رأي

د. أبوعسل السيد أبوعسل يكتب: مصر السيسوية تدعم الإرهاب (3/3)

في الجزأين السابقين تم عرض كيفية ومراحل الدعم المباشر الذي توفره الدولة المصرية السيسوية للمجموعات الإرهابية، التي تسترت – في بواكير الحرب السودانية الحالية – خلف قيادة جنرالات القوات المسلحة السودانية لكن تتزعمها في الواقع حركة الأخوان المسلمين السودانية (المسماة بالحركة الإسلامية حينا والمؤتمر الوطني أحيانا أخرى) وحلفاﺅها من الدواعش والقواعد والبواكي الذين أصبحوا حديثا ينشطون علانية منفذين عمليات إرهابية ضد المدنيين العزل بقطع الرﺅوس وبقر البطون واستخدام الأسلحة الكيميائية والتدرّب على الرماية على رﺅوس الأبرياء بداعي نصرة الدين والدفاع عن المقدسات مستلهمين الإرث الطويل لنظرائهم في الشرق الأوسط وغرب آسيا والساحل الأفريقي ومتفوقين عليهم بدعوات حديثة لحصد الأعضاء البشرية الحيوية لكل مدني يرفض مشروعهم الإرهابي وبيع تلك الأعضاء بدلا من قتل الضحايا على الفور!

فضلا عن التدخل العسكري والاسناد الاستخباري واللوجستي في الحرب السودانية شكلت مصر السيسوية ملاذا آمنا لغلاة متطرفي الحركة الإسلامية السودانية بمختلف تخصصات أنشطتهم في دعم الإرهاب إذ استقر بالقاهرة قبيل الحرب مباشرة كبار ممولي الإرهاب في السودان والشام وفلسطين على غرار الإخواني الشيخ عبد الباسط حمزة الذي تخصص أيضا في تزويد حماس الفلسطينية بالسلاح والمال على مدار عقود عديدة، وكبار منسقي الحملات الإعلامية أمثال الإخواني أبي عزالدين السكرتير الصحفي السابق للدكتاتور المتأسلم المشير عمر البشير، وعثمان ميرغني الصحفي المتأسلم العتيد وسواهم. بل أن القاهرة خصصت قنوات على الإنترنت لنصرة الإرهاب الأخواني في السودان تحت ستار دعم القوات المسلحة والمحافظة على استقرار السودان، مثلما تسابق إخوانيو مصر من المقيمين بتركيا إلى نصرة الجيش المصري في تدخله في السودان رغم تاريخهم في التظاهر بمعارضة نظام المشير عبد الفتاح السيسي وقد بذهم بوضوح في ذلك كل من معتز مطر وصابر مشهور.

إن تاريخ الجنرالات الذين حكموا مصر بالحديد والنار منذ سنة 1953 حاشد بالتحالف مع جماعة الأخوان المسلمين المصرية ثم الإنقلاب عليها ثم إعادة التهاون معها وغض الطرف طوراً عن أنشطتها الإقتصادية في الداخل المصري، وتصديرها لأيديولوجيا الإرهاب الجهادي إلى دول الجوار والإقليم والشرق الأوسط والمجتمع الدولي، ولعل أبرز شواهد ذلك أن الأخواني الفلسطيني الدكتور عبد الله يوسف عزام الأب الروحي والمؤسس الفعلي لتنظيم القاعدة أقام في مصر وحصل على الدكتوراة من أزهرها قبل هجرته إلى أفغانستان، وأن الشيخ إبراهيم المصري نائب زعيم تنظيم القاعدة في اليمن مصري الجنسية، وأن الدكتور أيمن الظواهري نائب أسامة بن لادن ثم خليفته على رأس تنظيم القاعدة إخواني مصري، وأن المهندس محمد عطا قائد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الإرهابية الجهادية في نيويورك وأن مساعديه الرئيسيين جميعهم مصريو الجنسية.

وإذن فلا عجب من تحالف جنرالات مصر مع الإرهاب والتطرف أثناء الحرب السودانية الحالية لا سيما أن هناك دوافع سياسية وإقتصادية تعزز هذا المنحى. فمنذ إنقلاب الأخوان في السودان في حزيران/يونيو 1989 وإنخراطهم الفوري في حروب الإبادة في جنوب وغرب البلاد واستضافتهم لعتاة قادة المجموعات الإرهابية من كل أنحاء العالم على التراب السوداني أمثال الفنزويلي كارلوس، ومتطرفي الشيشان، والعناصر الهاربة لكل من جبهة الإنقاذ الجزائرية وحركة النهضة التونسية وحركة الجهاد الإسلامي الإرترية والأفغان العرب ولاحقا أسامة بن لادن نفسه، قررت الأسرة الدولية تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب، وبالتالي دخلت البلاد في عزلة سياسية وإقتصادية فادحة لم تجد لها من مخرج سوى الاستعانة بمصر المباركية – ومن بعدها السيسوية – في تسويق المنتجات السودانية من صمغ عربي ولحوم وحبوب زيتية وغيرها تحت غطاء أنها منتجات مصرية يتم تصديرها إلى ذات المجتمع الدولي والإقليمي!

هذا التعاون السري لكسر الحصار المفروض على دولة الإخوان في السودان- في ظل تدهور إقتصادي مستمر ينذر بالإنفجار في الداخل المصري – فتح شهية الدولة المصرية إلى المزيد من التربح من الموارد السودانية فقامت بإحتلال مثلث حلايب السوداني على سواحل البحر الأحمر متذرعة بالمحاولة الفاشلة لإغتيال الدكتاتور المصري حسني مبارك أثناء وصوله العاصمة الإثيوبية لحضور إحدى القمم الإفريقية في السادس والعشرين من حزيران/يونيو 1995 بتدبير من علي عثمان طه نائب الرئيس السوداني وكبار قادة الإخوان في السودان أمثال نافع علي نافع ومطرف الصديق وسواهم. لكن الدافع الحقيقي لإحتلال حلايب كان بدء نظام الإخوان السوداني التنقيب عن النفط قبالة سواحل المثلث فضلا عن عمليات التنقيب عن الذهب التي كانت جارية على قدم وساق.

شجع إذعان أخوان السودان للإحتلال المصري لمثلث حلايب الدولة المصرية على المضي قدما في مشروعها المبني على تشديد قبضتها على مستقبل السودان بتكريس عزلته – رغم علمها أن نظام الأخوان لا يمثل من السودانيين سوى شرذمته الإرهابية – وبالتالي الحد من أي نفوذ محتمل للسودان إقليميا وقاريا والعمل على نسف أي تقارب ممكن أو علاقات قوية للسودان مع الولايات المتحدة وأوربا ودول الخليج، فوصلت المساعي المصرية ذروتها في هذا المنحى بمعارضة مصر العلنية لكافة جهود رفع اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب في جميع المحافل الدولية – بالتخصيص بعد الإطاحة الثورية بالدكتاتور الإخواني المتأسلم عمر البشير – رغم الحديث المصري المعسول دوما عن وحدة وادي النيل وحسن الجوار وتكرار المقولات الممجوجة على شاكلة مينا محرر القطرين وأن البلدين شقيقان، وهلم جرا.

بيد أن مصر، التي ظل يحكمها طغاة عسكريون منذ الإطاحة بالحكم الخديوي الأجنبي فيها في تموز/ يوليو 1953، عملت دوما على تقويض أية محاولة لقيام أو استمرار نظام حكم مدني ديمقراطي في السودان من لدن التدخل الباكر لصلاح سالم في الإنتخابات السودانية في خمسينيات القرن العشرين بهدف التأثير ، عن طريق ضخ الأموال، على رفض الأمة السودانية بمختلف شعوبها ﻷجندة الوحدة بين البلدين، مرورا بالتأييد والدعم العلنيين لكل دكتاتور عسكري سوداني إنقلب على الديمقراطية بلا استثناء، علاوة على المشاركة بالتخطيط والدعم لكل من إنقلاب جعفر نميري في أيار/مايو 1969 وإنقلاب برهان والإخوان في تشرين أول/أكتوبر 2021.

إن حرص مصر الرسمية على استمرار الطغيان العسكري في السودان في الماضي ودعمها اللامحدود الحالي للأخوان المسلمين المستترين بالقوات المسلحة في الحرب السودانية نابع من رغبتها – أي مصر السيسوية بالذات – في السيطرة على القرارين السياسي والإقتصادي لهذا البلد المنكوب وتكريس عزلته القارية والدولية ودق الأسافين بينه وبين دول جواره الأخرى، ولعل أصدق مثال على ذلك هو وقوف الجنرال برهان والمتأسلمين في صف مصر أثناء نزاعها مع إثيوبيا حول سد النهضة رغم التعارض الأكيد لذلك الموقف مع المصلحة الوطنية السودانية، ذلك أن السد يوفر للسودان إمدادا مستداما بالكهرباء وتوفيرا هائلا لمياه الري بما يكفل قيام دورات زراعية تستمر طوال العام في السودان وغيرها من الفوائد.

وهكذا.. فإن مصر السيسوية من خلال مساندتها لإخوان السودان وفصائلهم المتخصصة في الإرهاب مثل كتائب البراء والنصرة والفرقان والبرق الخاطف، تكون قد رسخت لدورها كداعم للإرهاب والتطرف وعدم الاستقرار في السودان بدلا من إختيار دعم السلام، وتحسين حالة حقوق الإنسان، وتمكين الأمة السودانية من استشراف تطلعاتها المشروعة في الإنعتاق من ربقة الدكتاتوريات العسكرية، والتحرر من هيمنة جماعة الإخوان وفصائلها الإرهابية، وممارسة الحق الأصيل في إختيار نظام الحكم الذي ترتضيه الشعوب السودانية بمختلف مكوناتها الإجتماعية والثقافية والدينية. إن الموقف المصري ستترتب عليه نتائج ستلقي بظلالها الساحمة على مصر نفسها والسلامين الإقليمي والدولي جراء التنامي المحتوم لخطر الإرهاب وتخطيه المتوقع للحدود السودانية. أما بالنسبة للسودان فحاله يغني عن السؤال. لكن هل فات الأوان؟

شيكاغو 13 نيسان/أبريل 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى