رأي

جمعة حراز يكتب : التحالف التأسيسي بين الآمال والتحديات: تطلعات المواطن نحو عهد جديد من الخدمات 

في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، تتجه أنظار المواطنين وقلوبهم صوب الحكومة المدنية المنبثقة عن التحالف التأسيسي، محمّلين إياها أحلامًا مؤجلة، وآمالًا مشروعة، وتطلعاتٍ طال انتظارها. فبعد سنوات من التجاهل والتهميش، أصبح لزامًا على هذه الحكومة أن تتحول من شعارات التأسيس إلى برامج بناء فعلي، تُعالج قضايا الناس الجوهرية، وتضع الإنسان السوداني في صدارة أولوياتها…لماذا تأخر الاعلان حتي الآن…

في مناطق النزاع، تُعد الأوراق الثبوتية أكثر من مجرد وثائق… إنها صرخة وجود وكرامة. آلاف الأطفال وُلدوا خارج السجلات الرسمية، ومواطنون بلا شهادات ميلاد، بلا بطاقات قومية، بلا ارقام وطنية ولا جنسية ولا جوازات… وكأنهم غير مرئيين في وطنهم. إن تسهيل إجراءات استخراج هذه الوثائق، وتفعيل السجلات المدنية، هو المدخل الحقيقي لأي مشروع وطني عادل.

لا تزال معاناة الطلاب في هذه المناطق عنوانًا صارخًا للتمييز. من تأخير نتائج امتحانات الشهادة السودانية، إلى صعوبة الوصول للجامعات، إلى حرمان من التعليم التقني والمهني. والآن، يقف التحالف التأسيسي أمام امتحان حقيقي… هل يستطيع ضمان التعليم كحق لا يُنتزع؟ وهل ينجح في إعادة الثقة في نظام تعليمي عادل، ممول، ومتاح للجميع؟

الكهرباء، المياه، الصحة، الاتصالات، والمصارف… كلها تمثل شريان الحياة، وانقطاعها هو اختناق يومي للمواطنين. آن الأوان أن تتحول السلطة الجديدة من إدارة الأزمة إلى إنتاج الحلول. آن الأوان أن نرى شبكة اتصالات وطنية، ومصارف تدير حركة المال بلا تمييز، وخدمات علاجية تنقذ الأرواح بدلًا من تركها فريسة للموت البطئ.

إن تمويل المشروعات الصغيرة ليس ترفًا اقتصاديًا، بل هو جوهر العدالة الاجتماعية، وسلاح فعّال لمواجهة الفقر والبطالة. شباب المناطق التي عانت الحرب يمتلكون العزيمة، ويحتاجون فقط إلى بيئة داعمة، إلى تمويل شفاف، إلى تدريب وتوجيه. فهل تنجح الحكومة التأسيسية في تحويل آلام الحرب إلى فرص إنتاج حقيقية؟

السودان لا تنقصه الموارد، بل الإدارة والرؤية. فتح أسواق جديدة لصادرات المواشي، الحبوب، المعادن، والمنتجات المحلية، هو معركة سيادية بامتياز. يجب كسر القيود القديمة، وفتح أبواب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتجاوز الهيمنة التي جعلت السودان سوقًا تابعًا لا فاعلًا.

تظل قضية البترول إحدى أعقد القضايا، ليس فقط لكونها موردًا اقتصاديًا، بل لأنها تُجسد سؤال السيادة. إن تفعيل مصفاة الأبيض، وضمان استفادة المواطنين من مواردهم النفطية، ووقف التهريب المنظم، هي أولويات لا تقبل التأجيل. فالبترول ليس لعواصم المصالح، بل لقرى البسطاء الذين حُرموا من وقود تنميتهم لسنوات.

الشعب في مناطق سيطرة الدعم السريع لا يبحث عن تفضيل، بل عن إنصاف. لا يريد خطابًا رنانًا، بل فعلًا راشدًا. وكل الآمال معلقة على التحالف التأسيسي بأن يُحدث الفرق، ويُبرهن أن السلطة المدنية حين تنبع من وجدان الناس، تصبح أكثر صدقًا، وأصدق وعدًا، وأقدر على بناء وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى