تقرير _ الجماهير
وصف سياسيون ومحللون الدعوة التي أطلقها قائد الجيش «عبد الفتاح البرهان» لإجراء حوار سوداني–سوداني داخل البلاد بأنها محاولة للبحث عن شرعية سياسية مفقودة، مشبهين الخطوة بـ«البحث عن التفاح في مزرعة عجور» ، في إشارة إلى صعوبة الوصول إلى نتائج حقيقية في ظل استمرار الحرب وغياب الشروط اللازمة لحوار سياسي شامل.
وكان البرهان قد دعا، خلال الأسبوع الماضي، إلى إجراء حوار سوداني–سوداني من الداخل، أعقبتها اجتماعات بين شخصيات وصفها مراقبون بأنها عامة، برز من بينها المحامي د. «نبيل أديب» ، رئيس اللجنة القانونية في تحالف قوى الحرية والتغيير–المجلس المركزي سابقاً، ورئيس لجنة التحقيق في جريمة فض اعتصام القيادة العامة، وذلك في إطار الترتيب لانطلاق الحوار.
ويرى مراقبون أن الخطوة تبدو أقرب إلى الفشل حتى قبل انطلاقتها، فيما شبهها مفكرون ومحللون بـ«حوار الوثبة» الذي أطلقه الرئيس المخلوع «عمر البشير» ، باعتباره محاولة لاكتساب شرعية سياسية مفقودة وتكريس واقع فرضته القوة العسكرية، بدلاً من الوصول إلى تسوية سياسية تستند إلى توافق وطني واسع.
من أبرز الشخصيات في اللجنة التي كونها «البرهان» للحوار السوداني المحامي «نبيل اديب» ، في السياق يقول المفكر والمحلل السياسي د.«النور حمد» انه هذا في حد ذاته كاف للتدليل على ان الحوار لن يكون حوارا وإنما مجرد “منولوج” _حسب قوله_ يحاور فيه البرهان وعصابته من عسكريين وإخوان مسلمين أنفسهم. فهو إن جرى سيكون أكثر “مونولوجية” من حوار البشير المسمى “حوار الوثبة”.
ويمضي حمد في حديثه لـ « الجماهير » لقد ظهر تماهي المحامي «نبيل اديب» مع «البرهان» وعسكر الإخوان المسلمين في قتله المتعمد للتحقيق في جريمة فض الاعتصام. فـ نبيل أديب حين كان يتحدث عن التعقيدات والصعوبات التي تكتنف التحقيق وحين كان يطلق في ذلك تصريحات لتخدير أهالي الضحايا وعموم جمهور الثورة، كل آونة وأخرى، إنما كان على علم بخطة انقلاب (25) أكتوبر (2021)، الذي أطاح فيه «البرهان» بحكومة «حمدوك» فهو فيما أظهرته ملابسات الأحداث قد كان فقط ينتظر حدوث ذلك الانقلاب ليذهب ذلك الملف الهام أدراج الرياح.

ويمضي ” إلى جانب بروز «نبيل أديب» بكل خيانته للثورة التي علمها القاصي والداني فهذه الأسماء التي تكونت منها اللجنة، من بقي منهم فيها ومن قيل أنه ابتعد عنها، جميعهم ذوو صلة وثيقة بالدوائر المصرية. وهذا يجعل من هذا الحوار امتدادا طبيعيا لخطة فض الاعتصام المصممة مصريا لقتل الثورة في مهدها. وكذلك، لتكوين الحرية والتغيير الكتلة الديمقراطية، التي حضر تدشينها السفير المصري في قاعة الصداقة. وكذلك هي امتداد طبيعي لاعتصام الموز، الذي طالب بانقلاب (25) أكتوبر الذي نفذه البرهان.
