من يتابع الأوضاع في دارفور مؤخرًا يلاحظ بوضوح الفارق الكبير في مستوى الأمن والاستقرار، إلى جانب التعايش السلمي بين مكوّنات المجتمع بعد تحرير الفرق العسكرية الأربع: الفرقة (16) بنيالا، الفرقة (15) بالجنينة، الفرقة (21) في زالنجي، والفرقة (20) في الضعين، بالإضافة إلى الحصار الطويل الذي دام لأكثر من عام ونصف على الفرقة السادسة. هذا التغيّر كشف بجلاء أن الاستخبارات العسكرية والأجهزة الأمنية للدولة كانت العامل الرئيسي وراء معظم الصراعات القبلية التي شهدتها دارفور في السنوات الماضية.
لقد كانت هذه الأجهزة مسؤولة عن إزهاق الأرواح، وارتكاب الجرائم بحق المواطنين، وحتى عمليات سرقة المواشي والمحاصيل كانت ترتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي بعض الأحيان، كانت تدخلاتها تؤدي إلى تفكك الأسر والنزاعات الاجتماعية، لدرجة أن بعض السكان يروون ساخرين أن من يُطلّق زوجته في دارفور قد يكون للاستخبارات دور في ذلك.
أحد سكان الجنينة، ممن عايشوا بدايات الحرب هناك، روى أن الاستخبارات العسكرية نفذت ما يزيد عن ثماني جرائم قتل واعتداءات استهدفت العرب والمساليت على حدٍ سواء، بهدف إشعال الفتنة بين الطرفين، مع تركيز أكبر على العرب نظرًا لقوة ردّ فعلهم المتوقعة. وذكر أن اثنين من الشبان قُتلا أمام مقر أمانة الحكومة، ورغم المطالبات بتسليم الجناة، رفض الوالي ذلك، وسط تأكيدات بأن العملية كانت بتخطيط وتنفيذ من الاستخبارات.
العرب والمساليت كانوا يتعايشون في سلام لسنوات طويلة، حتى بدأت أجهزة الاستخبارات في زرع الفتن بينهم، ما أدى لاحقًا إلى نشوب الحرب الأهلية التي أودت بحياة المئات من الأبرياء.
لم تقتصر الفتن على العرب والمساليت فقط، بل سعت الاستخبارات إلى إشعال النزاعات داخل القبائل العربية نفسها، فاندلعت صراعات متكررة بين البني هلبة والسلامات، والرزيقات والمعاليا، والهبانية والرزيقات، والفلاتة والهبانية، إلى جانب توترات بين السلامات والفلاتة، والبني حسين والرزيقات. وكل هذه الصراعات كانت نتيجة مباشرة لتدخل الاستخبارات العسكرية والأمنية.
لكن بعد تحرير الفرق الأربع من قبضة تلك الأجهزة، اختفى الاقتتال القبلي، وتراجعت مظاهر العنف في دارفور، لتبدأ مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار. أصبحت دارفور اليوم ملاذًا للفارين من مناطق الحرب، ومقصدًا للنازحين من الولايات التي ما تزال تشهد صراعات محتدمة.
دارفور اليوم تنعم بالأمن، خالية من الحرب الأهلية، وبدأت تجذب المستثمرين والتجار من مختلف المناطق، كما عادت المنظمات الدولية للعمل فيها بعد غياب طويل بسبب الأوضاع الأمنية. جميع قبائل السودان باتت موجودة في دارفور، متعايشين بمحبة وسلام، دون نزاعات أو اقتتال، في مشهد يعكس تحولًا حقيقيًا نحو الاستقرار والوحدة.





