن نواصل كثيراً في هذا المدخل الأدبي، لكننا سنعرج على القصة السودانية الطريفة التي حدثت في أحد أحياء الخرطوم الراقية. يُقال إن رجلاً حلفاوياً ريفياً، مشبعاً بالعادات السودانية، سكن في هذا الحي بعد تحولات طبقية رفعته إلى مقام الأثرياء. وكان والده قد نزل في منزله مريضاً، قادماً من القرية، ثم لم يمضِ زمن حتى توفاه الله.
ويوم الوفاة، كان عند جيرانه مناسبة، ورغم علمهم بوفاة الجار وحزن الجيران، إلا أنهم علّقوا مكبرات الصوت، واستمرت حفلاتهم بالغناء والرقص، ولم يخرج أحد منهم مواسياً أو رافعاً الفاتحة.
يُقال إن الرجل الريفي طوى الأمر في داخله على مضض. حتى إنه، بعد زمن، توفي والد جيرانه. فذهب مسرعاً وقام باستئجار ساوند، وبالصوت العالي جداً صنع فرحاً من اللاشيء، كما في وصف الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال» لذلك الاحتفال التلقائي في قلب الصحراء: «وصنعنا فرحاً من اللاشيء».
أحس الجيران بالغضب لأن جارهم لم يحترم حزنهم على فقد والدهم، وذهبوا إليه يلومونه بغضب على قلة احترامه للجيرة. فرد عليهم الحلفاوي بسخرية وغضب:
«طيب ونحن الدفناه قبل شهر ده كان كيبل كهرباء؟»
مع استهداف طيران الحركة الإسلامية للأسواق وتجمعات الأبرياء في دارفور وكردفان، وسقوط المئات من الأبرياء احتراقاً بالبراميل المتفجرة، حدّ التفحم، واستهداف المسيّرات لمحطات الكهرباء في مناطق سيطرة الجيش، وردود الفعل الكبيرة المنددة بهذا العمل باعتباره هجمات ضد منشآت مدنية، وأنه سيؤثر على الحياة بشكل كبير، خصوصاً المستشفيات، يبدو أن الحرب المستمرة ليست هي حرب المسيّرات فقط، لكن العامل المستمر هو المأزق الأخلاقي للنخبة المدينية من جيوش البلابسة، ودون أي أدنى تبرير لقصف المنشآت المدنية.
لكن يبدو أن الكيبل في قصة الحلفاوي خرج من قبره ليقول: إنني لست مجرد كيبل أو محول كهرباء، أنا حياة أقيم من حياة الآلاف الذين يموتون تحت قصف البراميل المتفجرة. على الأقل، أنا أحدد الفرق في الاحتياجات بين مدينتنا وبين خلاكم البعيد، حيث إن الكهرباء هنا احتياج حياتي صميم، وحق لم يُوزع حتى الآن بالتساوي بين أصقاع البلاد. بينما أنتم، ما حاجتكم للمكيفات؟ وما حاجتكم للتلفزيونات وشحن الهواتف؟ هذا نمط حياتي يخصنا، يجعل من أمية الكهرباء بألف نفر من فقراء الريف البعيد، بالنظر إلى مسار خدماتها والاحتياج لها.
قلنا إن الحرب، سواء استهدفت المدنيين العزل أو المنشآت المدنية، أمر مرفوض بقواعد القانون الدولي الإنساني، لكن هنالك اختلاف في نتيجة الضرر بين حياة إنسان وبين «أمية كهرباء».
لذلك، وإن كنا لا نؤسس بمشروعية الرد هنا، لكن نكات الحلفاوي تحضر بقوة: أن في الخرطوم دُفن كيبل، وفي سوق «طرة» دُفن وجود وحيوات بشر.