وقال ” فهذه اللجنة مصرية برهانية وما سوف تقوم به ليس سوى “تحصيل حاصل”. فهي لن تأتي، في نهاية الأمر، إلا بجنين ميت. وقد فعلت القوى المدنية خيرا حين رفضت هذا الحوار المسخرة، والأضحوكة.
*إعادة إنتاج السلطة*
ويرى المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا، «فؤاد عثمان» ، أن ما يطرحه البرهان تحت مسمى «الحوار الداخلي»، والاستعانة بشخصيات مستقلة، لا يمثل خطوة حقيقية باتجاه السلام، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة إنتاج السلطة القائمة.
وقال «عثمان» ، في حديثه لـ«الجماهير»، إن الهدف الأساسي من الخطوة هو «الالتفاف على القوى السياسية الحقيقية، وإيجاد واجهة مدنية شكلية تغطي على النفوذ الممتد لعناصر النظام السابق داخل أجهزة الدولة، وتوفر غطاءً لاستمرار الحرب».
ويستبعد «عثمان» أي فرصة حقيقية لنجاح المبادرة، معتبراً أن فرص نجاحها «شبه معدومة»، في ظل الظروف الحالية.
وأضاف أن الحوار الحقيقي «لا يُدار في ظل القصف والملاحقات، ولا يُبنى باستبعاد الفاعلين الأساسيين واختيار حوار على المقاس لشرعنة أمر واقع لا يخدم سوى إطالة أمد الأزمة”.
*محاولة شرعنة وجود البرهان*
من جانبه، سخر المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية د. «مصعب فضل المرجي» من الدعوة إلى الحوار، في وقت لا تزال فيه الحرب مشتعلة في أجزاء واسعة من البلاد.
وقال فضل المرجي لـ«الجماهير» إن دعوة البرهان «ليس لها تفسير آخر سوى محاولة شرعنة وجوده كسلطة»، لكنه رأى أن البرهان “غير مدرك أن شرعنة السلطة لا يمكن أن تتم إلا عبر توافق سوداني حقيقي، وتوقف الحرب، وعودة قرار من يحكم السودان إلى الشعب السوداني، وليس إلى قرار حزب سياسي يتوارى خلف الجيش”.
ويضيف «المرجي» أن الدعوة إلى الحوار في ظل استمرار الحرب تطرح تساؤلات أساسية حول طبيعة الجهة التي يُراد منها إنتاج الشرعية، وما إذا كان الحوار المقترح يستهدف إنهاء الأزمة فعلاً، أم إعادة ترتيب المشهد السياسي بما يضمن استمرار السلطة القائمة.
*البحث عن شرعية أفريقية*
ويمضي «فضل المرجي» في قراءته للخطوة، مشيراً إلى أن البرهان يبحث كذلك عن استعادة شرعية أفريقية، عبر فك تجميد نشاط السودان داخل الاتحاد الأفريقي.
إلا أنه يرى أن بروتوكولات الاتحاد الأفريقي تحول دون عودة السودان إلى ممارسة نشاطه بصورة طبيعية داخل مؤسسات الاتحاد ما لم يلتزم بالشروط والبروتوكولات المنظمة لعضوية الدول، الأمر الذي يجعل الرهان على الحوار الداخلي وحده لاستعادة الاعتراف الإقليمي أمراً بالغ التعقيد.
وبينما تُطرح الدعوة للحوار باعتبارها مسعىً سودانياً لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية، يرى منتقدوها أن غياب القوى السياسية والمدنية الأساسية، واستمرار العمليات العسكرية، يجعلها أقرب إلى محاولة لإنتاج شرعية جديدة للسلطة القائمة، بدلاً من تأسيس عملية سياسية قادرة على إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.
وبذلك، يبقى السؤال الأبرز: هل يقود الحوار المقترح إلى تسوية سودانية حقيقية، أم أنه يعيد إنتاج تجربة «حوار الوثبة» في ثوب جديد، بحثاً عن شرعية سياسية لواقع فرضته الحرب؟




