رأي

جمعة حراز يكتب: الضعين.. مدينة لا تنكسر وحاضنة كل السودان

في لحظة فارقة من تاريخ السودان، حين ضاقت الأرض بأهلها وأظلمت سماء الوطن بالمؤامرات والحروب، فتحت مدينة الضعين قلبها قبل بيوتها، لتستقبل ضيوفها بكرم لا يُجارى، ومروءة لا تضاهى. كانت الضعين ـ وما تزال ـ عنوان الملاذ الآمن لكل من ضاقت به السبل، وموئلاً لكل هارب من جحيم النزاعات.
تحت قيادة الناظر محمود موسى إبراهيم مادبو، ووكيله، تجسد الضعين أروع معاني الجود الحاتمي والكرم السوداني الأصيل، حيث لم تُغلق الأبواب يوماً في وجه قادم، ولم تبخل البيوت بأسرّتها ولا الموائد بخيراتها. هنا في الضعين، يردد الجميع بكل صدق:
الأسر فتحت منازلها، والشباب والخيرون أطلقوا المبادرات الإنسانية، يجمعون الغذاء، ويعدون المأوى، ويبلسمون جراح الغربة عن الوطن الصغير في رحاب الوطن الكبير. وبينما يواصل المتربصون بث سموم الفرقة والفتنة، ويصفون المدينة الحاضنة بسوق للغريب، كانت الضعين ترفع راية الوحدة والكرامة، متحولةً إلى مركز تجاري واقتصادي وخدمي نابض، وبوابة مشرعة لكل قبائل دارفور، ولكل السودان من شماله وشرقه ووسطه.

وهنا، يعيش كل أهل السودان في بيت الضعين بأمان وسلام، رغم قسوة الانتهاكات، ورغم قانون “الوجوه الغريبة” الذي حاول البعض فرضه في أماكن أخرى. في الضعين، لا فرق بين أحد، فكل من “آدم” و”آدم أبو البشر” هم أبناء هذه الأرض الطيبة، يعيشون تحت سقفها، ويتقاسمون خيراتها، في صورة مشرقة للوطن الواحد.
وفي هذه اللحظة التاريخية، يحث الناظر مادبو المواطنين على ترسيخ السلم الاجتماعي، وإدارة المبادرات المجتمعية بإرادة صلبة لا تعرف الوهن، ساعياً لغرس شجرة الاستقرار، ودحر دعاة الفتنة من فلول الطغاة الذين لا يعرفون إلا القتل والطرد.
مدينة الضعين لم تكن يوماً إلا حضناً دافئاً لكل من ضاق به الوطن الكبير. فمنذ التاريخ القديم، حين جاء القائد جمال عبد الناصر باحثاً عن النصير، وعندما جاء الزعيم الأزهري واضعاً أولى لبنات وحدة السودان، كانت الضعين في الموعد، تستقبلهم استقبال الفرسان على صهوات الخيل، لا استقبال الرعية للسادة.

واليوم، حين تتعالى الأصوات في مسيرات المليونيات، تبارك مؤتمر نيروبي، وتؤيد ميلاد دولة السودان الجديدة، وترفض مجازر الجزيرة والكنابي، تتجلى عظمة أهل الضعين مجدداً، إذ يعلنون بملء حناجرهم أن صوت الهامش والمظلومين لن يُسكت، وأن هذه المدينة عصية على الانحناء أمام عواصف المؤامرات الخارجية.
الضعين، حاضنة الثورة، ورمز التأسيس، وأرض الهامات العالية التي لم تعرف الخنوع، تسطر اليوم ملحمة أخرى في سفر الحرية، ملحمة تليق بشعب أراد الحياة… فاستجاب له القدر.
الضعين… ستبقى مشعلاً لا ينطفئ في دروب الكرامة، مهما اشتدت المحن وتعالت العواصف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى