رأي

د. موسى الأمين حمودة يكتب: الإمارات تضع العربة أمام حُصان الجيش

مسألة الحصان والعربة تطبيقٌ لقانون نيوتن الثالث، الذي ينص على أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه.

قبل الابحار في سلسلة الأحداث والتداعيات التي أفرزتها الحرب الحالية بتخطيط وتنظيم الحركة الإسلاموية، واجب أن نبحث في أصل العلاقات الأخوية المتجذرة بين دولة الإمارات والسودان. بمجرد ما نالت دولة الإمارات العربية المتحدة استقلالها في العام 1971 بقيادة مؤسسها وخادمها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان،حظيت باعتراف من جمهورية السودان وزيارة الرئيس الأسبق، جعفر محمد نميري كأول رئيس عربي وإفريقي لها في العام 1972. فتوطدت العلاقات الثنائية المتبادلة بين البلدين والشعبين وتطورت وأخذت تبحر في مجالات الاستثمار وبناء المشروعات الحيوية والتي استمرت لعقود من الزمان دون أن تتأثر بسوء أو توتر إلا خلال العامين المنصرمين من الحرب التي أعلنها الجيش وفلول النظام ضد قوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023م.

بدأت هذه العلاقة الفريدة والمتميزة منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، في مناخ صالح ابتدره الشيخ زايد بن نهيان، ومن أوائل قطرات الخير تمويل طريق هيا سواكن بورتسودان، وتم افتتاحه في العام 1979، ثم قروض لمشاريع كثيرة مثل مشروع غزل الحاج عبدالله عام 1976، وسكك حديد السودان 1977، ومطار الخرطوم عام 1980. وتباعاً انطلقت مجالات التعاون بين البلدين، حيث تأسست أول شركة عام 1975 هي شركة الإمارات والسودان للاستثمار. ومن بين المشروعات المتميزة إنشاء قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم التي بدأت أعمال تشييدها في عام 1983 وتم افتتاحها في العام 1987م. وفي العام 2002م مول صندوق أبو ظبي في السودان مشروع سد مروي بمبلغ مساهمة قدره 735 مليون درهم ويعتبر أحد أهم المشاريع الاستراتيجية وأكبر المشاريع الاقتصادية التى نُفذت وذلك للأثر الواضح الذى أحدثه فى حياة المواطنين وبإنشائه تطورت الكثير من أوجه النشاط الاقتصادي. كما ساهم الصندوق في إنشاء مشروع سكر النيل الأبيض بتمويل بلغت قيمته 184 مليون درهم إلى إنتاج 465 ألف طن، وقد ساهم في دعم النمو الاقتصادي للدولة بصفة عامة والتنمية الريفية في ولاية النيل الأبيض بشكل خاص. وفي العام 2017 أنشات الإمارات مشروع “أمطار” الزراعي للنخيل بمحلية الدبة بشمال السودان بمساحة إجمالية بلغت 300 ألف فدان.

وبالعودة إلى مجريات حرب 15 أبريل 2023م التي بدأها الفلول ضد قوات الدعم السريع، ظلت دولة الإمارات حضوراً عبر كل المساعي الدولية الداعية لوقف الحرب ابتداءاً من اتفاق جدة، والمنامة ومحادثات جنيف وسويسرا وتدعو طرفي الصراع إلى وقف الحرب وإحلال السلام والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى نحو 25 مليون نازح في مدن السلام المختلفة ودعوتها لعدم اتساع رقعة الحرب وزيادة معاناة الشعب السوداني. ولم تألوا دولة الإمارات جهداً في وقف الحرب ودعوة طرفيها للسلام والضغط عليهما عبر المنابر الأممية ومجلس الأمن وكانت طرفا أصيلا في كل الجهود الإقليمية والعالمية لوقف الحرب، بجانب ذلك لم تكتف الإمارات بجهودها الدبلوماسية لمساعدة الشعب السوداني وإنما ساهمت بالمواد التموينية والأدوية والمساعدات الإنسانية المختلفة من مطاراتها إلى بورتسودان ومعبر أدري بتشاد لإغاثة الشعب السوداني، وسخرت مطاراتها وعلاقاتها من أجل مساعدة وإعانة الشعب السوداني. وبرغم ذلك ظل الجيش وقياداته الحالية يكيلون الشتائم والسباب والاتهامات الباطلة والتهديد وفرقعات إعلامية مضللة ضد دولة الإمارات والادعاء بأنها تساند قوات الدعم السريع وتمولها بالسلاح وتشكل غطاءاً دبلوماسياً لها على حسب زعمهم.

دولة الإمارات لا زالت تعتبر أن الجيش من طرفي الحرب وهو كـ”الحصان” الذي يقود العربة، أي تشجعه أن يكون له دور حيوي في وقف الحرب وإحلال السلام طوعاً غير مكرهاً، لا أن يكون موقعه خلف العربة، مجروراً لا جاراً وغير فاعلاً في المشهد وكأنه ترله أو عربة “كارو” تجره الحركة الإسلاموية لتنفيذ أجندتها الشيطانية والاستمرار في الحرب التي لن تتحق له نصر. وبالمقابل ظلت تجدد دعوتها لقوات الدعم السريع كطرف حرب باللجوء إلى التفاوض والسلام وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية والحد من الانتهاكات التي تقع على المدنيين. دولة الإمارات لا تفرق بين طرفي الحرب ولا تنحاز إلى جانب أي منهما، وإلا لماذا تدعو الطرفين للتفاوض ووقف الحرب! إن كانت نيتها مناهضة الجيش فلماذا تعمل على وقف الحرب؟.

خلال الأسبوع المنصرم خسر الجيش معركته الدبلوماسية مع الإمارات، فشل في كسب معركته الدبلوماسية والسياسية ضد دولة الإمارات وفق صدور التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، والذي سلّط الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الأطراف المتحاربة بحق المدنيين، ودحض المزاعم الباطلة التي وجهها الجيش السوداني ضد دولة الإمارات.

لم يفق الجيش السوداني من ورطته الدبلوماسية وتداعياتها، إلا أنه قبل يومين يتعرض لصفعة أخرى وبالدلائل المثبتة بإعلان النائب العام الإماراتي إحباط محاولة تمرير عتاد عسكري إلى الجيش السوداني وإلقاء القبض على ما وصفها بـ”خلية متورطة في عمليات الوساطة والسمسرة والاتجار غير المشروع في العتاد العسكري وهو كمية من الذخائر داخل طائرة خاصة كانت تحمل نحو 5 ملايين قطعة ذخيرة عيار (62×54.7) من نوع “جرينوف” من العتاد العسكري في أحد مطارات الدولة”، بالإضافة إلى ضبط جزء من متحصلات الصفقة المالية بحوزة اثنين من المتهمين داخل غرفهم الخاصة بأحد الفنادق، حيث أوضحت المستندات التي وجدت بحوزتهم عن صلاتهم المباشرة بقيادات الجيش الحاليين أبرزهما البرهان ومساعده ياسر العطا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى