رأي

خالد عبيد يكتب : لا وَأَلْفُ لَا… يَا يَاسِرَ سَعِيدَ عَرْمَانَ

نَعَمْ لِتَفْكِيكِ الجَيْشِ السُّودَانِيِّ وَاسْتِئْصَالِ شَأْفَتِهِ، وَهُوَ الحَلُّ وَالحَلُّ الأَوْحَد

((وليس من مصلحة السودان والسودانيين الإبقاء علي هذا الجيش القبلي الإرهابي ))

في مستشفى سانت جونز وسانت إليزابيث رقد الدكتور منصور خالد على فراش المرض، بجسدٍ ضامر وعروقٍ بائنة. ومع ذلك ظل، حتى آخر لحظة وآخر نفس، حاضر الذهن والفؤاد، رابط الجأش؛ لم يضعف ولم تخُر قواه. صحيح أن الجسد قد وهن، لكن عزيمته لم توهن.

وبصوتٍ واثق ظل يردد ـ في اتساق فكري وموضوعي مع الرواية التي حملها بصدق عن النخب السودانية التي أدمنت الفشل :

«تافهون أضاعوا البلد- ويقصد النخبه السوداني التي ادمنت الفشل مع سبق الإصرار والترصد ».

كان منصور خالد يردد هذه العبارة ويستشيط غضباً، لا باكياً

المعروف عن ياسر سعيد عرمان كان ناطقاً رسمياً للحركة، ولم يُعرف عنه أنه مفكر أو زعيم عسكري. لذلك فقد قدم إلى الحركة من نقطة شديدة الريبة، بعد اتهامه من قبل السلطات القائمة -وقتها -بجريمة قتل طالبٍ زميل له مخالفٍ له في الرأي. ولا ندري إن كانت هذه الواقعة حقيقية أم أنها من باب الكيد السياسي.

هناك سؤال يطرح نفسه: هل ياسر عرمان مؤهل فكرياً وعسكرياً وسياسياً ليدلي بدلوه في القضايا الكبرى والقضايا المصيرية بنزوعٍ رغائب

سأحكي واقعة هنا، وشهودها أحياء، وليحكم القارئ بعد ذلك.

ثلاثة من الضباط السودانيين طالهم ظلم وحيف تمكين الحركة الإسلامية، حين تغلغلت داخل الجيش السوداني وما صاحب ذلك من خلل بنيوي وتفكيك لمؤسساته. لم يجد هؤلاء الضباط سبيلاً سوى الفرار، فهربوا إلى أسمرة، وهناك التقوا بياسر عرمان وطلبوا الالتحاق بالحركة. غير أن لشيءٍ في نفس يعقوب، أبت نفس ياسر عرمان الأمّارة بالسوء إلا أن تحرّض عليهم الاستخبارات الإريترية.

في ذلك الوقت كان الجنرال دخلي مكلفاً من قبل الحكومة الإريترية بملف المعارضة السودانية. وكان الرجل صاحب خبرة عسكرية وحنكة سياسية ومعرفة ببواطن الأمور، فضلاً عن علاقات واسعة ونظرة استخباراتية ثاقبة لا تخطئها العين.

عندما التقى بالضباط السودانيين، وكانوا يحملون أوراقهم الثبوتية، استشعر ـ بحكم خبرته ـ صدق روايتهم؛ فحمل الأوراق الثبوتية الأصلية يسهّل عملية التقصي والتحقق. ومع ذلك خامره شعور بالشك والريبة في رواية ياسر عرمان، فبادر بالاتصال بالكمرد هاشم بدر الدين، الذي حضر على الفور، واستمع إلى الرواية وتأكد من تفاصيلها.

لم يتأخر هاشم بدر الدين في رفع الأمر، فاتصل بدوره بكلٍ من القائد جون قرنق والدكتور منصور خالد. وعندما اتضحت الصورة وتأكدت صحة رواية الضباط السودانيين وصدقهم، غضب الدكتور جون قرنق والدكتور منصور خالد غضباً شديداً، وأجمعا على إقالة ياسر عرمان.

غير أن حكمة الدكتور جون قرنق، وحرصه على وحدة الصف وعدم شق الحركة، دفعته إلى طرح فكرة أخرى؛ فتم الإبقاء على ياسر عرمان، ولكن مع تحديد صلاحياته، على أن يرجع في الصغيرة والكبيرة ـ فيما يخص الإعلام ـ إلى مكتب الحركة.

وبعد أن برّأ الجنرال دخلي، الإريتري الجنسية، الضباطَ الهاربين من بطش نظام الإخوان المسلمين، الذي حوّل الجيش إلى خلية إخوانية غاشمة، التحق الضباط الثلاثة بصفوف الحركة. ولم يلبثوا أن خاضوا القتال بجسارة، حتى أصبحوا من خُلّص ضباط الجيش الشعبي.

وفي هذا السياق، يبدو ياسر عرمان شبيهاً بمالك عقار في الشق السياسي؛ ذاك الذي يأتيك بالدبيب، مشربكاً في رجليه.

ويروي همس المدينة أيضاً أن هناك حادثة أخرى تتعلق بياسر عرمان؛ إذ يقال إن أحد الإخوة الجنوبيين كان غاضباً منه ذات مرة، فقضم جزءاً صغيراً من أذنه. ولا أعلم الكثير عن ملابسات هذه الواقعة: أهي حادثة حقيقية أم مجرد همس مدينة.

توثقت علاقتي بالحركة الشعبية، وازددت عمقاً في قراءة فكرها وأدبياتها عندما رتبنا لندوة “الوحدة والتنوع”، أنا وصديقي الدكتور حيدر إبراهيم وعلي وآخرون، بمناسبة ترجمة أعمال المفكر فرانسيس دينق في مركزه الثقافي: مركز الدراسات السودانية. كانت تلك المناسبة مدخلاً مهماً لفهم أعمق لمشروع السودان الجديد، وللنقاش حول بنية الدولة السودانية وإرثها التاريخي الذي ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على حاضر البلاد ومستقبلها.

إن المحافظة على الجيش بهيكله الحالي ليست في حقيقتها سوى محافظة على إرث الاستعمار، كما أنها تمثل حفاظاً على مصالح إقليمية مرتبطة بمصر وبشبكات الولاء القديمة، بعيداً عن مسألة الإسلاميين وحدها. فالجيش، في تركيبته الراهنة، يبدو وكأنه مؤسسة مُستَخدمة (Outsourced) لصالح قبيلتين، بينما يتحول بقية المشهد إلى مليشيات متفرقة.

هذا الواقع لا يعكس فقط خللاً مؤسسياً، بل يمثل في جوهره تقليلاً من قدرة السودانيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وكأن البلاد لا تزال أسيرة لتوازنات ما بعد الاستعمار.

ومن هنا، فإن أي مشروع للتأسيس الجديد لا يمكن أن يتجاوز هذه الحقيقة. فالتأسيس الحقيقي للدولة لا يكون بإعادة إنتاج الهياكل القديمة، بل بتفكيكها وإعادة بنائها على أسس جديدة. وإن لم تفعل حكومة التأسيس ذلك، فإنها ستكون من الخاسرين في معركة بناء الدولة.

في فجر 15 أبريل بدا الدعم السريع وحيداً في الميدان، وكان يخشى أن يخطو خطوة التغيير فيوصم بالخروج عمّا كان عليه آباؤه. لكن مآلات الصراع أعادت تشكيل المشهد؛ فالدعم السريع اليوم، ضمن تحالفه التأسيسي، يمتلك شبكة من الحلفاء الإقليميين والدوليين، ولم يعد ذلك التردد القديم قائماً بذات القدر.

إن هذا المخاض السياسي والعسكري الذي تشهده البلاد يذكّر، في بعض ملامحه، بالمخاض التاريخي الذي سبق مؤتمر الخريجين؛ تلك اللحظة التي تشكل فيها الوعي الوطني الحديث، وبدأت النخب السودانية تبحث عن طريقها الخاص نحو بناء الدولة.

ولو كان مشروع التأسيس قد انطلق من الخرطوم نفسها، ربما كان المشهد مختلفاً. وربما أيضاً كان ياسر عرمان أحد الذين قدموا نصائح لمستشاري الدعم السريع، نصائح بدت عرجاء في نتائجها، وهي نصائح يدفع ثمنها السودان اليوم في مآلات الحرب التي طال أمدها.

لقد دخل ياسر عرمان الحركة الشعبية ـ في تقديري ـ بدافع الخوف أكثر مما دخلها بدافع القناعة أو الحب. ولم يكن يوماً مفكراً في صفوفها؛ بل كان أقرب إلى دور سياسي تنظيمي، يمنح الحركة قدراً من التنوع، لكنه لم يضف إليها فكراً بالمعنى الحقيقي.

في المقابل، لا تزال “دويلة 56” تمتلك حرسها القديم، كما أن كثيرين ما زالت تأخذهم الأشواق إليها، وإلى نظامها السياسي والاجتماعي الذي تشكل بعد الاستقلال.

لكن التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم لا يكمن في تفكيك الإسلاميين وحدهم. وعلى القوى الإقليمية والدولية، وعلى الحادبين على مصلحة الشعب السوداني وإرادته، وفوق ذلك كله على الفاعلين السياسيين السودانيين، ألا يقعوا في هذا الفخ.

فالمعركة الحقيقية ليست مع الإسلاميين وحدهم، بل مع بنية المؤسسة العسكرية التي شكلت على مدى عقود الحاضنة الأساسية لإعادة إنتاج السلطة ذاتها.

إن الخيار الأول، والهدف النهائي لأي مشروع وطني جاد، ينبغي أن يكون تفكيك المؤسسة العسكرية بصيغتها الحالية، وإعادة بنائها على أسس وطنية ومهنية جديدة.

فبتفكيك هذه المؤسسة ستتفكك تلقائياً الحركة الإسلامية التي وجدت فيها، لسنوات طويلة، الرئة والقلب اللذين يمدانها بشرايين وأكسجين الحياة.

وهنا يكمن جوهر معركة السودان اليوم:

ليس فقط تغيير السلطة، بل تغيير بنية الدولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى