رأي

ياسمين المصري تكتب: التعيين الوزاري الجديد لحكومة الأمر الواقع بين حسابات الولاء، وكسب ثقة الهامش أم إعادة إنتاج المركز؟

في هذه المرحلة الانتقالية المضطربة اللتي تمر بها البلاد، ومع تصاعد التوترات داخل أروقة حكومة الأمر الواقع، جاء تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسا للوزراء كمحاولة جديدة لإعادة ضبط المشهد السياسي. غير أن ما تبع هذا التعيين من قرارات، خصوصا تلك المتعلقة بالمناصب السيادية مثل وزارتي الدفاع والداخلية، كشف عن تعقيدات لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والاجتماعي الراهن.

لم يكن اختيار وزير الدفاع تحديدا حدثا عابرا، بل خطوة مدروسة في توقيت حرج، تعكس صراعا خفيا بين منطق الكفاءة ومنطق الولاء، بين من يسعى لبناء دولة عادلة، ومن لا يزال يحكم بمنطق الصفقة والتوازنات. الوزير المعني ليس مجرد شخصية عسكرية، بل يمثل مكون ظل لعقود يقاتل من أجل قضايا عادلة تتعلق بالتهميش، والمساواة، وبناء دولة مركزية عادلة. لذا، فإن تعيينه يفتح الباب لتساؤلات جوهرية: هل نحن أمام تحول نوعي في نظرة الدولة إلى قوى الهامش؟ أم أن ما يحدث هو إعادة إنتاج لنمط قديم، يعيد فيه المركز ترتيب أوراقه لضمان السيطرة؟

ومع تزايد الخلافات بين المكونات العسكرية، تحديدا بين الجيش و”المشتركة”، برز التوتر بشكل أوضح حول التشكيل الوزاري الجديد، والذي أثار سخطا واسعا وسط النشطاء السياسيين المرتبطين بالمشتركة. هؤلاء ظلوا متمسكين باتفاقية جوبا، رغم أنها أصبحت عمليا اتفاقية “منتهية الصلاحية”، لا يمكن الاعتماد عليها كأساس قانوني أو سياسي لتقاسم السلطة في ظل واقع متغير ومعقد.

قوى “المشتركة” التي ظنت أن ولاءها العسكري للجيش سيحفظ لها موقعا ثابتا في الترتيبات القادمة، فوجئت بأن الجيش يسعى لتهميشها فعليا، والذي أظهر نوايا جديدة بإعادة هيكلة المشهد السياسي بطريقة تُقلص من نفوذ الشركاء السابقين. هذا الواقع خلق حالة من الانكشاف السياسي، جعلت “المشتركة” تبدو كقوة فاقدة للفاعلية السياسية، تتمسك باتفاقية باطلة بينما الديناميكيات على الأرض تتجاوزها.

إن عدنا إلى أبعاد هذا التعيين نجد أنها أبعاد سياسية واستراتيجية فالتعيين يعكس محاولة لاحتواء مكون أصبح فاعل أساسي في تحالف يهدد بتشكيل حكومة موازية، وبالتالي فإن إدخاله في بنية السلطة القائمة قد يهدف لتحييد تأثيره وتحويله إلى شريك رمزي وهذا بدوره يؤدي الي إعادة توزيع توازن القوى داخل المؤسسة العسكرية فهذا الاختيار الذي جاء من خارج القوى التقليدية الحليفة للجيش يشير إلى نية في إعادة ضبط ميزان الولاءات داخل المنظومة العسكرية، وربما حتى تفكيك تحالفات قديمة. وأيضا ضرب شرعية اتفاقية جوبا وإعادة تعريف من يملك الحق السياسي فهذا يسحب البساط من تحت أقدام المشتركة التي باتت تصر علي التمسك باتفاقية فاقدة للشرعية القانونية والشعبية مقابل قوى جديدة تفرض نفسها بالواقع والنفوذ ربما ينظر البعض إلى أن إدخال ممثلين من القوى التي تعتبر هامش للحكومة يعني بالضرورة منحهم سلطة فعلية، ولكن قد يكون مجرد غطاء لتجميل المشهد دون تغيير جوهري في بنية الحكم.

ما يجري اليوم ليس مجرد تغييرات وزارية أو تحالفات مؤقتة، بل هو صراع عميق حول سؤال: من يملك حق تمثيل السودان؟ هل هو من قاتل لأجل العدالة لعقود طويلة؟ أم من يتشبث باتفاق لم يعد يعكس الواقع؟ أم أن المركز يعيد ترتيب أوراقه ليمتص الجميع ويحتفظ بالسيطرة باسم الشراكة؟
في ظل كل هذه التناقضات، يبدو أن معركة تشكيل الحكومة المقبلة ستحدد ليس فقط من يحكم، بل كيف سيُعاد تعريف مفهوم “الشرعية” نفسه في السودان القادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى