رأي

حاتم الياس يكتب : حوار البرهان العائلي

ليست هذه هي المرة الأولى التي يُعلن فيها في السودان ابتدار حوار وطني، فهو يبدو أنه صار أحد أدوات الأنظمة الدكتاتورية طوال عهودنا البائسة، فمنذ المصالحة الوطنية في عهد نميري، مروراً بوثبة عمر البشير، وأخيراً مع دعوة قائد الجيش للحوار، بل وتكوين هيئة للحوار والاتصال بالقوى السياسية، وجدتُ في هذا الظرف المعقد والكارثي حقاً رفضاً من القوى السياسية المناهضة للحرب.

فالواضح فيها أنها محاولة لترقيع شرعية عارية، سيحار أمر ترقيع عريها ذاك أمهر الترزية في تاريخ السودان. لكن بشكل ما، وبالنظر إلى القوى السياسية التي تبنت هذا الحوار، لفت نظري حوار سريع في الجزيرة الإنجليزية، في برنامج Inside Story، وكان من بين المستضافين أحد المحللين من مجموعة الأزمات الدولية. قال إننا لا يمكن أن نطلق على هذه الدعوة حواراً، حيث إنه حوار بين قوى أصلاً داعمة للجيش، بمعنى «زيتنا في بيتنا».

لكن بالصيغة المطروحة لهذا الحوار، وقرأت حواراً لعضو اللجنة الأستاذ نبيل الديب، يحاول فيه أن يقدم المنطق السياسي والقانوني لمبادرة البرهان بما يتماشى مع رغبات السلطة، بدا لي هذا الحوار كحالة عائلية أكثر من كونه سياسية.

وأتذكر هنا أن بعض العائلات التي تمددت وقل تواصلها مع بعضها البعض لجأت إلى عقد اجتماعات شهرية في بيت أحد أفراد العائلة، كمناسبة للالتقاء وربط الأجيال الجديدة مع بعضهم البعض، وبالطبع تكون هناك وليمة واجتماع عائلي كبير تُناقش فيه الشؤون الأسرية، وتوسل دفء الأقرباء والعشيرة في حياة المدن القاسية التي ابتلعت أواصر المحبة، وتقريب البعيد.

بدا لي أن دعوة البرهان هذه شبيهة إلى حد كبير بالشؤون العائلية السياسية، ومثل تلك العائلات التي تجتمع كل فترة لتقوية الأواصر.

لكن من ناحية أخرى، خارج تشبيهات الحالة الاجتماعية تلك، فإن هذا الحوار ليس مثل حوار المصالحة الوطنية في عهد نميري، ولا هو حوار الوثبة الإنقاذي، إنما يأتي في زمن مختلف، ومن الحرب وزمن تفجر كل التناقضات التاريخية التي كانت تعتمل وتموج داخل الأزمة التاريخية السودانية.

وكانت كل محاولات تطبيبها تفشل، أي المحاولات التي كانت تسعى لإيقاف الانفجار وإيجاد حلول، وكانت ذات طابع تخديري، بما فيها الانتفاضات المدنية إلى حد ما؛ لم تقف أمام أصل الأزمة.

فهي ليست حالة حوار أو تفاوض وجلوس حول الطاولات، وإنما السؤال: ما هي الأسئلة التي سنحملها لهذه المفاوضات والحوار؟ حول كيف يُحكم السودان، وإلى ولاية دستور، ووضع المؤتمر الوطني، وتركة التمكين، وحياد جهاز الدولة تجاه المكونات السياسية والاجتماعية.

هل نحن كالعادة أمام حوار وتفاوض حول مستقبل أفضل لشعبنا، مع إجراءات هيكلية وبنيوية قاسية في شكل الدولة وإدارتها، أم أنها محاولة جديدة تريد أن تلتف على منطق وحقائق التاريخ لتأبيد سلطة وحكم وطبقة فقدت منطق استمراريتها؟

إن اللحظة التي قعدت فيها تلك القوة المتآمرة والمتهورة قواتها تجاه المدينة الرياضية لم تكن لحظة إطلاق رصاص فقط وسقوط شهداء قاوموا بشراسة. وانما لحظة تفجر وعي ، تلك القوات التي تريد أن تنظف درب التاريخ ليكون سالكاً ونظيفاً، للحركة الإسلامية ــ ليست كتنظيم فقط، وإنما أحد تعبيرات الهيمنة الطبقية التي تريد أن تفرض شروط استمرارها وهيمنتها، حتى ولو كانت تجلس على كرسي يقف على قائمين فقط. هي لو كانت تدري مٱلات مافعلته ونتائجه لأحجمت عن ذلك الأمر

ونحن في تحالف تأسيس، وإن لم نكن معنيين بهذه الدعوة العائلية باعتبارنا خارج هذه العائلة السعيدة، وسياسيين شتات، لكن هذا لا يمنعنا من أن نسدي النصح للقائمين بهذا الحوار، ونقول لهم: فات عهد التربيت على موضع الألم وتخديره، وإن أوان البتر، …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى