
ناصر محمد نوراني
(١)
السّينما هي بعض ما جرفه العمى من طريق تحصيلي المعرفي ؛ فقد عرفت هذه الشاشة الكبيرة ـ لما كانت لي عيون ـ تلاحق نظراتي البريئة وقتئذ الرسوم المتحركة ، حين كانت تحتوي دورُ السّينما بعضَ عروضها ، ثم استهوتني في بواكير الشباب أفلام الكاراتيه ورومانسيات السينما المصرية وغرائبيات نظيرتها الهندية ؛ حتى راكمتُ في تلك المرحلة المضيئة ، جانبا مهماًّ من مخزوني البصري ؛ وقد شارفتْ شمس عيوني على الغروب .
في لحظات النور الأخيرة ؛ لملمتُ المتناثرَ من خيوط بصري أحصر به التلفاز الذي انتقلت إليه ؛ لأنه في المتناول ، ولأن قدرته على ملاحقة أحداث الدنيا لحظةً بلحظة لاتُجارى ، ولأنه احتوى السّينما أيضا ؛ فوفر علينا مؤونة الرحلة إلى دُورها ، لكنه حرمنا متعتها .
لكنني حين أطْبق الظلام على عينيّ أو كاد ؛ بدأتُ أكتشف أن التلفاز ليس لكلّ مشاهديه ؛ فقد وجدتُني في هامش الإحاطة بكلّ تفاصيلِ الشاشة ، وجادلتُ نفسي والآخرين عن حقي في التلفاز ؛ إذ كان منطقياًّ ونحن أمام جهاز بصري ٍّ ألاّ يضع في اعتباره المكفوفين .
لكنّ المنطقيّ أيضا أنّ لنا نحن مُنطفئوالعيون ما لغيرنا من نصيبٍ مكفولٍ في هذا المنجز البشري ، نسترفدُ معلوماتنا ونُشبع حاجتَنا للترفيه ، ونُنعش وجدانَنا ونُحقّق أعلى مستوياتِ التفاعل فيما بيننا ؛ كيف لا ونحن جميعا غَدَوْنا كائناتٍ تلفزيونيةً بامتياز .
طبعا لا يمكن التغافل عن الصعوبة البالغة ، والتي تكاد تلامس حدود المستحيل لتحويل جزئياتِ الصورة التلفزيونية برُمّتها لتكون مادةً متاحةً للمكفوفين ، لكنّ هذه الحقيقة في ظني ، يجب ألا تستغرقنا ؛ فهي تفاصيل أو مجرّدُ واجهةٍ لما ينبغي أن نتأكد منه ، وهو الاقتناع أساسا بالفكرة أيْ حقّ المشاهدين جميعاً في الشاشة ، وهل هذا الاقتناع إنْ تحققَ تسنده إرادة الفعل التي يترجمها مخطّطو سياسات محطات البث التلفزيوني ، ومن ينفذونها على الشاشة . خذ مثلا ما تداولته القنوات واتفقت عليه ، حتى غدا تقليدا ، إلا من بعض الاستثناءات أعني الاكتفاء بالمدوّن على الشاشة من مواقيت البرامج وأرقام التواصل ، دون نقلها صوتاً ؛ وأذكر أنني تساءلت عن سرّ هذا الاتفاق ( التآمري ) على المكفوفين ؛ فتلقّيت أوّل ما تلقيت المفاجأة بالسؤال ، ثم التبريرات التي لاتستقيم على منطق ؛ من مثل أنّ هناك ضرورات فنية تَحُول دون ذلك ؛ غير أنّ ما يُحمد أنّ بعض هذه القنوات استجابت للاحتجاج المتنامي الذي سجّله المكفوفون فأعارت سمعَهم انتباهَها ، واكتشفت أنّ الأمر لم يُكلّفها سوى صوتٍ مصاحب ، مجرّد صوت يُكمل به المذيع قوله ؛ (يأتيكم في الأوقات التالية) ، أو إشارته ( يمكنكم التداخل معنا من خلال الأرقام الظاهرة أسفل الشاشة ) ، وأظن أنّ هذه الاستجابة مغرية لنا بالمطالبة بمزيدِ التمدّد الصوتي إلى ماهو مكتوب في الشاشة ؛ لنعرف مثلا أسعار العملات ودرجات الحرارة وخريطة توزيع الأنشطة المختلفة ، والوقوف ـ وهو الأهم ـ على لهاث الأحداث التي يجري بها الشريط الممتد أسفل الشاشات في هذه اللحظة العربية الراهنة المتسارعة بجنون .
هذه المطالبة بحقنا في الشاشة لم تَعُد اجتهادا فرديا اختيارياًّ تدفع به رغبة شخصية ، بل أصبح أخذاً بحقٍّ ضمنتْه آخر ما التقت عليه الإنسانية في ترقية أحوالنا ، أعني اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ، حيث شدّدت ـ فيما نحن بصدده ـ على المساواة ، والمشاركة ، والحق في الترفيه والمعرفة ؛ ملزمةً الدول بالتهيئة البيئية العامة وكذلك الجهات الخاصة بما أسمتْه الترتيبات التيسيرية المعقولة التي تُمكّننا من حقوقنا من دون أن ترتب أضرارا على تلك الجهات . فالمحطة التلفزيونية مثلاً بناءً على ذلك ينبغي أن تبتدع الوسائل التي تضمن لنا التواصل معها ، دون أن يكلفها ذلك ماديا أو بشرياًّ ، ولعل هذا ما ترجمته بعض شركات الإنتاج السينمائي حين زودت أفلامها بآلية (audience description ) تصف المشاهد للمكفوفين.
ولْنتذكرْ تلك الفكرة القديمة المبتكرة ، حين لم يكن مُتاحا نقل مباريات كرة القدم تلفزيونيا فكان المعلّق الرياضي يضع جمهوره الإذاعي في المشهد ، فيقسّم لهم الملعب إلى مربعات مرقّمة ؛ ثم يبني وصفه لسير المباراة . فإذا قال ـ مثلا ـ :إنّ اللاعب الفلاني يراوغ بالكرة في المربّع رقم كذا ؛ استحضر المستمع الصورة كأنه يراها. وأظن أن هذه الفكرة يمكن أن تُستعار تلفزيونياًّ مع التطوير . فالفلسفة القائمة خلفها هي ما نحتاجه في البحث عن الطرق التي تجعل الصورة التلفازية ناطقةً .
ولكي نُسهّل المهمّة على مباشري العمل التلفزيوني ـ إنْ هم اقتنعوا ـ لابد أن نستدرك بالإشارة إلى أنّ الشاشة العربية ( سينما وتلفاز) ، لم تُتقِن بعد ـ كما يؤكد أهل الاختصاص ـ فنَّ الصورة ؛ فهي تقدم في مادةً متخمة بالكلام ، منتمية في أغلبها إلى دائرة الاستماع ، ربما اتّكاءً على الخصيصة الشفاهية للمتلقّين العرب ، أو ربما لأنّ الانتقال الأول من الإذاعة إلى التلفاز علي أيادِي الإعلاميين العرب الأوائل في منتصف القرن الماضي ، لم يمرّ بمرحلةِ إعدادٍ بصّرتْهم بالفرق الهائل بين طبيعة الوسيلتين ( الإذاعيّة والتلفازيّة ) لذا نجدنا ونحن نخطوا في العقد الثاني من الألفية الثالثة ، نُتابع برامج تلفازية عديدة ، لو اختفت عنّا صورتُها لَمَا اختلّ من مشاهدتنا لها إلا الشيء اليسير ، ولنا أنْ نتأمّل في هذا الصّدد كيف تُبثّ البرامج الحوارية على الشاشة وفي الإذاعة في وقتٍ معاً ؛ لأنّ الصورة التي كان من المفترض أنْ تحضر داعمةً للمادّة المقدّمة ، هي شبه غائبة ، ولهذا عدَدَتُ شخصياًّ الخطوة التي اتّخذتْها بعض القنوات في بثّ نشراتها الإخبارية إذاعياًّ وتلفازياً في الوقت نفسه دون إنتباه إلى فوات الكثير من الفائدة على المستمع لأنه لن يحاط علما بالمادة المصوَّرة الصامتة المصاحبة للخبر ، مما يدل على أن القائمين على النشرة التلفازية متوجهون لمتابعيهم عبر الشاشة وحدهم .
(٢)
عددتُ هذه الخطوة تراجعاً ؛ لأنّ فيها اعترافاً بأنّ أمر الصورة غيرُ ذي قيمةٍ ، وفيها إلى جانب ذلك عدم احترام الحدود التقنية والفلسفيّة التي تعطي لكلٍّ من الإذاعة والتلفاز خصوصيتَهما
ولاأكتُمكم الحقيقة أنّ معاناتي مع الشاشتَيْن الصغيرة والكبيرة ، كانت تُعيدني بحنين إلى حبٍّ لم أفارقه ؛ ذلك أنّني مقيمٌ على التوله بالإذاعه ، عرفتُ هواها طفلا ، ثم أخلصتُ لها حين أصبح السّمع نافذتي الأوسع على الدنيا ؛ فوجدتُها تُفسحُ لي في قلبها ، ويتّسع بها خيالي ؛ إذْ أشاركها رسمَ المشاهد وتحويلَ أصواتها إلى دنيا أتأمّلها ؛ توازي دنيا المبصرين ، وربّما تتفوّق .
لكنّني وإنْ أكاد أكتفي بالإذاعة ، لا أتزحزح عن الإصرار لنيل حقّي في السّينما والتلفاز ؛ مشاهدا أصيلا غير مبصرٍ ، يقاوم الإقصاء والهيمنة البصريّة ، لأُلمّ بكلّ جزئيةٍ ؛ في الضّوء واللون ، وأفانين التصوير بالأذن المجرّدة.





